وافقت مجموعة "باقون في جزيرة الوراق" على بدء جولة من المفاوضات مع الدولة بشأن مستقبل أهالي الجزيرة، وتشكيل لجنة من أعضائها للتفاوض، وذلك بعد تواصل مسئولين في جهاز الأمن الوطني مع عدد من الأهالي وطرح تصور جديد يسمح، نظريًا، ببقاء جميع سكان الجزيرة داخلها.
وجاءت الموافقة خلال اجتماع عقدته المجموعة مساء الجمعة، بحضور أكثر من ألف من أهالي الجزيرة، للتشاور بشأن قبول التفاوض من عدمه، بعدما كانت قد رفضت قبل أيام الدخول في أي مفاوضات ما لم توافق الدولة مسبقًا على مطلبها الرئيسي، المتمثل في مبدأ "بيت مقابل بيت".
ويقصد الأهالي بهذا المطلب منحهم حق بناء مساكن بديلة داخل الجزيرة مقابل نزع منازلهم الحالية، بدلًا من اقتصار التعويض على توفير مساكن خارج الجزيرة أو شقق ضمن المشروعات السكنية الحكومية.
عرض جديد لبقاء سكان الجزيرة
وبحسب ثلاثة من الأعضاء المؤسسين لمجموعة "باقون في جزيرة الوراق"، تحدثوا إلى موقع "المنصة"، تلقت المجموعة خلال الأيام الماضية عرضًا من ممثلين عن جهاز الأمن الوطني يتضمن السماح لسكان منطقة "الكتلة السكنية" بالبقاء في منازلهم.
أما سكان منطقة "المتناثرات"، التي تتركز فيها المشروعات الحكومية، فطُرحت أمامهم ثلاثة خيارات: الحصول على مساكن بديلة خارج الجزيرة، أو شقق في الأبراج السكنية التي تنفذها الدولة، أو أراضٍ للبناء عليها في المناطق التي آلت ملكيتها إلى الحكومة داخل نطاق "الكتلة السكنية".
ويختلف هذا التصور عن طرح سابق قدمه رئيس جهاز مدينة الوراق السابق، أسامة شوقي، العام الماضي، وكان يقضي بالإبقاء على أهالي "الكتلة السكنية" في منازلهم ضمن مساحة تصل إلى نحو 300 فدان، بينما يحصل سكان "المتناثرات" على شقق سكنية في الأبراج الحكومية بدلًا من منازلهم.
ولم يحظ العرض السابق بقبول الأهالي، الذين تمسك قطاع منهم بحقهم في البقاء داخل الجزيرة وبالحصول على بديل سكني يحافظ على طبيعة حياتهم الحالية.
"بيت مقابل بيت".. من شعار إلى خيار تفاوضي
أما العرض الذي نُقل إلى مجموعة "باقون" مؤخرًا، فيتجاوز التصور السابق، إذ يتيح لسكان "المتناثرات" الراغبين في البقاء داخل الجزيرة الحصول على أراضٍ للبناء عليها في المناطق الحكومية الواقعة ضمن نطاق "الكتلة السكنية"، إلى جانب خياري الانتقال إلى مساكن خارج الجزيرة أو الحصول على شقق في الأبراج السكنية.
ومن الناحية النظرية، يفتح هذا العرض الباب أمام بقاء جميع أهالي الوراق داخل الجزيرة، بدلًا من اقتصار البقاء على سكان "الكتلة السكنية".
لكن اثنين من المصادر الثلاثة أشارا إلى تحديات محتملة أمام تطبيق هذا التصور، تتعلق خصوصًا بمساحة المنطقة المتاحة مقارنة بعدد السكان، في حال اختار عدد كبير من سكان "المتناثرات" البقاء داخل الجزيرة بدلًا من الانتقال إلى مساكن بديلة أو الأبراج الحكومية.
الاجتماع حسم التفاوض.. ولم يحسم العرض
ورغم أهمية التصور الجديد، لم يُطرح خلال اجتماع الجمعة للنقاش، وفق المصدرين، إذ اقتصر الاجتماع على بحث مبدأ الدخول في مفاوضات مع الدولة.
وانتهى الاجتماع بالموافقة على التفاوض، وتشكيل لجنة من أعضاء المجموعة لتمثيل الأهالي خلال المفاوضات المقبلة.
ولم يتحدد حتى الآن موعد لقاء اللجنة مع جهاز الأمن الوطني، كما لم تُحسم تفاصيل عملية التفاوض أو الموقف النهائي من العرض الذي نُقل إلى المجموعة.
وتأتي الموافقة بعد أيام فقط من رفض الأهالي، خلال اجتماع موسع عقد يوم الجمعة قبل الماضي، الدخول في أي تفاوض مع مسؤولي الدولة قبل الحصول على موافقة مسبقة على مطلب "بيت مقابل بيت"
لماذا يرفض الأهالي الشقق البديلة؟
ويعارض قطاع من أهالي الوراق الانتقال إلى شقق بديلة، باعتبار أن طبيعة مساكنهم الحالية تختلف عن الوحدات السكنية التي تطرحها المشروعات الحكومية.
وتضم منازل الجزيرة، في كثير من الحالات، أسرًا ممتدة، كما تتيح مساحات أوسع للمعيشة والبناء مقارنة بالشقق السكنية، وهو ما يجعل مسألة التعويض بالنسبة للأهالي مرتبطة ليس فقط بمكان السكن، وإنما أيضًا بطبيعة الحياة التي اعتادوا عليها داخل الجزيرة.
وكان اجتماع الجمعة قبل الماضي قد قرر كذلك أن يقتصر أي تفاوض مقبول على ممثلين عن رئاسة الجمهورية أو رئاسة مجلس الوزراء أو جهاز الأمن الوطني.
في المقابل، رفض الأهالي التفاوض مع جهاز تنمية مدينة الوراق الجديدة، بعدما قالوا إنه لم يستجب لمطالب تتعلق بتخصيص قطعة أرض لبناء منازلهم وأخرى للاستخدامات الخدمية، وهي المطالب التي سبق أن عرضوها عليه، فضلًا عن عدم موافقتهم على عدم مقابلتهم.
اختبار جديد لمسار أزمة الوراق
ويُمثل قبول مجموعة "باقون في جزيرة الوراق" الدخول في جولة تفاوض تحولًا مهمًا في مسار الخلاف بين الدولة وقطاع من سكان الجزيرة، خصوصًا أنه جاء بالتزامن مع طرح تصور جديد يتضمن، للمرة الأولى وفق المصادر، إمكانية توفير بديل للبقاء داخل الجزيرة أمام سكان "المتناثرات".
لكن الموافقة على التفاوض لا تعني حسم الخلاف، إذ لا تزال تفاصيل العرض وشروط تنفيذه محل بحث، كما تظل مسألة المساحة المتاحة لاستيعاب الراغبين في البقاء داخل الجزيرة أحد أبرز التحديات المطروحة.
وبين تمسك الأهالي بمبدأ "بيت مقابل بيت"، وخطط الدولة لإعادة تنظيم الجزيرة وتطويرها، تدخل أزمة الوراق مرحلة جديدة، عنوانها هذه المرة التفاوض على صيغة تسمح بالبقاء بدلًا من الصدام حول مبدأ الرحيل.