قروض التعليم في عهد السيسي.. الاستفادة محدودة وتعثر في التنفيذ وأعباء ديون على الورق

- ‎فيتقارير

رغم اعتماد حكومة الاتقلاب المتزايد على الاقتراض خلال سنوات حكم المنقلب عبد الفتاح السيسي، تكشف بيانات القروض الموجهة إلى القطاعات المختلفة عن مفارقة لافتة؛ إذ لم يحصل قطاع التعليم، المرتبط بصورة مباشرة بالتنمية البشرية وبناء رأس المال البشري، سوى على نصيب محدود للغاية من إجمالي القروض، مقارنة بقطاعات أخرى مثل النقل والكهرباء والإنشاءات.

وتشير بيانات وتحليلات لقاعدة قرارات جمهورية أعدتها مؤسسة الذاكرة والمعرفة للدراسات، بشأن القروض والمنح والتسهيلات الائتمانية واتفاقيات التمويل خلال الفترة من 2014 إلى 2025، إلى أن مشروعات الإنشاءات في قطاعات أخرى تصدرت قائمة المستفيدين، بقيمة بلغت نحو 47 مليار دولار.

في المقابل، لم تتجاوز قيمة القروض التي حصلت عليها الحكومة لدعم قطاع التعليم نحو 1.05 مليار دولار على مدار 11 عامًا، بحسب تحليل «متصدقش» للبيانات.

وتكشف هذه الأرقام عن فجوة واضحة بين حجم الاقتراض الحكومي خلال السنوات الماضية وبين التمويل الذي وُجّه إلى قطاع يفترض أن يمثل أحد المحاور الأساسية لأي استراتيجية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

التعليم.. منح أكثر من القروض

وتظهر مراجعة الاتفاقيات الخاصة بالتعليم أن المنح هيمنت على تمويل القطاع مقارنة بالقروض.

فمن بين 44 اتفاقًا أصدر السيسي قرارات بشأنها في قطاع التعليم، تضمنت البيانات ستة قروض فقط، مقابل 35 منحة وثلاث اتفاقيات تعاون.

وبلغ إجمالي قيمة القروض الموجهة للتعليم نحو 1.05 مليار دولار، جاءت أكبرها من البنك الدولي بقيمة 500 مليون دولار، والصندوق السعودي للتنمية بنحو 250 مليون دولار، وبنك التعمير الألماني بقيمة 120 مليون دولار.

وفي المقابل، بلغت قيمة المنح الموجهة للقطاع نحو 1.10 مليار دولار، وهي قيمة تقارب إجمالي القروض.

وتصدرت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية قائمة الجهات المانحة، بعدما قدمت نحو 19 منحة لقطاعي التعليم الأساسي والتعليم العالي، بقيمة إجمالية بلغت نحو 944 مليون دولار خلال 11 عامًا.

كما تضمنت الاتفاقيات منحًا من الاتحاد الأوروبي بقيمة تقترب من 86.7 مليون دولار، إلى جانب منح أخرى من اليابان وكوريا والصين وعدد من الدول الأوروبية.

وتقدم هذه المساعدات في صورة منح أو قروض ميسرة بهدف معلن يتمثل في دعم التنمية وبناء القدرات، بينما ترتبط في الوقت نفسه بأهداف ومصالح الدول والمؤسسات المانحة.

قرض البنك الدولي.. تمويل ميسر ونتائج متعثرة

ورغم محدودية عدد القروض الموجهة إلى التعليم، فإن أحد أبرزها كان قرض البنك الدولي لإعادة الإعمار والتنمية بقيمة 500 مليون دولار، الذي حصلت عليه مصر عام 2018 لدعم إصلاح وتطوير التعليم.

وجاء القرض بشروط ميسرة، مع سداد 1.67% من أصل القرض كل ستة أشهر، فيما بلغت الفائدة المسجلة على القرض صفرًا بالمئة، وفق تقرير تدقيق مالي للمشروع، بينما اقتصرت الرسوم المقررة على رسم ابتدائي قدره ربع بالمئة، بما يعادل نحو 1.25 مليون دولار، وكان مشمولًا ضمن قيمة القرض.

وكانت أهداف المشروع واسعة، إذ شملت إتاحة تعليم جيد في مرحلة رياض الأطفال لنحو 500 ألف طفل، وتدريب 500 ألف معلم ومسؤول تعليمي، وتوفير موارد تعليمية رقمية لنحو 1.5 مليون طالب ومعلم، إلى جانب استفادة أكثر من مليوني طالب من نظام التقييم والامتحانات الجديد، لكن التنفيذ لم يسر وفق الجدول المعلن.

فقد كان الموعد الأصلي لإغلاق المشروع في سبتمبر 2023، قبل أن يتأخر التنفيذ لأكثر من عامين. وأعاد البنك الدولي هيكلة المشروع ثلاث مرات، ومدد فترة تنفيذه في 2021 ثم 2022 ثم 2025، ليصل الموعد النهائي إلى 15 أغسطس 2025.

وفي وثيقة صادرة في يونيو 2025، خفض البنك الدولي تقييم المشروع من «مُرضٍ بدرجة متوسطة» إلى «غير مُرضٍ بدرجة متوسطة»، كما خفض تقييم مستوى التنفيذ.

30% فقط من مستهدفات تدريب المعلمين

كان أحد أبرز أسباب خفض التقييم هو التأخر في تنفيذ برامج تدريب المعلمين والقيادات والموجهين، التي لم تحقق سوى نحو 30% من المستهدف.

كما واجه المشروع تعثرًا في تحقيق هدف يتعلق بجودة رياض الأطفال؛ إذ كان من المستهدف وصول 12% من رياض الأطفال إلى مستوى جودة أعلى، لكن القيمة المسجلة حتى نوفمبر 2024 بلغت صفرًا.

وأظهر تقرير البنك الدولي كذلك أن مؤشر حل الشكاوى خلال المدة المحددة ظل عند صفر%، مشيرًا إلى صعوبة الوصول إلى بيانات الشكاوى الخاصة بالمشروع على مستوى الوزارة، إلى جانب وجود تأخيرات تراكمية.

كما واجه تطبيق البطاقات الرقمية المخصصة للطلاب مشكلات في التنفيذ، إذ جرى تسجيلها باعتبارها نُفذت ووُزعت على الطلاب، بينما لم يكن ذلك قد تم فعليًا، وهو ما أدى إلى عدم صرف مبلغ 25 مليون دولار المخصص لهذا البند.

وصنّف البنك الدولي هذه البنود وغيرها باعتبارها «خارج المسار»، بما يعكس فجوة كبيرة بين الخطة الموضوعة والتنفيذ الفعلي للمشروع.

أكثر من 154 مليون دولار لم تُصرف

وتكشف أحدث وثيقة صادرة عن البنك الدولي في يناير 2026 أن المبالغ التي جرى صرفها من القرض بلغت نحو 345.15 مليون دولار، بما يعادل 69.03% من إجمالي قيمته.

وبذلك، بقي نحو 154.85 مليون دولار من قيمة القرض دون صرف.

ولا يقتصر أثر التأخير على تعطيل تنفيذ المشروعات، وإنما يمتد إلى تكلفة مالية إضافية؛ إذ تنص شروط القرض على فرض رسوم بنسبة ربع بالمئة في حالات التأخر عن السحب.

وبذلك، فإن تأخر الحكومة في تنفيذ البرامج واستكمال إجراءات السحب من القرض يمكن أن يحول التمويل الميسر إلى تكلفة إضافية، حتى وإن كانت الفائدة الأصلية على القرض منخفضة للغاية.

وتشير هذه الحالة إلى مشكلة أوسع في إدارة التمويل الخارجي، إذ سبق أن ظهرت ملاحظات مماثلة بشأن تأخر الاستفادة من قروض موجهة إلى قطاعات أخرى، بينها النقل والصرف الصحي والكهرباء.

المنح الأمريكية.. انتقادات رقابية أيضًا

ولا تبدو المشكلات مقتصرة على القروض، إذ طالت انتقادات رقابية كذلك طريقة إدارة بعض المنح الموجهة إلى التعليم.

ففي عام 2023، أصدر مكتب المفتش العام بالوكالة الأمريكية للتنمية الدولية تقريرًا تناول عددًا من برامج التعليم العالي التي تمولها الوكالة في مصر، ورصد مشكلات تتعلق بتحقيق المستهدفات، ووضع مؤشرات الأداء ومتابعتها وتفسير أسباب الانحراف عنها.

وكشف التقرير عن 43 حالة تجاوز فيها الفارق بين النتائج الفعلية والمستهدفات نسبة 10%.

كما أشار إلى تأخر بدء بعض المشروعات عن المواعيد المتوقعة، وعدم اعتماد مشروعات أخرى، فضلًا عن صعوبات واجهتها بعض الجهات المستفيدة في مصر في توثيق مؤشرات الأداء.

ورصد التقرير كذلك ضعف قدرة بعض المشروعات التعليمية في الجامعات الممولة على إقامة روابط فعالة مع القطاع التجاري، مشيرًا إلى أن النشاط في هذا المجال جاء أقل من المتوقع بسبب صعوبات في التواصل مع القطاع التجاري.

وتزامنت هذه الملاحظات مع مؤشرات دولية سلبية بشأن مهارات القوى العاملة والخريجين؛ إذ أشار تقييم للوكالة الأمريكية إلى احتلال مصر المرتبة 99 من أصل 141 دولة في مهارات القوى العاملة الحالية والمستقبلية وفق تقرير التنافسية العالمي لعام 2019، والمرتبة 133 في مهارات الخريجين، و123 في التفكير النقدي في التدريس.

التعليم لا يحصل على القروض.. لكنه يتحمل جزءًا من فوائدها

المفارقة لا تتوقف عند محدودية القروض الموجهة مباشرة إلى قطاع التعليم، إذ تشير المادة إلى أن القطاع يتحمل في المقابل جزءًا من أعباء خدمة الدين الحكومي.

وتتمثل إحدى الممارسات التي أُثيرت بشأنها انتقادات في تحميل قطاعات التعليم والصحة نسبًا من فوائد القروض الحكومية عند احتساب الإنفاق العام على القطاعين، بما يساعد الحكومة على إظهار أرقام إنفاق تقترب من النسب الدستورية المطلوبة.

وبحسب هذا الأسلوب، يجري توزيع جزء من فوائد الديون العامة على قطاعات مختلفة وفقًا لحصتها من الإنفاق، وهو ما قد يجعل الأرقام المدرجة في الموازنة لا تعكس بالضرورة حجم الإنفاق المباشر على الخدمات التعليمية والصحية.

وينص الدستور المصري على تخصيص نسبة من الناتج القومي الإجمالي للإنفاق على التعليم، على أن تصل إلى 6% للتعليم قبل الجامعي والجامعي وفقًا للأحكام الدستورية ذات الصلة.

وفي مشروع موازنة العام المالي 2026/2027، بلغت مخصصات قطاع التعليم نحو 367.3 مليار جنيه، بما يعادل نحو 1.49% من الناتج الإجمالي المستهدف البالغ 24.5 تريليون جنيه، بحسب الأرقام الواردة في المادة.

وفي المقابل، تشير البيانات الواردة إلى تحميل قطاعي التعليم والصحة نحو 790 مليار جنيه من فوائد القروض عند احتساب النفقات وفق هذه الآلية.

قروض قليلة.. واستفادة أقل

تكشف خريطة التمويل الموجه إلى التعليم في نهاية المطاف عن مفارقة واضحة.

ففي الوقت الذي توسعت فيه الحكومة المصرية في الاقتراض خلال السنوات الماضية لتمويل مشروعات وقطاعات متعددة، ظل نصيب التعليم من القروض محدودًا، واعتمد القطاع بدرجة أكبر على المنح والمساعدات الخارجية.

لكن حتى القروض القليلة التي حصل عليها القطاع لم تحقق بالضرورة النتائج المستهدفة في مواعيدها، كما تكشف حالة قرض البنك الدولي البالغ 500 مليون دولار، الذي واجه تمديدات متكررة وتراجعًا في تقييم التنفيذ، بينما ظلت نسبة من أمواله غير مصروفة.

وفي المقابل، تعرضت بعض برامج المنح التعليمية لانتقادات رقابية بسبب ضعف مؤشرات الأداء والتأخر في التنفيذ وعدم تحقيق بعض المستهدفات.

وهكذا، لا تبدو المشكلة في حجم التمويل وحده، وإنما في كيفية توجيه الأموال وإدارتها وقياس نتائجها.

فقطاع التعليم الذي يفترض أن يكون استثمارًا طويل الأجل في الإنسان، لم يحصل إلا على جزء محدود من موجة الاقتراض، بينما تكشف مشروعات التمويل القليلة عن تحديات في التنفيذ والاستفادة، في الوقت الذي تظل فيه أعباء الدين حاضرة داخل الموازنة العامة وتتحمل القطاعات الخدمية جانبًا منها.