عاد أحمد أبو الغيط إلى الظهور الإعلامي والسياسي بقوة بعد انتهاء ولايته أميناً عاماً لجامعة الدول العربية، من خلال تصريحات تلفزيونية أعادت فتح ملفات حساسة تتعلق بثورة 25 يناير، والرئيس المخلوع حسني مبارك، والإخوان المسلمين، واستمرار المنقلب السيسي في الحكم.
وفي الأول من نوفمبر 2026، ظهر أبو الغيط وزير خارجية سابق، في برنامج «على مسؤوليتي» الذي يقدمه الأمنجي أحمد موسى على قناة "صدى البلد"، متحدثاً عن أحداث يناير، وموجهاً انتقادات حادة إلى من شاركوا في تلك المرحلة، ومدافعاً عن مبارك، ومشككاً في الروايات التي انتشرت بشأن ثروته الخارجية.
ولم يكن هذا الظهور مجرد استعادة لذكريات مرحلة سياسية سابقة، بل أعاد أبو الغيط إلى خطاب سياسي وإعلامي يتبنى رواية ترى في ثورة يناير مصدراً للاضطراب والخسائر، وتربط الاستقرار باستمرار السلطة الحالية.
ويكتسب هذا الظهور دلالته من توقيته؛ فقد انتهت ولاية أبو الغيط في الجامعة العربية في 1 يوليو 2026، وتسلم نبيل فهمي منصب الأمين العام خلفاً له. ومن ثم فإن أبو الغيط يتحدث الآن بصفته الأمين العام السابق ووزير الخارجية الأسبق، وليس بصفته المسؤول الحالي عن الجامعة.
وسبق انتهاء ولايته استقبال المنقلب السيسي له في 21 يونيو 2026، أن أشار إلى "جهوده" في تعزيز العمل العربي المشترك!
خطاب استمرار السيسي
ونشر حساب حزب تكنوقراط مصر @egy_technocrats بيانا تناول تصريحات أبو الغيط التي تربط استمرار عبدالفتاح السيسي في الحكم بالحفاظ على استقرار مصر، وتحذر من تكرار أحداث يناير 2011.
ووفق ما أورده المنشور، فإن أبو الغيط استند إلى معاصرته أحداث يناير، وقال إن السيسي عايش تلك المرحلة ويعرف مخاطر تكرارها، مقدماً استمرار الرئيس في الحكم باعتباره ضمانة للاستقرار.
وهذا الطرح يتقاطع مع خطاب إعلامي يتبناه مصطفى بكري وأحمد موسى، يقوم على استدعاء أحداث يناير بوصفها تحذيراً دائماً من التغيير السياسي، وربط أي تحول في السلطة باحتمالات الفوضى والانهيار.
وتكمن المسألة هنا في أن الاستقرار السياسي لا يمكن اختزاله في استمرار شخص بعينه في الحكم، كما أن تقييم ثورة يناير لا ينفصل عن تقييم أسباب اندلاعها، وما سبقها من أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية، وما تلاها من تطورات.
أما الخسائر الاقتصادية التي تُنسب إلى أحداث يناير، فتحتاج إلى تحديد الفترة الزمنية ومنهجية الحساب ومصادر الأرقام، ولا يصح استخدامها وحدها لإصدار حكم شامل على الثورة أو على حق المواطنين في المطالبة بالتغيير والمحاسبة.
ويعيد هذا الموقف طرح سؤال عن المسافة التي يحتفظ بها الدبلوماسي السابق بين دوره المفترض في تحليل التطورات السياسية وبين تبني خطاب السلطة التنفيذية وتبرير استمرارها.
مبارك وثروة الـ70 مليار دولار
وفي الظهور التلفزيوني نفسه، يحاول أبو الغيط أيضا التقرب من اللاعبين المحتملين أبناء مبارك فانبرى من خلال شاشة أمن الدولة في "صدى البلد" إلى الدفاع عن المخلوع حسني مبارك، متناولاً الرواية التي انتشرت بعد ثورة يناير بشأن امتلاك الرئيس الأسبق ثروة تقدر بنحو 70 مليار دولار.
وقال أبو الغيط: "إنه خاطب الدول والبنوك العالمية عندما كان وزيراً للخارجية، طالباً تجميد أموال مبارك، لكنه لم يتلقَّ ردوداً من البنوك، وفسر ذلك بأنه لم تكن هناك أرصدة لمبارك لديها".
كما أشار إلى أن ما تردد بشأن الـ70 مليار دولار كان مبالغاً فيه، مستشهداً بما قال إنه نتائج لاحقة بشأن عدم وجود أرصدة خارجية لمبارك في بعض الدول الأوروبية وسويسرا.
أبو الغيط: خاطبت دول العالم وبنوكها لتجميد أموال مبارك ولم يردوا لعدم وجود أرصدة له
لافروف ومبارك.. استدعاء شهادة روسية لتبرير الموقف من ثورة يناير
وفي ظهور آخر ضمن المقابلة نفسها، استحضر أبو الغيط واقعة قال فيها "إن وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف سأله خلال مؤتمر سابق عن كيفية التعامل مع مبارك وإهانته بدلاً من تقدير ما قدمه".
وجاءت الرواية في سياق اعتراض أبو الغيط على ما تعرض له مبارك من انتقادات واتهامات بعد ثورة يناير، وعلى ما وصفه بالمبالغة في تحميل النظام السابق مسؤولية الفساد والسرقة.
الشروق – أبو الغيط: لافروف قال لي «تعملوا كده في مبارك وتهينوه بدل ما تقدروه؟»
الإخوان المسلمين إلى يناير
في تصريحاته، لم يقتصر أبو الغيط على الدفاع عن مبارك، وإنما تحدث عن القوى التي شاركت في أحداث 2011، ووجه إليها اتهامات تتعلق بالطموح السياسي والرغبة في الوصول إلى السلطة وتدمير الدولة.
ونقلت الشروق عنه وصفه بعض القوى التي شاركت في تلك المرحلة بأنها جماعات غاضبة وحاسدة وكارهة وشريرة، وأنها كانت مستعدة لتدمير أي شيء من أجل تحقيق أهدافها.
حصيلة الجامعة العربية.. وتأتي هذه التصريحات في سياق خطاب سياسي يربط بين ثورة يناير وصعود جماعة الإخوان المسلمين، ثم يتعامل مع التجربة كلها باعتبارها مساراً واحداً انتهى بالاضطرابات.
انتقادات عربية لعجز "الجامعة العربية"
إذا كانت تصريحات أبو الغيط الأخيرة تتعلق بالسياسة المصرية الداخلية، فإن الاختبار الأهم لسجله السياسي السابق يظل أداء الجامعة العربية خلال فترة توليه الأمانة العامة.
فقد شهدت المنطقة خلال سنوات ولايته أزمات كبرى في فلسطين والسودان وليبيا واليمن وسوريا والصومال، إلى جانب الصراعات الإقليمية والتدخلات العسكرية، وهي ملفات أعادت طرح السؤال القديم حول جدوى الجامعة العربية وقدرتها على التحرك.
وفي 23 مارس 2026، وجه أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، انتقاداً واضحاً لمؤسسات العمل العربي المشترك، وفي مقدمتها الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، متسائلاً عن غياب دورها في مواجهة الهجمات الإيرانية التي استهدفت دول الخليج.
وقال قرقاش: "إن دول الخليج كانت سنداً وشريكاً للجميع في أوقات الرخاء، متسائلاً عن غياب المساندة في أوقات الشدة، ومشيراً إلى أن هذا الغياب لا يتيح لاحقاً انتقاد توجه دول الخليج نحو تعزيز علاقاتها الأمنية مع الولايات المتحدة والقوى الغربية".
وتكتسب هذه التصريحات أهميتها من صدورها عن مسؤول إماراتي رفيع، وليس مجرد تعليق على وسائل التواصل الاجتماعي، كما أنها جاءت خلال فترة أبو الغيط الأخيرة في الأمانة العامة.
CNN عربية – قرقاش ينتقد الدول العربية والإقليمية الكبرى: أين أنتم في وقت الشدة؟
وظهرت انتقادات أخرى لدور الجامعة العربية في مواجهة الأزمات الإقليمية، خصوصاً في ظل استمرار الحرب في غزة، وتدهور الأوضاع في السودان واليمن وليبيا، وتصاعد التوترات الإقليمية.
ووجه اتهامات سياسية حادة إلى الجامعة والدول العربية بشأن الأوضاع في السودان وليبيا واليمن والصومال وسوريا والجزائر.
ووجه حسام الجبعري @AljabaaryHossam انتقاداً للغياب العربي والإسلامي أمام ما حدث وما زال يحدث في غزة، مطالباً بمساءلة من يتحدثون باسم الإسلام والعروبة عن مواقفهم العملية.
كما تضمنت تعليقات حول علاقة بعض الدول العربية ب"إسرائيل"، وصمت الأمين العام عنها وعن حجم التجارة مع الكيان ومدى التناقض بين الخطاب المعلن عن التضامن مع فلسطين والسياسات الفعلية للدول وللجامعة العربية التي باتت حارس بوابة التطبيع.
وباتت الجامعة أمام اختبار سياسي وأخلاقي يتعلق بقدرتها على تحويل المواقف والقرارات إلى إجراءات مؤثرة، وليس الاكتفاء بالبيانات والإدانات.
وتقييم أداء الأمين العام لا ينفصل عن طبيعة الجامعة نفسها؛ فالقرارات الرئيسية تخضع لمواقف الدول الأعضاء وتوافقاتها، والأمين العام لا يمتلك سلطة مستقلة لإلزام الحكومات بسياسات لا توافق عليها.
من الانتقادات اللافتة التي وردت في المواد المرفقة منشور للأكاديمي والمفكر السوداني تاج السر عثمان، طرح فيه سؤال إصلاح الجامعة العربية، واعتبر أن هيكلها الحالي يعاني من الجمود والبيروقراطية، وأنها لم تعد قادرة على مواكبة الأزمات التي تضرب المنطقة.
وطالب بإعادة النظر في النهج التقليدي للجامعة ونقل مقرها إلى عاصمة عربية تمتلك مشروعاً سياسياً أكثر فاعلية، بدلاً من استمرار المؤسسة في موقعها الحالي دون قدرة واضحة على التأثير.
كما نشر الكاتب السعودي البارز داود الشريان @alshiriandawood في 19 مارس الماضي تعليقاً ساخراً اقترح فيه نقل مقر الجامعة إلى جزيرة نائية، بحيث تتحرر من ضغوط الدول المختلفة وتتمكن من اتخاذ مواقف واضحة دون الحاجة إلى بيانات توضيحية لاحقة.
https://x.com/alshiriandawood/status/2034678232805433652
والجامعة العربية منظمة حكومية دولية، وتتحكم الدول الأعضاء في القرارات الكبرى من خلال مجلس الجامعة والقمم العربية، وتؤثر الخلافات بين الحكومات ومصالحها المتعارضة في قدرة المؤسسة على اتخاذ قرارات موحدة.
لكن ذلك لا يلغي مسؤولية الأمين العام عن المبادرة الدبلوماسية، وتفعيل آليات التشاور، وطرح الحلول، وتنسيق المواقف، وتقديم تقارير واضحة عن العقبات التي تحول دون تنفيذ القرارات.
اختيار خاطئ منذ البداية
الكاتب السعودي جمال الساير @rayatalshaab1 انتقد إعادة تعيين وزير خارجية سابق في نظام مبارك على رأس الجامعة العربية، معتبراً أن هذا الاختيار لم يكن مؤشراً على البحث عن قيادة تمتلك مشروعاً عربياً مستقلاً.
وربط المنشور بين خلفية أبو الغيط السياسية وبين ما وصفه بضعف موقف الجامعة في مواجهة الاعتداءات على الدول العربية، كما استحضر تجربة الأمين العام الأول للجامعة عبدالرحمن عزام، باعتبارها نموذجاً مختلفاً في تصور الدور العربي.
و بأعقاب مغادرة المنصب، ظهر أبو الغيط مجدداً عبر وسائل الإعلام المصرية، مقدماً مواقف سياسية تتعلق بثورة يناير ومبارك والإخوان والسيسي منحازا فيها للثورة المضادة التي كانت تمنحه راتبه الشهري المسدد بالدولار.