أعاد ناشطون وصحفيون نشر صفحات من كتاب *«العالم كما هو»* **The World as It Is** لبن رودز، مستشار الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، والصادر في يونيو 2018 في نحو 480 صفحة، متناولًا فترة الربيع العربي، وما خصصه رودز لمصر من إبراز الانقسام داخل الإدارة الأميركية، والقلق من الإسلاميين، والاجتماعات المكثفة لصياغة موقف متوازن.
وأضاف رودز بعدًا شخصيًا مهمًا، موضحًا كيف رأى أوباما وفريقه الأصغر سنًا أن دعم الثورة فرصة تاريخية، بينما ضغط كبار المسؤولين والحلفاء الخليجيون باتجاه الحفاظ على مبارك أو على الأقل إبطاء التغيير. وكان من بين هؤلاء كبار المسؤولين هيلاري كلينتون وروبرت جيتس وجو بايدن، الذين تبنّوا موقفًا أكثر حذرًا وميلاً للحفاظ على الوضع القائم خوفًا من الفوضى أو وصول الإسلاميين إلى السلطة.
وتؤكد مذكرات كلينتون وجيتس، إضافة إلى تقارير صحفية أميركية، وجود انقسام حاد داخل الإدارة بين فريق يدفع نحو التغيير وفريق يفضّل الاستقرار.
وذكر رودز أن السعودية والإمارات ضغطتا على واشنطن لتجنب دعم الثورة خوفًا من وصول الإخوان المسلمين، وهو ما يتوافق مع ما ورد في مذكرات هيلاري كلينتون التي أشارت إلى أن الحلفاء الخليجيين رأوا في الاحتجاجات تهديدًا مباشرًا لهم.
وأشار رودز إلى اجتماعات يومية في البيت الأبيض لمراجعة الوضع خلال ثورة يناير 2011، وهو ما تؤكده مصادر أخرى بأن مصر كانت محورًا دائمًا في غرفة العمليات خلال يناير–فبراير 2011.
كما أبرز الفجوة الجيلية داخل الإدارة؛ فالشباب مثل سامانثا باور ومايك ماكفول كانوا أكثر حماسًا لدعم الديمقراطية، بينما كبار المسؤولين كانوا أكثر توجسًا، وهو بعد لا يظهر بنفس القوة في مذكرات كلينتون أو غيتس.
وركز رودز على الرسائل المتناقضة التي خرجت من واشنطن، مثل تصريحات المبعوث فرانك ويزنر في ميونيخ، معتبرًا أنها أضعفت موقف أوباما. وقدّم صورة لأوباما باعتباره متعاطفًا مع الشباب في ميدان التحرير، لكنه محاط بجهاز بيروقراطي يميل إلى الحذر.
مبارك كان يعتقد أن التظاهرات ستنتهي
يقدم كتاب *«العالم كما هو»* شهادة من داخل البيت الأبيض خلال فترة الربيع العربي، كاشفًا التوتر بين القيم المعلنة للولايات المتحدة والمصالح الاستراتيجية المرتبطة بالاستقرار والتحالفات التقليدية. ويولي رودز اهتمامًا خاصًا بمصر، حيث يصف لحظة سقوط حسني مبارك باعتبارها اختبارًا حقيقيًا لأوباما، ويبرز تردد الإدارة الأميركية بين دعم المحتجين أو الحفاظ على العلاقة مع النظام القائم.
ويذكر رودز أن مبارك كان يعتقد أن التظاهرات ستنتهي سريعًا، مستندًا إلى ولاء الأجهزة الأمنية والدعم الأميركي المتواصل منذ اتفاقيات كامب ديفيد. لكن صور ميدان التحرير أظهرت أن مصر تقف على حافة تحول جذري.
وفي المقابل، انقسمت الإدارة الأميركية: هيلاري كلينتون أصرت على أن النظام مستقر، وجو بايدن صرّح بأن مبارك ليس ديكتاتورًا، بينما أصدر البيت الأبيض بيانات فاترة تدعو لضبط النفس. وفي مجالسه الخاصة، عبّر أوباما عن تعاطفه مع الشباب المحتجين، حتى أنه قال لماكفول إنه يفضّل أن يدير «رجل جوجل» مصر، في إشارة إلى الناشط وائل غنيم.
ويرى رودز أن الموظفين الأصغر سنًا اعتبروا ديكتاتورية مبارك مصدرًا لعدم الاستقرار، وأن اللحظة فرصة تاريخية للإصلاح، بينما فضّل كبار المسؤولين الاستقرار خوفًا من استغلال المتطرفين للاضطرابات.
وأوضح أن المسودات الأولى لبيانات أوباما تضمنت إشارات قوية لحقوق الإنسان وحق المحتجين في التغيير، لكن هذه اللغة حُذفت لاحقًا تحت شعار «التوازن». وفي النهاية، استخدم أوباما نسخة أقرب إلى ما كتبها رودز، مع دعوة لاحترام الحقوق والامتناع عن العنف.
غياب الإرادة لدعم انتقال ديمقراطي حقيقي**
يكشف الكتاب أن الفشل لم يكن في إسقاط مبارك، بل في غياب الإرادة لدعم انتقال ديمقراطي حقيقي بعد ذلك. ويقدم رودز صورة لواشنطن كإدارة تدير العالم عبر السرديات بقدر ما تديره بالقوة، وتخشى تبعات الفعل بقدر ما تخشى تبعات الامتناع عنه، وهو ما يفسر انتكاسة الربيع العربي.
ويضيف أن إيقاع العمل داخل البيت الأبيض خلال الثورة المصرية كان مختلفًا تمامًا؛ إذ تركزت الاجتماعات اليومية على الاضطرابات في القاهرة، بينما ضغط المتحدث روبرت جيبس باتجاه تبني موقف أكثر وضوحًا لصالح المحتجين، منتقدًا الاكتفاء بدعوات «ضبط النفس» التي بدت غير واقعية أمام مشاهد البلطجية على ظهور الخيل في ميدان التحرير.
وفي المقابل، تلقى الفريق تقارير من أصدقاء داخل الميدان يعبرون عن خيبة أملهم من حياد أوباما، بينما كان المسؤولون المصريون غاضبين من أي إشارة إلى تخلي واشنطن عن مبارك.
ووضع رودز إلى جانب جيتس وكلينتون، مايك مولن، في رؤية أن الاحتجاجات ستخمد وأن الحل يكمن في «حوار وطني»، مدعومين بموقف دول الخليج، خاصة السعودية والإمارات، التي خشيت انتقال العدوى إلى عواصمها.
وفي 29 يناير، اتصل الملك عبد الله بأوباما معترضًا على تصريحات داعمة للمحتجين، واصفًا المتظاهرين بأنهم «إخوان وحزب الله والقاعدة وحماس»، بينما كان المشهد على الأرض مختلفًا، إذ ضم شبابًا علمانيين وأقباطًا ونشطاء مستقلين.
وأشار رودز إلى أن أوباما شعر بتعاطف مع هؤلاء الشباب، وطلب من مساعديه الأصغر سنًا رفع صوتهم في الاجتماعات. وفي إحدى اللحظات، اقترح دعوة الشباب إلى واشنطن بدلًا من الاقتصار على «المستبدين الفاسدين»، ما أثار وجوم كبار المسؤولين.
ذروة الأحداث واتصال أوباما بمبارك**
جاءت ذروة الأحداث في 1 فبراير داخل غرفة العمليات، حيث انقسم الفريق حول نصح مبارك بالتنحي. وبينما كان النقاش محتدمًا، ظهر مبارك على التلفزيون معلنًا أنه لن يترشح مجددًا لكنه سيكمل فترته، محذرًا من «الفوضى». علّق أوباما مباشرة: «هذا لن يجدي نفعًا، هؤلاء الناس لن يعودوا إلى بيوتهم»، وقرر الاتصال بمبارك لإبلاغه بضرورة التنحي.
وفي المكالمة، تحدث أوباما باحترام لكن بوضوح، مؤكدًا أن استمرار مبارك سيزيد الاحتجاجات ويصعّب السيطرة على الوضع. وردّ مبارك بحدة قائلًا إن «مصر ليست تونس» وإن المظاهرات ستنتهي قريبًا. أنهى أوباما المكالمة بتذكيره بأن التاريخ لا يسير دائمًا كما في الماضي، مدركًا أن رسالته لم تصل. وكانت تلك آخر مرة يتحدثان فيها.
وفي الأيام الأخيرة من حكم مبارك، ساد ارتباك داخل الإدارة الأميركية بشأن صياغة البيان الرسمي. وكانت العبارة الجوهرية التي أراد أوباما الإبقاء عليها: «الانتقال المنظم يجب أن يكون ذا مغزى، ويجب أن يكون سلميًا، ويجب أن يبدأ الآن». ورغم اعتراض جيتس وكلينتون على كلمة «الآن»، أصر أوباما على إبقائها. وفي اليوم التالي، حاول المتحدث جيبس التخفيف من وقع العبارة قائلًا إن «الآن بدأت منذ الأمس».
5 فبراير وما بعده
في 5 فبراير، اتصل رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون بأوباما معبرًا عن قلقه من تصريحات المبعوث الأميركي فرانك ويزنر، الذي أوفده أوباما إلى القاهرة بناءً على توصية هيلاري كلينتون. ويزنر، المعروف بقربه من مبارك، نجح في إقناع الأخير بعدم الترشح مجددًا، لكنه صرّح في مؤتمر ميونيخ بأن بقاء مبارك ضروري لتوجيه المرحلة الانتقالية، ما بدا وكأنه موقف رسمي للإدارة، وأثار غضب أوباما.
وفي الداخل، برزت أصوات تدعو للحذر مثل جون برينان، الذي حذر من أن مصر غير مهيأة للديمقراطية، وأن الانقسامات المجتمعية قد تعرقل أي انتقال. لكنه أقر بأن وحدة الجماهير حول رحيل مبارك أكبر بكثير من اتفاقهم على البديل. ومع تصاعد الاحتجاجات، بدا أن النظام يتهاوى، والجيش بدأ يبتعد عن الرئيس. وركز الإعلام الأميركي على الرسائل المتناقضة الصادرة من واشنطن، ما جعل الإدارة تبدو مترددة ومتأخرة عن اللحظة.
وفي المقابل، ضغطت دول الخليج، خاصة السعودية والإمارات، للحفاظ على مبارك، معتبرة أن الديمقراطية تهدد استقرار المنطقة. وروّج سفراؤهما في واشنطن لفكرة أن أوباما يتلقى نصائح سيئة من شباب غير خبراء، وهو ما شكّل بداية جهد طويل لإعادة الديكتاتورية إلى مصر.
وفي 11 فبراير، أعلن مبارك استقالته وفرّ إلى شرم الشيخ وسط احتفالات شعبية ضخمة. وصاغ رودز بيانًا لأوباما شبّه فيه الحدث بسقوط جدار برلين وحركات استقلال كبرى. واعترف أوباما بأن عدم معرفته الشخصية بمبارك سهّل اتخاذ القرار، بخلاف مسؤولين آخرين ارتبطوا به لعقود. ورغم أن البيان كان صريحًا في دعم المحتجين، بقيت الإدارة غير مهيأة لدعم انتقال ديمقراطي فعلي، فيما استمرت الضغوط الخليجية على أوباما.
https://x.com/ZaidBenjamin5/status/2016920013983404117
بن رودز ودوره داخل الإدارة
شغل بن رودز منصب نائب مستشار الأمن القومي لشؤون الاتصالات الاستراتيجية، وكان بحكم عمله شاهدًا مباشرًا على النقاشات الداخلية في البيت الأبيض خلال أحداث مفصلية مثل الربيع العربي، والاتفاق النووي الإيراني، والعلاقة مع كوبا.
ولم يكن مجرد موظف بيروقراطي، بل كان جزءًا من الدائرة الضيقة التي تصوغ الخطاب السياسي والإعلامي للرئيس، ما منحه اطلاعًا على ما يُقال خلف الأبواب المغلقة.
ويُعد الكتاب مصدرًا أوليًا مهمًا لأنه صادر عن شخص كان حاضرًا في الاجتماعات وصياغة البيانات، ما يمنحه وزنًا توثيقيًا. لكنه يبقى شهادة شخصية تحمل وجهة نظر محددة، وليست رواية محايدة تمامًا، إذ يسعى رودز أيضًا لتبرير خيارات أوباما أو إبراز نفسه كصوت تقدمي داخل الإدارة.
