أثار مقترح الاستعانة بالأطباء البيطريين لسد العجز في أعداد الأطباء البشريين جدلًا واسعًا، في وقت تعاني فيه المنظومة البيطرية نفسها من نقص مزمن في الكوادر وتراجع معدلات التعيين والإحلال، برز تطور آخر أكثر إثارة للتساؤلات: انتقال ملف تعيين الأطباء البيطريين إلى الأكاديمية العسكرية، بحسب ما أعلنه نقيب الأطباء البيطريين.
ويأتي التطور الثاني في سياق شهد خلال السنوات الأخيرة تزايد نقاط التقاطع بين المؤسسات العسكرية ومجالات الزراعة والإنتاج الحيواني والأمن الغذائي، بالتوازي مع وجود مسار رسمي لضم الأطباء البيطريين إلى القوات المسلحة كضباط متخصصين، وتعاون نقابة الأطباء البيطريين مع الهيئة العربية للتصنيع في مشروعات مرتبطة بالمهنة.
وبينما تقول النقابة: "إن آلاف الأطباء البيطريين يحتاجون إلى فرص للعمل داخل الجهاز الحكومي، تظل الأسئلة معلقة حول طبيعة الدور الذي تؤديه الأكاديمية العسكرية في ملف التعيينات: هل يتعلق الأمر بإجراءات أمنية أو تنظيمية محددة، أم يمتد إلى مراحل الاختيار والتقييم؟ ومن صاحب القرار النهائي في التعيين؟ وما السند القانوني لنقل الملف من المؤسسات المدنية المختصة؟".
القصة إذن لا تبدأ من قرار نقل ملف التعيينات في 2026، ولا تنتهي عنده؛ فخلف التطور الأخير تاريخ أطول من أزمة التعيين الحكومي، وعلاقة متنامية بين الطب البيطري ومنظومة الأمن الغذائي ومؤسسات ذات صلة بالقوات المسلحة، ما يعني البدء في دور عسكري داخل جهاز مدني متخصص كالمعلمين والقضاة والأوقاف.
هذه التطورات أعادت إلى الواجهة سؤالًا أكبر عن طبيعة العلاقة المتراكمة بين مؤسسات الدولة العسكرية والقطاع البيطري، خصوصًا مع اتساع الدور العسكري في مشروعات مرتبطة بالزراعة والإنتاج الحيواني والأمن الغذائي.
بحسب ما أوردته نقابة الأطباء البيطريين في مناسبات مختلفة، تعود أزمة الجهاز البيطري الحكومي إلى سنوات طويلة، مع تراجع التعيينات الحكومية وخروج أعداد من الأطباء إلى المعاش دون إحلال كافٍ.
حتى منتصف التسعينيات، كانت الدولة تعتمد على تكليف خريجي الطب البيطري للعمل في وزارة الزراعة، قبل أن يتراجع هذا النظام مع تغير سياسة التوظيف الحكومي. ومع مرور الوقت، أصبح آلاف الخريجين يتجهون إلى القطاع الخاص ومجالات أخرى، في حين ظلت الوحدات البيطرية الحكومية تعاني نقصًا في الأطباء.
وفي 2019، حذرت نقابة الأطباء البيطريين من تداعيات خروج أعداد كبيرة من العاملين إلى المعاش دون إحلال، وربطت ذلك بتراجع القدرة على القيام بمهام مثل التحصين والرقابة الصحية وسلامة الغذاء.
في أغسطس 2021، ظهر أحد أبرز الأمثلة على اتساع نطاق مشاركة المؤسسات المرتبطة بالقوات المسلحة في مشروعات الزراعة والأمن الغذائي، عندما تابع مشروع «مستقبل مصر» بحضور قائد القوات الجوية ومدير المشروع وقيادات من الهيئة الهندسية للقوات المسلحة.
وأعلن السيسي حينها أن المشروع يستهدف استصلاح الأراضي وزيادة الإنتاج الزراعي والتوسع في الصناعات الزراعية والغذائية.
هذه المحطة مهمة بالنسبة إلى ملف الطب البيطري لأن التوسع في الإنتاج الزراعي والغذائي والحيواني يخلق بطبيعته مساحة عمل للأطباء البيطريين، سواء في الصحة الحيوانية أو الرقابة أو المحاجر أو سلامة الغذاء.
لكن لا يعني ذلك أن كل نشاط بيطري داخل هذه المشروعات أصبح نشاطًا عسكريًا؛ فالانتقال من «ارتباط المشروع بالمؤسسة العسكرية» إلى «إدارة الجيش للقطاع البيطري» يحتاج إلى دليل مؤسسي منفصل.
مشروعات الأمن الغذائي وتزايد مساحة التداخل
خلال السنوات التالية وحتى 2024 توسعت الدولة في مشروعات استصلاح الأراضي والإنتاج الزراعي والغذائي، وأصبح «مستقبل مصر» جزءًا من منظومة أوسع مرتبطة بالأمن الغذائي.
وهنا تظهر أهمية الطب البيطري باعتباره أحد التخصصات التي تقع عند نقطة التقاء الإنتاج الحيواني والصحة العامة وسلامة الغذاء ومكافحة الأمراض المشتركة بين الإنسان والحيوان.
بمعنى آخر، كلما اتسعت مشروعات الثروة الحيوانية والإنتاج الغذائي، اتسعت الحاجة إلى الخبرة البيطرية، بصرف النظر عن الجهة التي تدير المشروع.
في يناير 2025 أعلنت القوات المسلحة قبول خريجي جامعات للعمل كضباط متخصصين، وكان الطب البيطري ضمن التخصصات الطبية المطلوبة. وتضمنت شروط المسار دراسة عسكرية لمدة عام، وتكرر إدراج الطب البيطري في إعلان لاحق للقوات المسلحة في أكتوبر 2025.
وفي أغسطس 2026، أعلنت نقابة الأطباء البيطريين عن تعاون مع الهيئة العربية للتصنيع لإنتاج عيادات بيطرية متنقلة مجهزة، وفق احتياجات الأطباء وتخصصاتهم، مع طرحها بنظام التقسيط.
وهذه الواقعة تقدم نوعًا آخر من العلاقات بين القطاع البيطري ومؤسسة ذات صلة بالمؤسسة العسكرية: علاقة تصنيع وتوفير معدات، وليست علاقة تعيين أو إدارة مباشرة إلا أنها تطلبت على ما يبدو اقحام الاكاديمية في المنتصف.
ومن المهم الحفاظ على هذا التفريق، لأن وجود تعاون بين نقابة مهنية والهيئة العربية للتصنيع لا يعني في حد ذاته أن الهيئة أصبحت مسؤولة عن إدارة المهنة أو الجهاز البيطري.
مقترح تحوّيل البيطري إلى بشري
في التوقيت نفسه تقريبًا، ظهر مقترح للاستعانة بالأطباء البيطريين لسد العجز في أعداد الأطباء البشريين، بعد استكمال دراسة مواد إضافية.
المقترح أثار اعتراضات مهنية، خصوصًا بشأن اختلاف طبيعة الدراسة والتدريب السريري والتشريح ونطاق الأمراض والمسؤولية الطبية.
وهنا يجب الفصل بين قضيتين مختلفتين: أزمة نقص الأطباء البشريين من جهة، وأزمة البطالة أو نقص التعيينات في القطاع البيطري من جهة أخرى.
فوجود أعداد من خريجي الطب البيطري لا يعني أن الحل هو تحويلهم إلى أطباء بشريين، كما أن وجود عجز في الجهاز البيطري لا يحل تلقائيًا بمجرد تعيين الخريجين؛ إذ تظل هناك حاجة إلى التدريب والإحلال وتوفير المستلزمات والبنية التشغيلية.
الموثق رسميًا أن القوات المسلحة تستقبل أطباء بيطريين للعمل كضباط متخصصين، وأنها ارتبطت بمشروعات زراعية وأمن غذائي، وأن الهيئة العربية للتصنيع دخلت في تعاون معلن مع نقابة البيطريين.
أما النقطة الأكثر حساسية، وهي انتقال ملف تعيين البيطريين إلى الأكاديمية العسكرية، فمصدرها الأساسي في الوقت الحالي هو تصريحات نقيب الأطباء البيطريين والتغطيات الصحفية لها.
ولذلك فإن الحلقة التي ستحدد قوة التقرير هي الحصول على القرار أو الكتاب الرسمي الذي يوضح لماذا انتقل الملف، وما الدور الذي تقوم به الأكاديمية، ومن صاحب القرار النهائي في التعيين.
والسؤال الذي يستحق أن يبقى في مركز التقرير ليس ما إذا كان «العسكريون يعرفون الطب البيطري»؛ فهذا أمر ثابت من وجود الأطباء البيطريين ضمن مسارات القوات المسلحة، السؤال الأهم هو أين تنتهي الاستعانة بالخبرة والمؤسسات العسكرية، وأين تبدأ ممارسة الاختصاص الإداري على مهنة وجهاز مدنيين؟.