كواليس هندسة الزيف الإعلامي .. رفع أسعار الكهرباء وتوجيهات “السيسي – رشوان”

- ‎فيتقارير

شهد المشهد الإعلامي المصري في أعقاب صدور بيان وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة في 31 يوليو 2026 بشأن تحريك أسعار شرائح الاستخدام المنزلي بمتوسط زيادة بلغ 12%، حالة من التنميط التحريري الموحد.

وكشفت الشهادات المهنية الموثقة لـ ثمانية مصادر صحفية وإعلامية داخل المؤسسات القومية والخاصة والتابعة للشركة المتحدة للخدمات الإعلامية لمنصة "#متصدقش"، أن التغطية لم تكن وليدة اجتهاد صالات التحرير، بل جاءت بناءً على توجيهات مركزية عبر مجموعات تواصل مغلقة على تطبيق "واتسآب" تدار من جهات أمنية ووزارة الداخلية.

 

شملت التوجيهات الإعلامية أربعة محاور إلزامية، حيث طُلب من رؤساء التحرير ومعدي البرامج الالتزام بنصوص محددة ومنع أي اجتهاد فردي:

رصدت منصة "#متصدقش" أنه تم التوجيه بحظر مفردات مثل "عبء جديد" أو "صدمة للمواطنين"، والاستعاضة عنها بلغة تنموية. ركزت التعليمات على إبراز "تثبيت أسعار الشريحة الأولى" كدليل قاطع على حماية الدولة لمحدودي الدخل.

وطلب ربط الزيادة بتوترات إقليمية وارتفاع تكاليف الوقود العالمي، بهدف إخلاء مسؤولية الحكومة وتصوير القرار كاستجابة قسرية لظروف خارجية، والارتفاع العالمي في أسعار الوقود المستورد لمحطات التوليد.

تضمن التوجيه تصوير الزيادة كـ "دواء مر" لتفادي انهيار مرفق الكهرباء، مع كشف أرقام مديونيات قطاع البترول لتبرير الحاجة للسيولة كاستجابة للمديونيات المتراكمة وفروق أسعار الصرف.

واستُخدمت الذرائع الفنية، مثل "معدلات الاستهلاك غير المسبوقة بسبب الطقس"، كغطاء لتسويق الزيادة كضرورة فنية ملحة لتأمين الخدمة، مع إبراز معدلات الأحمال التاريخية المرتفعة نتيجة موجات الطقس الحار كسبب فني حتمي لاستنزاف الميزانية.

أسعار الشرائح والتفاوت المعيشي

أوضحت الجداول الرسمية الصادرة عن جهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك تفاصيل الأسعار الجديدة للشرائح المنزلية بعد إقرار الزيادة بنسبة 12%:

    الشريحة الأولى (من 0 إلى 50 كيلووات/ساعة): ثُبِّتت عند 68 قرشًا للكيلووات.

    الشريحة الثانية (من 51 إلى 100 كيلووات/ساعة): ارتفعت إلى 87.36 قرشًا (بدلاً من 78 قرشًا).

    الشريحة الثالثة (من 101 إلى 200 كيلووات/ساعة): سجلت 1.064 جنيه (بدلاً من 95 قرشًا).

    الشريحة الرابعة (من 201 إلى 350 كيلووات/ساعة): بلغت 1.736 جنيه (بدلاً من 1.55 جنيه).

    الشريحة الخامسة (من 351 إلى 650 كيلووات/ساعة): وصلت إلى 2.184 جنيه (بدلاً من 1.95 جنيه).

    الشريحة السادسة (من 651 إلى 1000 كيلووات/ساعة): سجلت 2.352 جنيه (بدلاً من 2.10 جنيه).

    الشريحة السابعة (أكثر من 1000 كيلووات/ساعة): حوسبت بسعر موحد بلغ 2.89 جنيه (بدلاً من 2.58 جنيه) دون الاستفادة من أي دعم.

 

وفي المقابل، روجت الخطابات الرسمية لرقم مالي مفاده تحمل الدولة نحو 100 مليار جنيه سنوياً لدعم فروق أسعار التكلفة، غير أن مراجعة البيانات التاريخية للموازنة العامة المصرية تظهر تباينات واسعة؛ إذ لم تصل مخصصات الدعم المباشر الفعلي للكهرباء إلى هذا الرقم خلال العقد الأخير، مسجلة أقصى ارتفاع لها بنحو 28.6 مليار جنيه في العام المالي 2017/2018، ووصلت إلى صفر في أعوام مالية متعددة (مثل 2019/2020 و2020/2021 و2021/2022)، مما يبرز اتساع الفجوة بين الأرقام الترويجية والواقع المالي الفعلي للموازنة.

ردود فعل

أثار القرار ردود فعل بدت "غاضبة" وانتفاضات انتقادية حادة داخل مجلس النواب؛ حيث وجه النائب ضياء الدين داوود اتهامات حادة للحكومة بالتنصل من تعهداتها السابقة بعدم فرض أعباء جديدة حتى نهاية العام والاستغلال الاقتصادي للأزمات الحالية، بينما تقدمت النائبة إيرين سعيد بأسئلة برلمانية مكثفة حول حجم الفاقد الفني في الشبكات وتداعيات الزيادة المباشرة على مؤشرات التضخم ومعيشة الأسر المصرية.

من الناحية الاقتصادية الكلية، يشير الباحثون والمتخصصون إلى إشكاليات هيكلية بالغة الخطورة عند مقارنة سياسات التحميل الكامل لتكلفة الخدمات في مجتمع يعيش قطاع واسع منه تحت خط الفقر، مع النماذج العالمية المتبعة في الدول المتقدمة.

 

على سبيل المثال، تتجاوز فواتير وبرامج الرعاية الاجتماعية والحماية في الولايات المتحدة الأمريكية 450 مليار دولار سنوياً (ما يشكل نحو ربع الموازنة العامة)، بينما تبلغ فاتورة الرعاية الاجتماعية في بريطانيا نحو 333 مليار جنيه استرليني، ويصل إجمالي الإنفاق الاجتماعي في الاتحاد الأوروبي إلى 4,925 مليار يورو (ما يعادل 27% من الناتج المحلي الإجمالي).

 

إن غياب شبكات تأمين صحي واجتماعي حقيقية وموازية في مصر، تزامناً مع الارتفاع المتسارع في فواتير الطاقة والسلع الأساسية والغذاء، يهدد بتآكل الطبقة المتوسطة وتعميق الفجوات الاجتماعية، الأمر الذي ينعكس -بحسب الدراسات النقدية- على تصاعد معدلات الجريمة وتراجع الإنتاجية العامة ومؤشرات الاستقرار المجتمعي.

الوصاية على التحرير

أحد أكثر الادعاءات تكراراً في وسائل الإعلام هو تحمل الدولة "100 مليار جنيه سنوياً كدعم للكهرباء". وتكشف مراجعة البيانات المالية أن هذا الرقم يفتقر للدقة؛ فبينما خُصصت أرقام متفاوتة في الموازنات الأخيرة، إلا أن التاريخ المالي يظهر تقلبات حادة في بند الدعم المباشر وصل إلى حد الصفر في سنوات سابقة. هذا التلاعب بالأرقام يهدف إلى خلق "وهم الدعم" لتقليل حدة الغضب الشعبي، في وقت تشير فيه التقارير المالية الرسمية إلى أن التحديات التمويلية مرتبطة بضغوط المديونية وليس بـ "كرم" التمويل.

 

لم تخلُ الساحة من أصوات معارضة، حيث تصاعدت حدة الانتقادات البرلمانية. عبّر النائب ضياء الدين داوود عن غضبه، واصفاً الحكومة بأنها في "أيامها الأخيرة" ومتّهماً إياها بالتنصل من وعودها بعدم رفع الأسعار، بينما تقدم نواب آخرون بطلبات إحاطة وأسئلة برلمانية حول الأسس التي استندت إليها الزيادة، متسائلين عن مدى كفاءة السياسات الحكومية التي لا تجد حلاً للأزمات إلا في جيب المواطن. في المقابل، انتقد إعلاميون مثل محمد الدسوقي رشدي القرار بحدة، معتبراً أن الحكومة "كهربت جيب المواطن" في وقت لا يتحمل فيه الشارع ضغوطاً إضافية.

 

وبرزت حالة من الجدل حول تصريحات ضياء رشوان، وزير الدولة للإعلام، الذي حاول تبرير الوضع الاقتصادي عبر مقارنات مثيرة للجدل بين الحد الأدنى للأجور وقدرته الشرائية في "الرغيف" بين مصر وفرنسا، وعلى الرغم من توضيحه لاحقاً أن الغرض كان "توضيح الدعم الاجتماعي"، إلا أن هذه المداخلات عكست حالة من الانفصال بين الخطاب الحكومي والمعاناة المعيشية الحقيقية؛ حيث استُقبلت هذه المقارنات بسخرية واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، واعتبرها كثيرون "هروباً" من مناقشة الحقائق الاقتصادية المرة.

الرأي العام والواقع المعيشي

وتؤكد المعطيات المرصودة أن التعامل الحكومي مع أزمات قطاع الطاقة لا يقتصر فقط على إعادة هندسة الأسعار، بل يتعداه إلى هندسة الرأي العام عبر أدوات الضبط الإعلامي والتحكم المركزي في صالات التحرير، إن إخضاع المنصات الصحفية والقنوات الفضائية لخطاب توجيهي صارم يحجب التعددية ويقوض أدوار الرقابة المجتمعية والمهنية، ومع استمرار تآكل القدرة الشرائية للمواطنين وتصاعد الضغوط التضخمية، يظل الرهان على فرض الأعباء المالية المباشرة دون مظلة أمان اجتماعي حقيقية ومستدامة مهدداً للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي على المدى الطويل.

التغطية الإعلامية التي رصدتها "#متصدقش" @matsda2sh تعيد طرح السؤال الجوهري حول دور الإعلام في أوقات الأزمات: هل هو أداة لترشيد القرار العام والحوار مع المجتمع، أم أداة لتغليب الصوت الواحد وحجب الحقائق تحت ستار "الضرورة القومية"؟ إن غياب الأصوات المستقلة في برامج التوك شو الرئيسية عن تناول الحدث، أو التزامها الصارم بالمحاور الأربعة، يشير إلى أن الهدف ليس إقناع المواطن، بل فرض "الواقع الجديد" كأمر واقع لا يقبل الجدل أو المحاسبة.

 

 

https://x.com/matsda2sh/status/2084554102910935323

 

أبعاد اجتماعية لرفع الأسعار

وركّز الباحثون والمتخصصون، ومن بينهم د. محمد الشريف، على مغالطة تحميل المواطنين التكلفة الكاملة للخدمات الأساسية في بلد يعيش قطاع واسع من سكانه تحت خط الفقر وبغياب شبكات تأمين صحي حقيقية، وأوضح أن الاعتقاد بأن الدول المتقدمة تفرض قسوة مماثلة على مواطنيها هو أمر واهم؛ فجميع تلك الدول تقدم دعماً مباشراً لشركات الطاقة والخدمات العامة إلى جانب برامج رعاية ضخمة (مثل 450 مليار دولار سنوياً في أمريكا، و333 مليار جنيه استرليني في بريطانيا، والاتحاد الأوروبي الذي يخصص 27% من ناتجه المحلي للحماية الاجتماعية). وحذر التحليل من أن استمرار إرهاق المواطنين بزيادات متلاحقة في الغذاء والدواء والخدمات سيؤدي إلى تفاقم معدلات الفقر، وتآكل منظومة القيم، وانهيار الاستقرار المجتمعي العام.

 

    https://x.com/MhdElsherif/status/2084536848274055536