كشفت مصادر مطلعة بقطاع النقل البحري والبترول عن تفاصيل واحدة من أخطر قضايا الفساد المالي، مشيرة إلى اتهام مسئولين سابقين داخل الشركة المصرية لناقلات البترول بالتورط في تسهيل الاستيلاء على أكثر من 2 مليون و300 ألف دولار أمريكي لصالح سمسار بحري بريطاني الجنسية، عبر اصطناع عقود وفواتير ومستندات بحرية مزورة بالمخالفة للقانون والأعراف البحرية الدولية.
وقالت المصادر إن المتهم الأول، مدير الإدارة التجارية السابق بالشركة، والمتهم الثاني أخصائي أول بالإدارة التجارية، قاما باستغلال طبيعة عملهما واختصاصاتهما الوظيفية في إعداد عقود استئجار ناقلات بحرية مزورة على غرار العقود الأصلية المبرمة بين الشركة وملاك الناقلات البحرية، بهدف تمرير عمولات ومبالغ مالية غير مستحقة لصالح المتهم الثالث، وهو سمسار بحري بريطاني الجنسية.
المشاركة بالرحلة
وأوضحت التحريات أن السمسار البحري لا يعد طرفًا في العقد البحري ولا يتحمل مسئولية تنفيذه، حيث تنتهي مهمته بمجرد التوفيق بين طرفي التعاقد، مؤكدة أن تلك القواعد مستقرة في سوق النقل البحري العالمي.
وأكدت صحة تلك القواعد من خلال تعاقد سابق أبرمته الشركة مع شركة “روساريو العالمية” لاستئجار الناقلة “أولمبيك ليجند”، حيث تم سداد أجرة النقل كاملة للشركة المالكة دون تحمل الشركة المستأجرة أي عمولات سمسرة أو إدراج وسيط بالعقد.
عقود مزورة
وبحسب التحقيقات، قام المتهمان الأول والثاني باصطناع عقود استئجار ناقلات بحرية بنظام الرحلة الواحدة على غرار العقود الصحيحة الخاصة بنقل شحنات خام بترول كويتية وعراقية وسعودية لصالح الهيئة المصرية العامة للبترول، وأثبتا بها منح عمولات ومبالغ مالية لصالح المتهم الثالث بالمخالفة للحقيقة والأعراف البحرية التي تلزم ملاك الناقلات بتحمل تلك العمولات.
كما تضمنت العقود المزورة تحميل الشركة غرامات تأخير ومبالغ إضافية غير مستحقة، فضلًا عن إثبات تنازل الشركة عن خصومات مالية لصالح السمسار البحري بالمخالفة للحقيقة.
وكشفت التحقيقات أن الأموال محل الاتهام تم تحويلها من الحساب البنكي الخاص بالشركة الشاكية إلى حسابات بنكية أجنبية تخص شركات مرتبطة بالمتهم الثالث، وهي “وورلد تانكرز” و”شارتمير إنفستمنت” و”وسترن”، عبر بنوك في اسكتلندا وقبرص وسويسرا.
تحويلات بنكية
وأرفقت جهات التحقيق ضمن أوراق القضية رسائل البريد الإلكتروني المتبادلة بين المتهمين الأول والثاني والمتهم الثالث، فضلًا عن العقود الأصلية والعقود المزورة ومذكرات التعاقد التي تضمنت المبالغ المالية المستولى عليها.
كما تضمنت الأحراز نماذج التحويلات البنكية الصادرة من حساب الشركة الشاكية إلى الحسابات البنكية الخارجية الخاصة بالشركات التابعة للمتهم الثالث، بالإضافة إلى كشوف الحسابات البنكية التي أثبتت خروج المبالغ محل الاتهام.
وأكدت أن قيمة الأموال المستولى عليها بلغت أكثر من 2.3 مليون دولار أمريكي، جرى تمريرها عبر 12 عقد نقل بحري خاص بشحنات مواد بترولية.
خسائر مالية
وقالت المصادر إن خيوط القضية بدأت في الظهور عقب تعرض الشركة لخسائر مالية دفعت إدارة المراجعة الداخلية إلى فحص المراسلات الإلكترونية الخاصة بعمولات السمسرة والعقود البحرية.
وشهد محمود عبد النبي عبد العال، محامي الشركة، أمام نيابة الأموال العامة العليا، بأن إدارة المراجعة طلبت مراجعة البريد الإلكتروني الخاص بالتعاملات التجارية، وعلى إثر ذلك أبلغ المتهم الثاني المتهم الأول بأنه قد يتعرض للمساءلة القانونية، قبل أن يقر له بتواطئهما مع المتهم الثالث في اصطناع عقود مزورة تتضمن عمولات غير حقيقية لصالح السمسار البحري البريطاني.
وأضاف الشاهد أن المتهم الثالث كان يمثل حلقة الوصل مع ممثل ملاك الناقلات البحرية “لوكاس سانجراتيه”، وأن الأموال المستولى عليها جرى تحويلها إلى حسابات ببنوك أجنبية.
انتهاء ساعات العمل
كما كشف يحيى محمد صلاح الدين، القائم بأعمال مدير الإدارة التجارية بالشركة، أنه أثناء وجوده بمقر الشركة عقب انتهاء ساعات العمل فوجئ بعودة المتهم الثاني إلى مكتبه رغم مغادرته سابقًا.
وقال إنه بسؤاله عن سبب عودته أخبره بأنه “سيُعاقب ويغيب عن العمل” إذا قدم المستندات المطلوبة، قبل أن يقوم بتشغيل جهاز الحاسب الآلي وإرشاده إلى المراسلات الإلكترونية المتبادلة بينه وبين المتهم الثالث.
وأوضح صلاح الدين أن الفحص كشف وجود عقدين لكل عملية نقل بحري؛ أحدهما صحيح تم إخفاؤه عن الشركة، والثاني مزور جرى اصطناعه لاحقًا وتم تداوله داخل الإدارات المختلفة لصرف المبالغ المالية محل الاتهام.
لجنة داخلية
وأكدت لجنة الفحص الداخلية التي شكلتها الشركة أن المتهمين سهلوا استيلاء السمسار البحري البريطاني على أكثر من 2.3 مليون دولار أمريكي، عبر تزوير 12 عقد استئجار ناقلات بحرية والفواتير المرتبطة بها واستعمالها داخل الإدارات التجارية والمالية بالشركة.
وأوضحت اللجنة أن المتهم الثالث كان يرسل العقود الأصلية الصحيحة إلى البريد الإلكتروني للمتهمين الأول والثاني، ليقوما بعد ذلك بإعداد نسخ مزورة تتضمن عمولات وغرامات وإيرادات إضافية بالمخالفة للأعراف البحرية، ثم يعيدان إرسالها إلى الإدارة التجارية بالشركة لاستكمال إجراءات اعتمادها وصرفها.
وشهد محمد عادل، المحاسب بالإدارة المالية وعضو اللجنة الداخلية المشكلة لفحص الواقعة، أن المتهم الثاني أقر خلال التحقيق الإداري بارتكاب الوقائع محل الاتهام، كما قدم تسجيلات صوتية ورسائل بريد إلكتروني متبادلة بينه وبين المتهم الأول والمتهم الثالث، وتم ضمها إلى التحقيقات باعتبارها أدلة على التلاعب والتزوير.
مخالفات فنية
من جانبه، أكد الخبير البحري رضا فاروق الشامي، أن مقارنة العقود الأصلية بالنسخ الأخرى أثبتت أن العقود المزورة صدرت من غير ذي صفة وتضمنت مخالفات فنية جسيمة تخالف الأعراف المستقرة في سوق النقل الملاحي.
وأوضح الشامي فى تصريحات صحفية أن العقود المزورة تضمنت تحميل الشركة المستأجرة عمولات السمسرة بدلًا من ملاك الناقلات البحرية، فضلًا عن إدخال طرف ثالث في العلاقة التعاقدية دون وجود صفة قانونية واضحة له.
وأشار إلى أن فحص أحد العقود الخاصة بالناقلة “أنتينيس إنجلكوتاي” كشف اختلافه عن العقد الأصلي، حيث تضمن منح عمولة بنسبة 6% للسمسار البحري بالمخالفة للعقد الأصلي الذي نص صراحة على أن السمسار يتقاضى عمولته من مالك الناقلة المؤجر.
وقال الشامي إن المراسلات الإلكترونية الخاصة بالعقود المزورة تمت مباشرة بين المتهمين الأول والثاني والمتهم الثالث دون التواصل مع ملاك الناقلات البحرية، وهو ما تسبب في تحميل الشركة مبالغ إضافية تجاوزت 2.3 مليون دولار أمريكي دون وجه حق.