تحت شعار التحول من العينى إلى النقدى.. خطة حكومية جديدة لحرمان الغلابة من الدعم

- ‎فيتقارير

حذَّر خبراء من تداعيات خطة حكومة الانقلاب للتحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي بداية من العام المالي الجديد 2026- 2027 ، مؤكدين أن الخطة تهدف إلى تقليص الدعم فى الوقت الذى تتزايد فيه معدلات الفقر بين المصريين بسبب الانهيار الاقتصادى وتدنى مستوى المعيشة .

وقال الخبراء إذا كان تطوير منظومة الدعم ضرورة اقتصادية واجتماعية، للحد من الهدر والتسرب داخل النظام التقليدي فإن التحول دون السيطرة على التضخم وإصلاح منظومة الأجور والحماية الاجتماعية قد يؤدي إلى تآكل القوة الشرائية وزيادة الضغوط المعيشية.

يُذكر أن نحو 21 مليون أسرة تستفيد حاليًا من الدعم التمويني، إلى جانب 5.2 مليون أسرة ضمن برنامج "تكافل وكرامة"، بينما تستبعد حكومة الانقلاب بعض الفئات مثل أصحاب الدخول المرتفعة، ومالكي السيارات الحديثة، وذوي الاستهلاك المرتفع للكهرباء، وأصحاب الحيازات الزراعية الكبيرة.

وبلغت مخصصات دعم السلع التموينية في موازنة 2026-2027 وفق مزاعم حكومة الانقلاب نحو 178.3 مليار جنيه بزيادة 11% سنويًا، تمثل 38% من إجمالي مخصصات الدعم البالغة 468 مليار جنيه، في وقت تلتهم فيه خدمة الدين نحو 46.7% من الموازنة العامة.

 

الهدر والفساد

من جانبه قال الدكتور فخري الفقي، مساعد المدير التنفيذي بصندوق النقد الدولي سابقًا، إن التحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي خطوة ضرورية، لكن نجاحها مرهون بإصلاحات هيكلية أوسع فى مقدمتها إصلاح منظومة الأجور وآليات استهداف المستحقين.

وأضاف الفقي فى تصريحات صحفية أن المشكلة ليست في الدعم ذاته، بل في سوء إدارته واتساع نطاق الهدر والفساد، ما أدى إلى وصول جزء كبير منه لغير مستحقيه، مشيرًا إلى أن الدعم تحول عبر عقود من أداة اقتصادية مؤقتة إلى "عبء مزمن" على الموازنة العامة، لغياب كفاءة تحديد المستفيدين الحقيقيين.

وأوضح أن التحول إلى الدعم النقدي قد يحقق نتائج إيجابية إذا جرى التعامل معه كمرحلة انتقالية مؤقتة تمتد لعدة سنوات بالتوازي مع إصلاح منظومة الأجور، محذرا من أن الدعم النقدي وحده، دون ضبط التضخم وتحسين الدخول، قد يفقد قيمته سريعًا ويزيد الأعباء على المواطنين.

وطالب الفقي بإعادة هيكلة قاعدة المستفيدين من الدعم، ليقتصر الدعم الكامل على الفئات الأشد احتياجًا مثل المستفيدين من برامج "تكافل وكرامة"، مع تقليص الدعم تدريجيًا للفئات الأعلى دخلًا، مشددا على أنه لا يعقل استمرار حصول أصحاب الدخول المرتفعة على الدعم الموجه للمحتاجين.

وأشار إلى أن نجاح أي تحول بمنظومة الدعم يتطلب توافر قواعد بيانات دقيقة ونظامًا إكتواريًا قادرًا على تقييم احتياجات الأسر، بجانب تعزيز الرقابة والشفافية لمنع تسرب الدعم لغير المستحقين.

 

معدلات التضخم

وقال الخبير الاقتصادي هاني توفيق، إن التحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي أصبح ضرورة اقتصادية في ظل ارتفاع معدلات الهدر والتسرب داخل نظم الدعم التقليدية، موضحًا أن أغلب دول العالم اتجهت إلى الدعم النقدي المباشر لكفاءته وعدالته.

وأضاف توفيق فى تصريحات صحفية أن نجاح منظومة الدعم النقدي يرتبط بإنشاء قاعدة بيانات دقيقة ومحدثة تضمن استهداف الفئات الأكثر احتياجًا، مشيرًا إلى أن الدعم النقدي لا يعني خفض قيمته، بل إعادة هيكلته بصورة أكثر فاعلية، مع تقليل الفاقد.

وأكد أن عدالة الدعم النقدي تتطلب ربط قيمته بمعدلات التضخم، عبر مراجعتها بصورة دورية كل 3 أشهر أو بانتظام، حتى لا تتآكل القوة الشرائية للمبالغ النقدية مع ارتفاع الأسعار.

واقترح توفيق توجيه الدعم النقدي إلى الأم باعتبارها الأكثر قدرة على إدارة احتياجات الأسرة، مستشهدًا بتجارب دول أمريكا اللاتينية التي أثبتت نجاحًا في توجيه الإنفاق لصالح الأطفال والاحتياجات الأساسية.

 

القطاع غير الرسمي

وحمَّل الدكتور حازم حسانين، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع، دولة العسكر مسئولية تحديد المستحقين وآليات توزيع الدعم.

وقال حسانين فى تصريحات صحفية إن هناك فجوة بين مؤشرات النمو الاقتصادي الكلي وانعكاساتها على المواطنين، لافتًا إلى أن ثمار النمو لا تصل إلى قطاعات واسعة، ما يخلق انفصالًا بين سياسات الاقتصاد الكلي وقضايا الفقر والعمل والدعم.

وكشف أن هناك نحو 18 إلى 20 مليون عامل بالقطاع غير الرسمي، من بينهم الباعة الجائلون والحرفيون والسائقون، وهم خارج منظومة التأمينات الاجتماعية، ما يجعل عملية تصنيف مستحقي الدعم شديدة التعقيد.

وأضاف حسانين أن بعض السياسات الاقتصادية، مثل خفض سعر الصرف ورفع أسعار الفائدة، تُتخذ دون دراسة كافية لآثارها الاجتماعية، موضحًا أن التضخم الناتج عن هذه السياسات يلتهم الأجور وقيمة برامج الحماية الاجتماعية.

وأكد أن التحول إلى الدعم النقدي لا يمكن أن ينجح إلا باعتباره حلًا مؤقتًا ومشروطًا بحزمة من الضوابط، في مقدمتها السيطرة على معدلات التضخم، وربط قيمة الدعم بالأجور الحقيقية والقوة الشرائية للمواطنين.

وأوضح حسانين أن قيمة الدعم النقدي الحالية في بعض برامج الحماية الاجتماعية لم تعد كافية، بسبب تراجع قوتها الشرائية، مقترحًا أن يتم ربط الدعم بنسبة من الحد الأدنى للأجور، لتحصل الأسر الأكثر احتياجًا على ما يتراوح بين 40 و60% من الحد الأدنى للأجور كدعم نقدي شهري.

 

مجلس قومي للدعم

وشدد على أن نجاح الدعم النقدي يتطلب سياسة نقدية كفؤة تستهدف السيطرة على التضخم عند مستويات آمنة، مشيرًا إلى أن المعدلات التي تجاوزت 35% خلال بعض الفترات الأخيرة أضعفت أي أثر إيجابي للدعم أو زيادات الأجور.

ولفت حسانين إلى أن قيمة الدعم التمويني الحالية تبلغ 50 جنيهًا للفرد لأول 4 أفراد بالبطاقة، و25 جنيهًا للفرد الخامس وما بعده، تُصرف في صورة سلع غذائية عبر المنافذ التابعة لوزارة تموين الانقلاب.

واقترح حسانين، أن تحصل الأسرة المكونة من 3 أفراد على دعم يتراوح بين 3 و4 آلاف جنيه شهريًا للفرد في حال وصول الحد الأدنى للأجور إلى 8 آلاف جنيه، مع تخفيض نسب الدعم تدريجيًا للفئات الأعلى دخلًا، إلى أن يتم استبعاد من يتجاوز دخلهم ضعفي الحد الأدنى للأجور.

كما اقترح إنشاء "مجلس قومي للدعم النقدي" تكون مهمته ربط قيمة الدعم بمعدلات التضخم، حتى يزيد الدعم تلقائيًا بنفس نسبة ارتفاع الأسعار للحفاظ على القوة الشرائية للفئات المستحقة.

وطالب حسانين بتطبيق منظومة متكاملة تشمل التأمين الصحي والاجتماعي الشامل، إلى جانب الدعم النقدي، محذرًا من أن التحول للدعم النقدي دون وجود شبكة حماية اجتماعية قوية قد يؤدي إلى زيادة التضخم وتراجع مستويات الرفاهية وحدوث ضغوط مجتمعية.