عمومية طارئة للقضاة احتجاجاً على تمدد المحاكم العسكرية، وسط تساؤلات عن دورهم السابق في القمع
تحرّك متأخر بعد أحكام سجنت عشرات الآلاف من المعارضين السياسيين
في تطوّر لافت، بدأ عدد من قضاة مصر الحشد لعقد جمعية عمومية طارئة، احتجاجاً على ما وصفوه بتغوّل «العسكرة» وتوسّع اختصاصات القضاء العسكري على حساب القضاء المدني، في خطوة تعكس تصاعد القلق داخل المؤسسة القضائية من تهميش دورها التاريخي وتقليص استقلالها.
ويأتي هذا التحرك على خلفية مشروعات وقوانين صدرت خلال السنوات الأخيرة، منحت المحاكم العسكرية صلاحيات واسعة لمحاكمة المدنيين، وجرّدت القضاء الطبيعي من ولايته على قطاعات متزايدة من القضايا، ما اعتبره قضاة مساساً مباشراً بمبدأ الفصل بين السلطات وضربة لاستقلال القضاء.
غير أن هذا التحرك يثير تساؤلات جوهرية حول توقيته، إذ يأتي بعد أكثر من عقد على انقلاب يوليو 2013، الذي لعب قطاع واسع من القضاة دوراً محورياً في تقنينه، سواء عبر منح الغطاء القانوني لإجراءات السلطة الجديدة، أو من خلال إصدار أحكام جماعية قاسية أسهمت في سجن عشرات الآلاف من المعارضين السياسيين.
وخلال السنوات الماضية، أصدرت محاكم مدنية أحكاماً بالسجن المؤبد والإعدام في قضايا وُصفت حقوقياً بأنها افتقرت إلى ضمانات المحاكمة العادلة، في وقت التزم فيه غالبية القضاة الصمت إزاء الانتهاكات الواسعة، قبل أن يجدوا أنفسهم اليوم أمام تهديد مباشر لمكانتهم وصلاحياتهم.
ويرى مراقبون أن اعتراض القضاة الحالي لا ينطلق فقط من رفض مبدئي لـ«العسكرة»، بقدر ما يعكس خشيتهم من أن يكون الدور القادم موجهاً ضدهم، بعدما استُخدم القضاء كأداة في الصراع السياسي، ثم جرى تهميشه لصالح منظومة استثنائية أكثر خضوعاً للسلطة التنفيذية.
وبينما يطالب القضاة باستعادة اختصاصاتهم وحماية استقلالهم، يطرح حقوقيون سؤالاً مركزياً: هل يمثّل هذا التحرّك مراجعة حقيقية لدور القضاء في مرحلة ما بعد الانقلاب، أم أنه مجرّد صراع داخلي على النفوذ داخل بنية السلطة، بعد أن انتهى الدور الوظيفي الذي أُسند إلى القضاء في تصفية الخصوم السياسيين.
وكانت أندية قضاة الأقاليم قد أعلنت ، تباعاً، في بيانات داخلية، استجابتها الكاملة لدعوة "نادي قضاة مصر" بعقد جمعية عمومية طارئة، عصر الجمعة 6 فبراير 2026، لمناقشة ما وصفه القضاة بـ"الأمر الجسيم" الذي يمس جوهر استقلال القضاء ومبدأ الفصل بين السلطات، ويعكس هذا المشهد تصاعد القلق داخل الصف القضائي، واتساع رقعة الرفض لأي مساس باستقلال السلطة القضائية، ونقل اختصاصاتها إلى الأكاديمية العسكرية للتدريب .
وبحسب البيانات، فإن هذا الاصطفاف الواسع من أندية القضاة في المحافظات (من الإسكندرية والدلتا إلى الصعيد)، لا يعكس مجرد خلاف إداري، بل يكشف عن قلق عميق إزاء مسار يُنظر إليه باعتباره نقلاً تدريجياً لاختصاصات جوهرية من صميم عمل السلطة القضائية إلى المؤسسة العسكرية، بما يشمل ملفات شديدة الحساسية تتعلق بتعيين أعضاء النيابة العامة، ومسارات التدريب، وآليات الترقي، ومستقبل دفعات كاملة من الخريجين.
أصل أزمة القضاة
وتعود جذور الأزمة إلى اجتماع طارئ عقده نادي قضاة مصر، الأربعاء الماضي، لمناقشة ما جرى تداوله بشأن صدور قرارات مرتقبة بإلغاء "مكتب التعيينات" التابع للنائب العام، وإسناد ملفي التعيينات والترقيات إلى الأكاديمية العسكرية، فضلاً عن اتجاه لإلغاء دفعة 2022 من التعيينات، وفتح مسار جديد للتقديم عبر جهة واحدة فقط بدءاً من الدفعات التالية. واعتبر القضاة ذلك تحولاً نوعياً غير مسبوق في طبيعة العلاقة بين السلطات، وانتهاكاً مباشراً لنصوص الدستور .
وانتهى الاجتماع، الذي وُصف بـ"الحاشد وغير المسبوق"، إلى تصويت بالإجماع على عقد جمعية عمومية طارئة، في خطوة رسخها البيان الداخلي الصادر عن النادي، الذي أكد وحدة الموقف والاستعداد لاتخاذ ما يلزم من خطوات مشروعة دفاعاً عن دولة القانون.
انتفاضة قضاة الأقاليم دفاعاً عن استقلال القضاء
جاءت أولى رسائل الدعم من "نادي قضاة الفيوم"، الذي ثمن الدعوة واعتبرها موقفاً تاريخياً للدفاع عن استقلال السلطة القضائية في "ظرف عصيب"، داعياً قضاة مصر للوقوف "كتفاً بكتف" في الجمعية العمومية، وذلك في بيان وقعه رئيس النادي، القاضي تامر محمد عطية. وتوازياً مع ذلك، أعلن "نادي قضاة قنا" (جنوب البلاد) دعمه الكامل لنادي قضاة مصر باعتباره "حصن القضاة الأمين"، داعياً أعضاءه للمشاركة الفاعلة في الجمعية باعتبارها "محطة مفصلية".
وامتد الدعم إلى الإسكندرية؛ حيث شدد مجلس إدارة "نادي قضاة الإسكندرية"، برئاسة المستشار راغب عشيبة، على ثوابته الراسخة في الدفاع عن استقلال القضاء، معلناً تأييده الكامل لجمعية 6 فبراير، باعتبارها "الإطار الشرعي والدستوري" للتشاور، ومحذراً من أن المساس باستقلال القضاء هو "مساس مباشر بحقوق المواطنين".
قضاة لـ"العربي الجديد" يحذرون: ما يحدث جريمة بحق الدستور والقانون والسلطة القضائية لم يحدث بعهد الاحتلال
وفي بني سويف، أعلن نادي القضاة تأييده المطلق، معتبراً أن استقلال القاضي "ليس امتيازاً شخصياً بل أمانة"، ومؤكداً أن يوم السادس من فبراير يجب أن يكون "يوماً مشهوداً"، كما ثمن "نادي قضاة دسوق" (وسط الدلتا) الدعوة، مؤكداً أن الحشد "لم يعد خياراً بل ضرورة"، وانضم إليهم "نادي قضاة المنوفية" و"نادي قضاة أسيوط"، اللذان أكدا في بيانين منفصلين أن الجمعية العمومية هي "المنبر الشرعي الأوحد" للتعبير عن إرادة قضاة مصر.
تحذيرات تاريخية من تدخّل العسكر في القضاء
وفي موازاة الحراك المؤسسي، تصاعدت التحذيرات من شخصيات بارزة، قال المستشار محمد ناجي دربالة، نائب رئيس محكمة النقض السابق وأحد رموز تيار استقلال القضاء، في تصريحات لموقع "العربي الجديد": إن "ما يجري تداوله بشأن نقل اختصاصات التعيين والترقية إلى جهة أخرى يمثل "خطراً جسيماً وحقيقياً".
وأوضح أن إعلان حالة الانعقاد الدائم هو قرار شديد الخطورة، لكنه يستوجب كشف الأسباب بوضوح للرأي العام القضائي.
وأضاف دربالة: "هناك مقولة لجوستيف ستوري (قاضٍ فيدرالي أميركي): لا توجد في الحكومات البشرية سوى قوتين رابطتين، قوة السلاح وقوة القوانين، وإذا لم تتولَ قوة القوانين قضاة فوق الخوف، فإن قوة السلاح ستسود حتماً". وتابع: "هذا تحذير تاريخي من أن امتداد نفوذ السلطة العسكرية إلى شؤون القضاء يقود حتماً إلى تآكل الدولة المدنية".
وحول قصر الإجراءات على دفعات بعينها، قال دربالة: "لا منطق ولا عدالة في ذلك؛ فالإهانة التي تصيب قاضياً واحداً تصيب القضاء كله". واستدعى شواهد تاريخية قائلاً: "حتى في فترات الاحتلال الأجنبي، كان للقضاء المصري حصانة حقيقية، ولم يكن أحد يجرؤ على التدخل في شؤونه. لدينا تاريخ مشرف لا يجوز التفريط فيه".
تدريب القضاة… مدني أم عسكري؟
من جانبه، رأى المستشار عصام رفعت، القاضي السابق بمجلس الدولة، أن التدريب ضروري، لكنه رفض إخضاع القضاة لتدريبات في الأكاديمية العسكرية، معتبراً أن هذا المسار يؤدي إلى "تشكيل القاضي بتوجهات مسبقة لا تتفق مع طبيعة الوظيفة".
وأوضح رفعت"، أن هذه المخاوف ظهرت بالفعل في حالات خضع فيها أعضاء من النيابة العامة لدورات عسكرية لمدة 6 أشهر، مؤكداً أن القاضي يجب أن يكون مهنياً وفق معايير العدالة والقانون، لا وفق منطق عسكري أو أمني. وأضاف: "الأصل أن يكون تدريب القضاة داخل (الأكاديمية الوطنية للتدريب) كجهة مدنية، لا العسكرية"، وختم بالقول: "جوهر الخلاف ليس التدريب بحد ذاته، بل الجهة التي تتولاه؛ يجب أن يظل التدريب والانتقاء داخل إطار مدني مهني لحفظ استقلال القضاء".
