من الأمن القومي إلى السمسرة… كيف تحوّل جهاز “مستقبل مصر” إلى بوابة نهب القوت اليومي

- ‎فيتقارير

150 مليون دولار عمولات قمح سنوياً… والغلاء يدفعه المواطن

 

لم يعد تدخل الأجهزة العسكرية في الاقتصاد المصري مجرد استثناء أو حالة طارئة، بل تحوّل إلى نمط ممنهج يبتلع مفاصل الدولة، ويحوّل مؤسسات يفترض أنها معنية بالأمن القومي إلى سماسرة يفرضون الإتاوات والعمولات، بينما يُترك الشعب لمواجهة غلاء غير مسبوق وضرائب متصاعدة لتعويض جشع عصابات الحكم العسكري التي تموّل بقاء عبد الفتاح السيسي.

 

أحدث الأدلة على هذا التحول الفجّ جاء من داخل برلمان الانقلاب نفسه، حيث تقدّم النائب أحمد فرغلي بطلب إحاطة عاجل إلى وزير التموين شريف فاروق، كشف فيه عن حصول جهاز "مستقبل مصر للتنمية المستدامة"، التابع مباشرة للقوات الجوية، على عمولة تُقدَّر بـ30 دولاراً عن كل طن قمح مستورد، بعد أن جرى منحه صفة المستورد الحصري للحبوب بقرار رسمي من وزارة التموين.

 

عمولة فوق السعر العالمي… ونهب مقنن

 

بحسب طلب الإحاطة، تستورد الهيئة العامة للسلع التموينية القمح عبر جهاز مستقبل مصر بسعر 270 دولاراً للطن، في وقت لا يتجاوز فيه السعر العالمي 240 دولاراً. ومع استيراد مصر نحو خمسة ملايين طن سنوياً من القمح الروسي والأوكراني، يصل الفارق السعري إلى نحو 150 مليون دولار تذهب مباشرة إلى خزائن الجهاز، بعيداً عن أي رقابة حقيقية أو مساءلة.

 

الأمر لا يتوقف عند القمح. فقد أشار فرغلي إلى تكرار السيناريو ذاته في استيراد زيوت الطعام، إذ يبلغ متوسط سعر الطن عالمياً نحو 1100 دولار، بينما يتم توريده لوزارة التموين عبر الجهاز بسعر 1250 دولاراً، بفارق 150 دولاراً للطن، عن إجمالي واردات سنوية تقارب 780 ألف طن. أي أن المواطن يدفع الفارق مرتين: مرة من جيبه، ومرة من الدعم.

 

مناقصات علنية أُلغيت… لصالح السمسرة العسكرية

 

قبل أن يُسلَّم ملف الاستيراد لجهاز عسكري، كانت عمليات شراء السلع الاستراتيجية تتم عبر ممارسات علنية وبحضور شركات عالمية ومندوبين عن الدول المصدّرة، وكانت مصر – بوصفها أكبر مستورد للقمح في العالم – تحصل على أسعار أقل من السعر العالمي. اليوم، انتهت المنافسة، وحلّ الاحتكار، وتحولت الدولة إلى زبون لدى جهاز عسكري يفرض السعر والعمولة معاً.

 

ووفق طلب الإحاطة، يبلغ الدعم المخصص للسلع التموينية نحو 160 مليار جنيه سنوياً في الموازنة العامة، إلا أن فروق الأسعار التي يحصل عليها جهاز مستقبل مصر أدت إلى تراجع الدعم الفعلي بنسبة 13% ليصل إلى نحو 139 مليار جنيه، أي أن مليارات الجنيهات جرى شفطها من قوت الفقراء لصالح جهاز يعمل خارج أي إطار رقابي.

 

تمدد بلا حدود… بلا رقابة

 

خلال العامين الأخيرين، توسعت مهام جهاز مستقبل مصر بشكل لافت، بتعليمات مباشرة من عبد الفتاح السيسي، ليدير ملفات اقتصادية واستثمارية ضخمة في قطاعات حيوية، وسط مخاوف متزايدة من غياب الرقابة والمساءلة. لم يعد الجهاز معنياً فقط بالقمح، بل امتد نشاطه إلى مشروعات عقارية وغذائية وصناعية عملاقة، من بينها مشروع ألبان أطفال بتكلفة تُقدّر بنحو 500 مليون دولار.

 

ويعمل الجهاز من مقر فاخر متعدد الطوابق أُقيم داخل سور مطار ألماظة العسكري، الملاصق لميناء القاهرة الجوي، ويتولى إدارته التنفيذية العقيد بهاء محمد الغنام، في نموذج يجمع بين السلطة العسكرية والاقتصاد بلا حواجز.

 

أراضي الدولة تُسلَّم بالجملة

 

في خطوة تعكس حجم النفوذ، وافق مجلس الوزراء المصري أخيراً على نقل ولاية 46 قطعة أرض مملوكة للدولة إلى جهاز مستقبل مصر في سبع محافظات، بينها البحر الأحمر ومطروح والوادي الجديد وأسيوط وبني سويف والغربية والبحيرة، بذريعة تنفيذ مشروعات تنموية، في غياب أي شفافية حول الجدوى أو آليات الإدارة.

 

وسبق ذلك منحه 200 ألف فدان في مشروع الدلتا الجديدة، والسماح له باستيراد الماشية بدلاً من وزارة الزراعة، ثم التوسع السريع في مشاريع تربية وتسمين الماشية، وإنتاج الألبان والسكر والعسل الأسود، وصولاً إلى إدارة بحيرات ناصر والمنزلة والبرلس والبردويل، ومراسي الصيد.

 

نسخة محسنة من فشل قديم

 

عملياً، يمثّل جهاز مستقبل مصر نسخة "محسّنة" من جهاز مشروعات الخدمة الوطنية التابع للقوات المسلحة، الذي سبق أن تمدد في قطاعات الزراعة والإنتاج الحيواني والثروة السمكية، قبل أن تتعثر معظم مشروعاته نتيجة سوء التخطيط والإدارة، لكن دون أي محاسبة.

 

الفرق الوحيد أن فاتورة الفشل اليوم تُحصَّل مقدماً من جيوب المواطنين، عبر الغلاء والضرائب وتقليص الدعم، بينما تستمر الأجهزة العسكرية في أداء دور السمسار، لا الدولة، في اقتصاد يُدار لصالح السلطة لا الشعب.