في الوقت الذي تعتمد فيه المنظومة الحالية المعمول بها على الفصل بين منظومة الخبز (5 أرغفة يومياً للمواطن بسعر رمزي) ومنظومة السلع التموينية (بقيمة 50 جنيهاً شهرياً للفرد الواحد حتى الفرد الرابع على البطاقة، و25 جنيهاً بدءاً من الفرد الخامس)، يطرح المقترح الجديد دمجاً كاملاً للمنظومتين.
وتقوم الفكرة الأساسية على إلغاء الفصل التمويني، ومنح الفرد رصيداً مالياً ثابتاً يبلغ 325 جنيهاً شهرياً، يُمثل القيمة الإجمالية المدمجة لنصيبه من السلع (الـ 50 جنيهاً الحالية) مضافاً إليها القيمة المالية المخصصة لدعم الخبز اليومي وفروق النقاط.
وتشير ملامح المنظومة المقترحة إلى تغيير في آليات احتساب التكلفة داخل المحفظة؛ حيث سيتم احتساب رغيف الخبز بسعر افتراضي أعلى (يصل إلى 1.5 جنيه) مع خفض وزنه إلى 70 جراماً، ليشتري المواطن احتياجه وفق هذا السعر الجديد خصماً من رصيده النقدي.
ولهذا تثير التوجهات والخطط الحكومية الرامية إلى تغيير فلسفة الدعم في مصر حالة من الجدل لا سيما مع تسريب ملامح مقترح مالي جديد يقضي بتحويل الدعم من عيني (سلع وخبز محدد الكمية) إلى دعم نقدي مشروط يُودع في محفظة إلكترونية مدمجة للمواطن.
وبينما تراه حكومة السيسي خطوة لضبط المنظومة وإغلاق منافذ الهدر، يرى فيه خبراء ومواطنون خطراً حقيقياً يهدد صمام الأمان الغذائي للفئات الأكثر احتياجاً.
ملامح المنظومة
قال ماجد نادي، نقيب بدالي التموين، إن المنظومة التموينية في مصر تشهد حالياً ملامح تحول جوهري وإستراتيجي، حيث تتركز التوجهات الجديدة حول تحويل الدعم إلى نظام "الدعم النقدي المشروط" أو ما يُعرف بالمحفظة السلعية الإلكترونية. وأوضح نقيب البدالين أن الدعم النقدي لن يكون عبارة عن مبالغ مالية تُصرف للمواطنين يدوياً "كاش"، بل ستتحول بطاقة التموين إلى "محفظة سلعية مالية إلكترونية" يُودع فيها رصيد مالي مخصص ومصمم لشراء السلع الغذائية والخبز فقط.
وأكدت وزارة التموين بحكومة السيسي أن التحول إلى الدعم النقدي يستهدف منح المواطن حرية أكبر في اختيار السلع والمنتجات التي تتناسب مع احتياجاته الفعلية، بدلاً من التقيد بقائمة محددة من السلع بما يحقق أقصى استفادة ممكنة من قيمة الدعم المخصصة له.
وتتلخص أبرز ملامح وآليات المنظومة الجديدة في النقاط التالية: حرية الاختيار، حيث لن يحصل المواطن على أموال سائلة في يده، بل سيتم تحويل الدعم إلى رصيد مالي إلكتروني مرن داخل بطاقة التموين؛ والتحرر من الحصص الإجبارية، حيث يستطيع المواطن استخدام هذا الرصيد لشراء ما يحتاجه الفعلي من السلع والخبز بالأسعار الحرة دون التقيد بكميات ثابتة أو سلع مفروضة؛ وتوسيع شبكة السلع، حيث سيتم إدخال سلاسل تجارية كبرى في المنظومة لزيادة الخيارات المتاحة للمواطنين لتصل إلى أكثر من 80 سلعة "بما فيها اللحوم والدواجن" بدلاً من 33 سلعة حالياً.
آليات احتساب دعم الخبز والسلع
وأشار نقيب البدالين إلى أن تكلفة رغيف الخبز الحقيقية على الدولة تبلغ نحو جنيه ونصف، وبدلاً من توجيه هذا الدعم للمخبز، سيتم إيداعه مباشرة في بطاقة المواطن (بواقع 130 قرشاً للدولة وريال يدفعه المواطن) ليشتري الكمية التي يحتاجها. وفي حال عدم صرف حصته من الخبز، تحول القيمة المالية المتبقية بالكامل لصالح المواطن ليشتري بها سلعاً غذائية.
أما بالنسبة للسلع، فسيتم تخصيص قيمة نقدية محددة للفرد (وليكن 100 جنيه شهرياً على سبيل المثال)، لتصرف الأسرة المكونة من 4 أفراد سلعاً بقيمة 400 جنيه وفقاً لاحتياجاتها الحرة.
وأضاف نادي أن هذا النظام سيطبق على جميع أصحاب البطاقات التموينية دون أي تصنيف أو تقسيم فئات، كما أن قيمة الدعم ستكون مرنة وتتغير لمواكبة ارتفاع الأسعار عالمياً ومحلياً لضمان مساندة المواطن.
المخاوف الاقتصادية والاجتماعية
ويُجمع خبراء ومحللون على أن هذا المشروع ينطوي على تحديات وسلبيات بارزة قد تحوّله إلى "أداة لتعميق الأزمة المعيشية". تتلخص هذه المخاوف في النقاط التالية:
تآكل القيمة الشرائية بفعل التضخم
حيث القيمة النقدية المقترحة (325 جنيهاً) هي رقم ثابت، بينما الأسعار في السوق الحرة متحركة وقابلة للارتفاع في أي وقت. ومع أي موجة تضخم، ستنخفض القوة الشرائية لهذا المبلغ سريعاً، مما يجعله عاجزاً بمرور الوقت عن شراء نفس كميات الزيت والسكر والخبز التي كان يؤمنها الدعم العيني الثابت.
الضغط على استهلاك الخبز
ودمج دعم الخبز والسلع في محفظة مالية واحدة يجبر الأسر الفقيرة على اتخاذ قرارات صعبة يومياً؛ فشراء السلع الأساسية كالزيت والأرز سيكون على حساب ميزانية الخبز اليومي، والعكس صحيح، مما يضغط مباشرة على معدلات التغذية الأساسية. وفي هذا السياق، يظل رغيف الخبز جزءاً أساسياً من المنظومة ولكن بشكل مالي؛ فإذا قام المواطن بترشيد استهلاك الخبز ولم يقم بصرف حصته كاملة، يتم تحويل القيمة الموفرة كرصيد مالي إضافي في محفظته التموينية يمكنه استخدامه لشراء سلع غذائية أخرى.
الدعم لغير الأغراض الغذائية
وقد تضطر الأسر -تحت وطأة الضغوط المالية القاسية والديون أو فواتير المرافق- إلى سحب أو توجيه هذه السيولة النقدية لسداد التزامات أخرى طارئة، على حساب الاحتياج الغذائي والصحي لأفرادها. وهنا تؤكد وزارة التموين أن الدعم النقدي لن يكون عبارة عن مبالغ مالية تُصرف للمواطنين يدوياً، بل ستتحول بطاقة التموين إلى "محفظة سلعية مالية إلكترونية" يُودع فيها رصيد مالي مخصص ومصمم لشراء السلع الغذائية والخبز فقط.
السوق الحر وغياب الرقابة
ويرفع هذا النظام التزام الحكومة بتوفير السلع بأسعار محددة، ويترك المواطن في مواجهة مباشرة مع آليات السوق الحرة واستغلال بعض التجار الذين قد يرفعون الأسعار بشكل عشوائي لامتصاص القوة الشرائية الناتجة عن مبالغ الدعم.
تأثر قطاع المخابز
وتثير الخطة مخاوف قطاع المخابز (شعبة المخابز) من تعثر المنظومة وتأثر آلاف المخابز جراء تغير آليات الطلب والصرف، والاضطرار للعمل ضمن سوق حر يحمّل الخبّاز والمواطن أعباء التغيير الإداري.
استبعاد غير المستحقين للدعم
وأدعى محمد شتا، مساعد وزير التموين للخدمات الرقمية، أن تنقية بطاقات التموين تستهدف استبعاد غير المستحقين للدعم وفق معايير العدالة ومؤشرات الدخل والقدرة المالية، مثل السكن في الكومباوندات مرتفعة القيمة وامتلاك سيارات فاخرة أو إلحاق الأبناء بمدارس دولية، موضحًا أن الوزارة تعتمد على قواعد بيانات دقيقة وبحوث الدخل والإنفاق لتحديد المستحقين، مع التأكيد على عدم المساس بالأسر الأكثر احتياجاً، بهدف ضمان وصول الدعم إلى الفئات الأولى بالرعاية وتحقيق عدالة توزيع الدعم.
وستقسم المنظومة الجديدة المستفيدين إلى شرائح وفقاً لمستوى الدخل والاحتياج. الشريحة الأولى "الأكثر احتياجاً" ستحصل على أعلى قيمة للدعم المالي بالكامل دون أي تخفيضات. الشرائح المتوسطة ستحصل على دعم جزئي يتدرج نزولاً وفقاً لمستوى استحقاق الأسرة الفعلي. الشريحة الرابعة "الأسر المستقرة اقتصادياً" وهي الفئات التي شهدت أوضاعها تحسناً ملحوظاً، وسيتم خروجها تدريجياً من المنظومة لتوجيه الدعم لمن هم أولى.!
موعد التطبيق
وعن موعد التطبيق الرسمي، ذكر نقيب البدالين أن هناك توقعات ببدء التنفيذ مع أول الشهر يوليو 2026، إلا أن وزارة التموين لم تعلن حتى الآن عن الموعد بشكل رسمي، لافتاً إلى أن العملية لن تحتاج إلى مجهود تقني إضافي من المواطن.
وشددت وزارة التموين على المواطنين الذين يتعرضون لمخالفات أثناء صرف السلع، ضرورة التقدم بشكوى حال عدم التزام منافذ صرف السلع التموينية بصرف السلع المقررة على بطاقة الدعم.
ويظل الدعم العيني للسلع الاستراتيجية، وعلى رأسها الخبز والسلع الأساسية، بمثابة صمام الأمان الاجتماعي الأخير للفئات الأكثر احتياجاً في مواجهة تقلبات العملة وغلاء المعيشة. إن علاج الفساد الإداري والرقابي لا ينبغي -وفق الرؤى الاقتصادية المتوازنة- أن يتم عبر آليات ماليّة قد تفرغ الدعم من مضمونه بمرور الوقت تحت مطرقة التضخم، مما يستدعي مراجعة مجتمعية ورقابية شاملة قبل الإقدام على تطبيق هذه الخطوة.