محمد زويل/ يكتب :الاستقلال الاستراتيجي الخليجي.. من الاعتماد على الحلفاء إلى امتلاك القرار

- ‎فيمقالات

لم تعد الأسئلة المتعلقة بأمن الخليج العربي ترفاً فكرياً أو نقاشاً نظرياً بين الخبراء، بل أصبحت ضرورة استراتيجية تفرضها التحولات العنيفة التي تشهدها المنطقة، وما كشفته المواجهة الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، وما ارتبط بها من هجمات إيرانية طالت دولاً خليجية، عن هشاشة بعض الافتراضات التي قامت عليها منظومة الأمن الإقليمي لعقود طويلة.

فقد اعتادت دول الخليج بناء جانب مهم من أمنها على الشراكة العسكرية مع الولايات المتحدة والقوى الغربية، مستندة إلى وجود القواعد العسكرية، وصفقات التسليح الضخمة، والتعاون الاستخباراتي، والاتفاقيات الدفاعية.

لكن الأحداث الأخيرة أعادت طرح سؤال جوهري: ماذا يحدث عندما تتعارض حسابات الحليف مع مصالح الدولة التي يفترض أنه يحمي أمنها؟ وما حدود الضمانات الخارجية عندما تصبح أراضي الحليف ومصالحه الاقتصادية عرضة لردود الفعل والانتقام؟

إن القضية هنا ليست إصدار حكم متعجل بأن الولايات المتحدة أو الغرب قد تخليا عن الخليج، ولا إنكار ما توفره الشراكات العسكرية من قدرات وخبرات مهمة، وإنما إدراك حقيقة استراتيجية أساسية: التحالفات لا تلغي اختلاف المصالح، والتسلح لا يساوي بالضرورة امتلاك القدرة على الدفاع المستقل، والاعتماد على الحليف لا ينبغي أن يتحول إلى بديل عن بناء القوة الذاتية.

 

حين تنكشف الفجوة بين امتلاك السلاح وامتلاك الأمن

المراجعة المطلوبة لا تقتصر على سؤال: ما الأسلحة التي ينبغي شراؤها؟ بل تمتد إلى سؤال أكثر أهمية: هل تستطيع دول الخليج مواصلة الدفاع عن نفسها إذا تأخر الدعم الخارجي، أو تعطلت الإمدادات، أو تغيرت أولويات الحليف؟

أنفقت دول الخليج مبالغ ضخمة على تحديث جيوشها وشراء الطائرات المتقدمة ومنظومات الدفاع الجوي والصاروخي، وعقدت شراكات عسكرية واسعة مع القوى الكبرى. ومع ذلك، أثارت الهجمات التي تعرضت لها المنطقة تساؤلات حول مدى قدرة هذه المنظومة على توفير الحماية الشاملة في مواجهة حرب إقليمية متعددة الجبهات.

وتكمن المشكلة في أن امتلاك أحدث الأسلحة لا يعني بالضرورة امتلاك منظومة دفاع متكاملة. ففاعلية السلاح ترتبط بتوافر الإنذار المبكر، وتبادل المعلومات، وسرعة اتخاذ القرار، والتنسيق بين القوات، واستدامة الذخائر وقطع الغيار، والقدرة على إصلاح الأضرار ومواصلة العمليات في ظروف الحرب الطويلة. كما أن التفاوت بين تكلفة بعض المنظومات الدفاعية المتقدمة وتكلفة وسائل الهجوم منخفضة التكلفة نسبياً، مثل بعض الطائرات المسيّرة، يفرض تحدياً إضافياً أمام الحسابات الدفاعية التقليدية.

ومن هنا، فإن المراجعة المطلوبة لا تقتصر على سؤال: ما الأسلحة التي ينبغي شراؤها؟ بل تمتد إلى سؤال أكثر أهمية: هل تستطيع دول الخليج مواصلة الدفاع عن نفسها إذا تأخر الدعم الخارجي، أو تعطلت الإمدادات، أو تغيرت أولويات الحليف؟

 

الاستقلال الاستراتيجي لا يعني الانفصال عن الغرب

من الخطأ فهم الاستقلال الاستراتيجي باعتباره دعوة إلى قطع العلاقات مع الولايات المتحدة أو أوروبا، أو الانسحاب من التحالفات القائمة، أو الدخول في مواجهة سياسية مع القوى الغربية. فالولايات المتحدة تمتلك قدرات عسكرية واستخباراتية وتقنية يصعب تعويضها سريعاً، كما أن العلاقات الاقتصادية والسياسية والأمنية بين دول الخليج والغرب متشابكة وممتدة. ولذلك فإن الانتقال المفاجئ من الاعتماد على الحليف إلى محاولة الاستغناء عنه قد يخلق فراغاً أمنياً أخطر من المشكلة التي يسعى إلى معالجتها.

المقصود بالاستقلال الاستراتيجي هو امتلاك القدرة على اتخاذ القرار الوطني دون ضغوط ناجمة عن غياب البدائل، وبناء خيارات دفاعية واقتصادية ودبلوماسية متعددة، بحيث لا يصبح أمن الدولة مرهوناً بإرادة طرف واحد. إن الدولة المستقلة استراتيجياً ليست الدولة التي لا تحتاج إلى حلفاء، بل الدولة التي تستطيع اختيار حلفائها، والتفاوض معهم، وتحديد حدود التعاون معهم، وحماية مصالحها عندما تختلف تقديراتها عن تقديراتهم. فالتحالف الناجح هو الذي يعزز قدرة الدولة على اتخاذ القرار، لا الذي يجعلها عاجزة عن اتخاذه من دونه.

 

من الحماية الخارجية إلى بناء القدرة الذاتية

يتطلب الاستقلال الاستراتيجي الخليجي إعادة ترتيب الأولويات الدفاعية على أساس أن المسئولية الأولى عن حماية الدولة تقع على عاتقها، وأن الشراكات الخارجية ينبغي أن تكون عنصر دعم وتعزيز لهذه المسئولية، لا بديلاً عنها.

ويبدأ ذلك ببناء منظومة خليجية أكثر تكاملاً في الإنذار المبكر، والدفاع الجوي والصاروخي، ومواجهة الطائرات المسيّرة، وحماية المجال البحري والمنشآت الحيوية. فالتحديات التي تواجه دول الخليج متداخلة جغرافياً، ولا تتوقف عند الحدود السياسية للدول.

كما ينبغي الانتقال من شراء المعدات إلى امتلاك القدرة على تشغيلها وصيانتها وتطويرها، وتأمين مخزون مناسب من الذخائر وقطع الغيار، وتوطين أجزاء متزايدة من الصناعات الدفاعية والتقنيات المرتبطة بها.

ولا يعني ذلك أن تصنع كل دولة خليجية جميع احتياجاتها بمفردها، فذلك مكلف وغير واقعي في كثير من المجالات. وإنما المطلوب توزيع الأدوار، وتنسيق المشتريات، وتطوير الصناعات المشتركة، والاستفادة من المزايا التي تمتلكها كل دولة.

فالاستقلال لا يتحقق بتكرار القدرات نفسها ست مرات، بل ببناء منظومة تتكامل فيها القدرات الوطنية وتخدم أمن الجميع.

 

مجلس التعاون الخليجي أمام اختبار استراتيجي

إذا كانت دول الخليج تواجه مخاطر متقاربة، فإن بناء منظومة أمنية مشتركة يصبح مسألة تتجاوز التنسيق السياسي التقليدي.

لقد أثبتت التجارب أن التقارب في المصالح لا يكفي وحده لبناء دفاع جماعي فعال. فذلك يتطلب ثقة متبادلة، وتبادلاً للمعلومات، وتنسيقاً للقيادة والسيطرة، واتفاقاً على آليات التعامل مع الاعتداءات، وتحديداً واضحاً لالتزامات كل دولة في أوقات الأزمات.

ولا يشترط أن يبدأ ذلك بإنشاء جيش خليجي موحد أو اتحاد سياسي كامل، بل يمكن أن يتقدم تدريجياً من خلال شبكة مشتركة للإنذار المبكر، وتدريبات دورية، وبروتوكولات موحدة للاستجابة، وتنسيق الإمدادات والصيانة، وآليات مؤسسية للتشاور واتخاذ القرار.

لكن التحدي الأهم يظل سياسياً: هل تستطيع الدول الخليجية بناء حد أدنى من الثقة الاستراتيجية يسمح لها بالتعاون في الملفات التي تمس أمنها المشترك، حتى مع استمرار اختلافاتها في بعض القضايا الإقليمية؟

إن غياب هذا التعاون يجعل كل دولة أكثر اعتماداً على القوى الخارجية، بينما يمنح التكامل الخليجي فرصاً أوسع لتقليل الكلفة، ورفع الكفاءة، وتعزيز القدرة على التفاوض

 

تنويع التحالفات.. ضرورة بشرط ألا يتحول إلى تبعية جديدة

من الخيارات المطروحة أمام دول الخليج توسيع شراكاتها الدفاعية مع تركيا وباكستان وبعض الدول الأوروبية والآسيوية، إلى جانب استمرار علاقاتها مع الولايات المتحدة.

ويتيح هذا التوجه فرصاً للتعاون في مجالات التصنيع الدفاعي، والتدريب، والتكنولوجيا، والأمن السيبراني، وتطوير القدرات البحرية والجوية. كما يمكن أن يساعد على تقليل الاعتماد المفرط على مورد واحد في بعض المجالات الحيوية.

غير أن تنويع الشراكات لا ينبغي أن يتحول إلى سباق لشراء الأسلحة من مصادر متعددة دون رؤية موحدة. فاختلاف أنظمة التشغيل والاتصالات والصيانة قد يخلق مشكلات في التكامل العملياتي، فضلاً عن أن بعض التقنيات قد تظل مرتبطة بموافقات خارجية أو قيود على الاستخدام والتصدير.

ولذلك، ينبغي أن تخضع كل شراكة جديدة لمعيار واضح: هل تضيف قدرة مستقلة ومستدامة؟ وهل تنقل معرفة قابلة للتطوير محلياً؟ وهل يمكن دمجها في المنظومة الدفاعية الخليجية؟ وهل توفر بديلاً حقيقياً عند الأزمات؟ إن الهدف ليس استبدال اعتماد بآخر، وإنما بناء شبكة من الشراكات التي توسع الخيارات الخليجية وتقلل نقاط الضعف.

 

الأمن لا يتحقق بالسلاح وحده

على الرغم من أهمية بناء القوة الدفاعية، فإن الاستقلال الاستراتيجي لا يكتمل دون سياسة إقليمية تقلل احتمالات الحرب. فالجغرافيا الخليجية تجعل أمن دول المجلس مرتبطاً بأمن الممرات البحرية، واستقرار أسواق الطاقة، والعلاقات مع إيران والعراق، والتفاعلات بين القوى الإقليمية والدولية. وأي مواجهة واسعة قد تفرض تكاليف باهظة حتى على الدول التي لا تشارك فيها مباشرة.

ومن ثم، فإن بناء الردع ينبغي أن يسير بالتوازي مع الدبلوماسية، وإنشاء قنوات اتصال دائمة لإدارة الأزمات، وتطوير تفاهمات تمنع سوء الحسابات، والبحث عن ترتيبات تحمي المنشآت المدنية والبنية التحتية والملاحة.

ولا يعني الحوار مع إيران تجاهل التهديدات أو التنازل عن المصالح الخليجية، مثلما لا يعني تعزيز القدرات الدفاعية أن الحرب أصبحت حتمية. بل إن الهدف من الجمع بين القوة والدبلوماسية هو جعل الاعتداء أكثر كلفة، والتصعيد أقل احتمالاً، والتسوية السياسية أكثر قابلية للتحقق.

كما ينبغي أن تملك دول الخليج رؤية مستقلة لمصالحها في الصراعات الإقليمية، فلا تدخل مواجهة لمجرد أن حليفاً خارجياً قرر خوضها، ولا تتخلى عن مصالحها المشروعة تحت ضغط التهديد.

 

خارطة طريق نحو الاستقلال الاستراتيجي

إن الانتقال من الاعتماد المفرط إلى الاستقلال النسبي يحتاج إلى برنامج طويل الأجل، لا إلى رد فعل مؤقت على أزمة. ويمكن أن يقوم هذا البرنامج على خمس أولويات:

– مراجعة الاتفاقيات الدفاعية: تقييم الالتزامات الفعلية للحلفاء، وتحديد حدود الدعم المتوقع، وآليات التشاور عند اندلاع الأزمات، ومدى توافق الترتيبات العسكرية مع المصالح الوطنية.

– بناء منظومة دفاع خليجية مترابطة: تطوير الإنذار المبكر وتبادل المعلومات والتنسيق العملياتي، مع الاحتفاظ بالسيادة الوطنية لكل دولة.

– توطين المعرفة والصناعة: ربط صفقات التسليح بنقل التكنولوجيا والتدريب والصيانة والتصنيع المشترك، وتطوير قدرات محلية في المجالات الأكثر أهمية للأمن الوطني.

– تعزيز الأمن الاقتصادي: حماية الطاقة والمياه والغذاء والموانئ والاتصالات، ووضع خطط لاستمرار الخدمات والإمدادات في حالات الطوارئ والحروب الممتدة.

الاستقلال الاستراتيجي الخليجي ليس مشروعاً للقطيعة مع الغرب، ولا دعوة إلى سباق تسلح مفتوح، ولا محاولة لبناء قوة عسكرية منفصلة عن محيطها، إنه مشروع لإعادة التوازن في العلاقات الدولية، بحيث تقوم الشراكة على المصالح المتبادلة والالتزامات الواضحة، لا على افتراضات يصعب اختبارها إلا عند وقوع الأزمات.

-تطوير سياسة خارجية متعددة الخيارات: تنويع الشراكات، والحفاظ على العلاقات مع القوى الكبرى، وتوسيع التعاون الإقليمي، وبناء قدرة تفاوضية مستقلة تمنع احتكار أي طرف لمفاتيح الأمن الخليجي.

ويمكن تنفيذ هذه الأولويات على مراحل، تبدأ بمعالجة الثغرات الأكثر إلحاحاً، ثم تطوير القدرات المشتركة، وصولاً إلى بناء قاعدة دفاعية وصناعية أكثر استقلالاً. أما المدى الزمني وسرعة التنفيذ فيرتبطان بالإرادة السياسية، ومستوى التنسيق بين الدول، والموارد التي تخصصها لهذه الأهداف.

 

من يملك قرار الحرب والسلام؟

لقد أعادت التطورات الإقليمية طرح سؤال لا تستطيع دول الخليج تأجيله إلى أجل غير معلوم: هل يكفي أن تمتلك الدولة المال والسلاح والقواعد العسكرية الأجنبية، أم أن أمنها يتطلب أيضاً امتلاك القرار والقدرة على الاستمرار عندما تختلف حسابات الحلفاء؟

إن الاستقلال الاستراتيجي الخليجي ليس مشروعاً للقطيعة مع الغرب، ولا دعوة إلى سباق تسلح مفتوح، ولا محاولة لبناء قوة عسكرية منفصلة عن محيطها، إنه مشروع لإعادة التوازن في العلاقات الدولية، بحيث تقوم الشراكة على المصالح المتبادلة والالتزامات الواضحة، لا على افتراضات يصعب اختبارها إلا عند وقوع الأزمات.

وقد لا تستطيع دول الخليج الاستغناء عن القدرات الخارجية في المدى القريب، لكنها تستطيع أن تبدأ فوراً في تقليل اعتمادها الحرج عليها، وتطوير منظومتها الدفاعية المشتركة، وتوسيع خياراتها الاقتصادية والتكنولوجية والدبلوماسية.

إن الاختبار الحقيقي للاستقلال الاستراتيجي ليس أن تقول الدولة إنها مستقلة، بل أن تمتلك القدرة على حماية مصالحها عندما تختلف إرادتها عن إرادة حليفها. فهل تتحول التجربة الراهنة إلى نقطة انطلاق لمراجعة شاملة لمنظومة الأمن الخليجي، أم تكتفي الدول بمعالجة آثار الأزمة ثم تعود إلى المعادلات نفسها التي جعلت السؤال عن حدود الحماية الخارجية يتكرر من جديد؟ ذلك هو السؤال الذي ستتحدد في ضوئه ملامح الأمن الخليجي في السنوات المقبلة.