شهدت الأوساط الفكرية والأكاديمية والحقوقية موجة عارمة من الاستنكار والتنديد، عقب صدور أحكام قضائية مشددة من الدائرة الجنائية في تونس فيما يُعرف إعلاميًا بـ "قضية الجهاز السري لحركة النهضة"، وقضت المحكمة بالسجن مدى الحياة مع 30 سنة إضافية ضد رئيس البرلمان السابق ورئيس حركة النهضة الشيخ راشد الغنوشي(84 عاما)، و42 عامًا ضد نائبه ورئيس الحكومة الأسبق علي العريض، وأحكامًا متفاوتة تراوحت بين المؤبد وعقوبات تراكمية طويلة الأمد بحق قيادات أخرى؛ ليتجاوز مجموع السنوات المحكوم بها على الشيخ الغنوشي في مجمل القضايا المثارة ضده 106 سنوات.
وأجمعت القراءات السياسية والحقوقية على أن هذه الأحكام تمثل تصفية سياسية غاشمة تفتقر إلى أدنى ضمانات المحاكمة العادلة، وتأتي في سياق رغبة سلطة قيس سعيّد في إقصاء الخصوم السياسيين وتكريس الحكم الفردي المطلق.
ردود أفعال وتنديد واسع
وعلق الباحث والكاتب مهنا الحبيل على هذا التطور القضائي الخطير مشيرًا إلى الرمزية التاريخية للشيخ الغنوشي، معتبرًا الأحكام دليلًا على حالة الاستبداد التي تعيشها البلاد، وكتب في تغريدته:
"اليوم تم الحكم على الشيخ #راشد_الغنوشي المفكر الإسلامي ورائد #النهضة في #تونس والزعيم الوطني الكبير في تاريخها بمجموعة من أحكام السجن والمؤبد وهو في 85 من عمره، عربدة لا حدود لها في ظل حكم المستبد الفرد وتاريخ جديد مؤلم يُعيد التأكيد أن الشيخ راشد كان ولا يزال رمز الفداء لأجل شعب تونس 🇹🇳 ومستقبله فرج الله عن الشيخ المجاهد وكتب لتونس حرية رشيدة تنقذها من خطايا الأمس وكارثة اليوم".
https://x.com/MohannaAlhubail/status/2061945455425314934
من جانبه، أبدى رئيس الجمهورية التونسية الأسبق الدكتور منصف المرزوقي سخطه الشديد تجاه القضاء المستغل في تصفية الحسابات السياسية، معبرًا بأسلوب لا يخلو من القسوة المجازية عن احتقاره للأحكام الصادرة ضد الغنوشي:
"خاطرة على الطاير هذا الصباح بعد سماعي بخبر الحكم بالمؤبد على الشيخ #الغنوشي، تعلمون أنني من أشد مناهضي عقوبة الإعدام، حاولت وفشلت في تضمين منعه في دستور الثورة ونالني من هذا الموقف ما نالني، لذلك سأقف ضد أي حكم بالإعدام يصدر ضد المنقلب بما أن العقوبة الوحيدة في القانون التونسي لتهمة الخيانة العظمى هي الإعدام، لكنكم تعرفون تناقصات البشر وضعفهم أحيانا وما يبحثون عن أعذار لتبرير تراجعهم عن مبادئهم، وحيث أنني مجرد إنسان لا يدعي الطهورية والملائكية أو أنني من كوكب آخر لا تعجبوا ولا تسخروا ولا تهاجموني وأنا أطالب بعقوبة الإعدام على كل قضاة الزبالة، وخاصة القضاة الذين حكموا بالمؤبد على الغنوشي شريطة أن ينفذ الحكم أمام حائط أبيض رميا بالبصاق."
https://x.com/MMarzouki01/status/2062398943363805631
واعتبر المفكر الموريتاني الدكتور محمد المختار الشنقيطي، الحكم بمثابة محاكمة لقيم الثورة والتاريخ التونسي المعاصر، وجاء في النص:
"الحكم الجائر بالسجن المؤبد على الأستاذ راشد الغنوشي هو حكم على أفضل ما في تونس: تاريخا وقيما وشهامة وصلابة في وجه الظلم وحملا لهمّ الشعب والوطن، وعلى يد أسوأ ما فيها: خيانة وفسادا واستبدادا وتبعية، لا مستقبل لأمة يُهان خيارها وتقيَّد فيها الحريات وهي قاعدة راكدة."
https://x.com/Meemmag/status/2062073045703954703
والموقف الدولي الصادر عن منظمة هيومن رايتس ووتش الحقوقية الدولية، عبر تصريح رئيسة قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المنظمة، والتي وصفت الحكم بـ: "حكم سخيف وانتقامي بالسجن المؤبد على زعيم حركة النهضة التونسية راشد الغنوشي البالغ من العمر 84 عاماً بتهم لا أساس لها من الصحة."
وفي سياق متصل، ربط الدكتور محمد الصغير الهجمة على الغنوشي بمواقف دولية أوسع ترفض نماذج الإسلام السياسي المعتدلة والمستنيرة، مغردًا:
"نقلت وكالة الأنباء الرسمية أن القضاء التونسي حكم بالسجن مدى الحياة على رئيس حركة "النهضة" #راشد_الغنوشي في قضية "الجهاز السري للحركة"، التنكيل بالشيخ الثمانيني، أحد رموز مشروع النهضة والتغيير السلمي، في أرحب صوره وأكثرها انفتاحا على الجميع، يؤكد قاعدة الأكاديمي الفرنسي فرانسوا بوجا حيث قال : إن "الغرب الديمقراطي لن يقبل بتجربة الحكم الإسلامية بطرفيها #طالبان والغنوشي ".
أما الكاتب والإعلامي أحمد سليمان العُمري، فقد قارن بين طبيعة هذه الأحكام التراكمية والأساليب التي تنتهجها الأنظمة القمعية والاحتلال لإقصاء الرموز الوطنية، قائلًا:
"لم يكتفِ القضاء بالحكم على #راشد_الغنوشي بالمؤبّد، بل أضاف إليه ثلاثين عاما أخرى، لتتجاوز الأحكام عمر رجل جاوز الثمانين بسنوات طويلة، تُذكّرني هذه الأحكام التراكمية بالأحكام التي تصدر من المحاكم الإسرائيلية، فضلا عن أن مسار قضية #الغنوشي التي تفتقر إلى ضمانات المحاكمة العادلة، بما يجعلها أقرب إلى التسييس الواضح وانزياحا نحو الإقصاء السياسي أكثر من كونه مسارا قضائيا طبيعيا.".
https://x.com/ahmadomariy/status/2062513160989360217
ومن جهته، سخر الكاتب والسياسي ياسر الزعاترة من التهم الموجهة للغنوشي، معتبرًا إياها معركة "دونكيشوتية" يخوضها النظام ضد قامات فكرية وسياسية كبيرة تفوقه حجمًا وتاريخًا:
"السجن مدى الحياة لراشد الغنوشي!! قضت محكمة "الدكتاتور الصغير" بسجنه مدى الحياة، مع 30 سنة أخرى، و42 عاما ضد نائبه علي العريض، و96 سنة سجنا لمصطفى خذر والسجن مدى الحياة مع 76 سنة سجنا لرضا الباروني والطاهر بوبحري وكمال العيفي وسبعة متهمين آخرين، الحكاية التافهة هي "الجهاز السرّي" لحركة النهضة، أشباح غريبة تطارد الدكتاتور الصغير، فيحاربها بالسجون والأحكام وتكميم الأفواه، "الدولة العميقة" تدير المشهد، مع دعم خارجي معروف، لكن المذكور يستمتع بمطاردة "الكبار" الذين يذكّرونه بحجمه، الشيخ الغنوشي صاحب الـ(85) عاما لا تضيره السجون التي خبرها طويلا قبل أن يدخل "الصغير" عالم السياسة وشؤونها، ورمزيته أكبر من أن تمسّها التهم التافهة، وحكايات التآمر "الدونكيشوتية"."
صمود من خلف القضبان واستشراف لمستقبل البلاد
وفي قراءة متعمقة للرسائل الواردة من محبس الشيخ الغنوشي، أكد الدكتور رفيق عبد السلام وزير الخارجية التونسي السابق أن رائد الفكر التنويري التونسي ما يزال متمسكًا بمبادئه وثوابته الديمقراطية رغم وطأة الاعتقال الظالم وإضرابه عن الطعام تضامنًا مع بقية المعتقلين السياسيين:
"رسالة الغنوشي من محبسه، وهو يخوض اضرابا عن الطعام بجسده الثمانيني المنهك، تضامنا مع جوهر بن مبارك وكل ضحايا الاعتقال السياسي التعسفي والقضاء المستتبع، تبين على سبيل اليقين أنه حافظ على توازنه الفكري والسياسي حتى في أصعب الظروف والأحوال التي مر ويمر بها، فظل متشبثا بالتوجهات والتطلعات التي أعلنها منذ بداية الثمانينات من القرن الماضي ونضجت تدريجيا من داخل السجون وفي الساحات العامة وفي المهاجر وبعد الثورة، وهي توجهات تقوم على تأسيس فكرة الحرية الجامعة والسماحة الشاملة على أرضية الإسلام، ورفض الصراعات الأيدولوجية العقيمة والبحث عن المشتركات العامة التي تجمع المختلفين، ورفض كل أشكال الاستثناء والاقصاء ونبذ ثقافة الكراهية والحقد، فالرجل وهو يعيش الاعتقال الظالم من طرف نظام حاقد وغشوم، لم يتحدث عن محنته الخاصة أو اوجاعه الذاتية بل تحدث عن نضالات رفاق دربه في السجن وعن معاناة الوطن الأكبر."
وأضاف عبد السلام في تغريدة أخرى مستنكرًا تمدد الاعتقالات السياسية لتشمل رموز جبهة الخلاص الوطني مثل الأستاذ نجيب الشابي:
"النظام الانقلابي المفلس في تونس يعتقل الأستاذ نجيب الشابي زعيم جبهة الخلاص الوطني والشخصية السياسية المعروفة. السؤال المطروح من يعتقل من؟ والجواب بكل بساطة نجيب الشابي يعتقل الدكتاتور الأرعن قيس سعيد المتحصن بالسجون والقمع والمحاكمات الصورية والكذب والدجل. ستكون نهاية هذا الانقلاب قريبا بحول الله، وسيستعيد الشعب التونسي وهج ثورته وديمقراطيته المغدور بهما. ولا بد لليل أن ينجلي ولابد للقيد أن ينكسر."
https://twitter.com/RafikAbdessalem/status/1996570846492569813
أبعاد إقليمية
يرى العديد من المراقبين أن ما يحدث في تونس ليس معزولًا عن السياق الإقليمي ومحاولات قوى الثورة المضادة لتقويض ربيع العرب الإيجابي وإعادة إنتاج الأنظمة الشمولية القمعية. وفي هذا الإطار، يُذكر بمواقف وتصريحات تاريخية تؤكد استهداف التجربة التونسية منذ مهدها، مثل تصريح الدكتور منصف المرزوقي السابق الذي أشار فيه إلى أن:
"تونس كانت مستهدفة من عدة أطراف، لكونها منطلق الثورات والربيع العربي الذي أخاف كل الأنظمة، وكان واضحًا أن هناك إرادة إقليمية لإفشال الربيع العربي"
وتقاطعت هذه الرؤية مع ما نقله حساب الهاشمي – ALHACHIMI حول شهادة تاريخية للرئيس التونسي الراحل الباجي قايد السبسي يكشف فيها عن حجم الضغوط الخارجية المفروضة لإجهاض المسار الديمقراطي:
"صحفي تونسي معروف (خصم للإسلاميين) سأل التونسي الراحل الباجي قايد السبسي عن مساعدات موعودة من الإمارات لم تصل، قال له لا أستطيع تلبية شروطهم، إنهم يريدون مني تكرار السيناريو المصري، تدخل سافر في الشؤون التونسية من إمارة الشر في أبو ظبي ودرس لكل من يظن بها خيرا."
وتعليقًا على الأثر الإقليمي والتنسيق المطلوب بين الشعوب لمواجهة هذه الهجمة الشرسة، أشار الفنان والناشط عمرو واكد إلى ضرورة الوعي الجماعي بوحدة المصدر الذي يغذي الاستبداد في المنطقة، كاتبًا:
"المجلس العربي للثورة، كل ثورات الربيع العربي قامت كل واحدة على حدة، ثورة تونس ثم ثورة مصر ثم سوريا، ثم اليمن، الخ. والملفت أن كل هذه الثورات واجهت ثورة مضادة واحدة بتخطيط وبتمويل من دولة أو اثنتين في الخليج، أي مصدر واحد لم يتغير في أي من الثورات المضادة، ولذلك الثورة المضادة تغلبت في مصر أولا ثم في سوريا ثم في تونس، ونجحت في إخماد الجزائر واشعال ليبيا واليمن، ولكن كل على حدة، وهذا جعل كل ثورة منهم فريسة سهلة، وذلك يعني أن الطريق إلى الحرية لابد أن يكون مشروعا عربيا واسعا وليس محليا، لأن مصدر الثورة المضادة واحد فقط، وإذا واجهت الثورة المضادة ١٠ ثورات في نفس الوقت هذا سيفرض على الصهاينة العرب أن يقسمون فرقهم وأموالهم على ١٠ شعوب، وذلك يضعفهم ويحد من قدراتهم في مواجهة طوفان العرب القادم، لذلك أي حراك شعبي في المنطقة لابد أن يتم بتنسيق دقيق بين كل الشعوب التي تحت الاستبداد الصهيوني."
وقال مراقبون: إن "موجة الربيع العربي نُقلت من تونس لكل الدول الناس حتي طلعت في السعودية والبحرين، ترند وكل دولة عندها مشاكلها في مصر المطالب الأولية كانت واضحة إسقاط الحكومة وإجراء إصلاحات هيكلية في النظام ولو حدث لكانت تحولت مصر تحول عظيم لكن الوضع كان أكبر من مجرد تحرك شعبي أكبر بكتير في الواقع".
تفاصيل الأحكام الجائرة وأبعادها القضائية
أصدرت المحكمة التونسية المختصة في قضايا الإرهاب أحكامها الصادمة بناءً على تحقيقات ارتبطت بملف "الجهاز السري"، وهو الملف الذي رُوج له لتبرير تفكيك التجربة الديمقراطية التونسية، ولم تقتصر الأحكام على الشيخ الثمانيني راشد الغنوشي، بل شملت قيادات بارزة ومسؤولين سابقين؛ حيث حُكم على مصطفى خذر بالسجن 96 سنة، والسجن مدى الحياة مع 76 سنة سجنًا لكل من رضا الباروني، والطاهر بوبحري، وكمال العيفي، و7 متهمين آخرين، بالإضافة إلى الحكم بالسجن المؤبد مع عقوبات إضافية بحق الضابط المتقاعد كمال البدوي. وتأتي هذه الأحكام التراكمية الطويلة بالرغم من النفي القاطع للمتهمين وهيئات الدفاع، وتأكيدهم المستمر على خلو الملف من أي أدلة مادية تثبت الاتهامات الموجهة إليهم، واعتبارها تهمًا كيدية نكائية.