تجمع منظمات حقوقية، من بينها مؤسسة "جوار" ومنظمة "هيومن رايتس إيجيبت"، على أن محاولات إنهاء الحياة داخل سجن الوادي الجديد (ومنها محاولة أخيرة تبنت المنظمات أعداد وصلت ل13حالة خلال 48 ساعة مضت اعتبارا من الجمعة والسبت الماضيين 5 و6 يونيو2026) ليست نتاج خلل نفسي فردي، بل هي انعكاس مباشر لبيئة تعذيب وتنكيل تُقاد بعناية لدفع السجين إلى حافة الانهيار التام.
تعتمد إدارة السجن نمطاً راسخاً يقوم على الإنهاك النفسي والجسدي، وحجب الهواء النقي والرعاية الطبية، مما يجعل المعتقل يرى في الموت الفوري مهرباً من عذاب ممتد، فالزنزانة التي لا تتجاوز مساحتها 6م × 4م، ويتكدس داخلها ما بين 20 إلى 25 معتقلاً، مع وجود دورة مياه غير مسورة وشبابيك ضيقة للغاية (40 سم × 60 سم) تمنع دخول أشعة الشمس، تصبح بيئة نموذجية للاختناق العضوي والمعنوي، وتجعل فرضية التعذيب حتى الانتحار أو الموت الطبيعي الزائف أمراً واقعياً لا يمكن دحضه.
التسلسل التاريخي للمعانة: جحيم متوارث عبر العنابر
لم تكن أزمة عنبر "3" الحالية وليدة اللحظة، بل هي امتداد لسلسلة من الانتهاكات وثقها الحقوقيون عبر تسلسل زمني دامٍ ومستمر:
يوليو 2024 (عنبر 2 – المصلحة): وثقت الشبكة المصرية لحقوق الإنسان وفاة المعتقل محمد زكي نتيجة التعذيب الممنهج وسوء المعاملة البالغة داخل العنبر.
أغسطس 2024 (عنبر 4 – دواعي أمنية): شهد هذا العنبر، المعروف بعنبر "الجهاديين"، واقعة اقتحام مروعة وتجريد للمعتقلين، أسفرت عن تعذيب وحشي أفضى إلى موت المعتقل الشاب حسام أبو العباس بعد أيام من إلقائه في غرفة مجاورة بلا علاج.
سبتمبر 2024 (عنبر 4): بعد 15 يوماً فقط من الواقعة السابقة، لقى الرائد السابق بالقوات المسلحة طارق أبو العزم حتفه جراء تعذيب مميت تعرض له في الثاني من سبتمبر، مما فجر اضطرابات شديدة داخل السجن أدت إلى عزله تماماً عن العالم الخارجي.
أكتوبر 2025 (ترانزيت المنيا إلى الوادي الجديد): شهد سجن المنيا شديد الحراسة اشتباكات عنيفة عقب رفض المعتقلين الترحيل القسري إلى الوادي الجديد ("سجن الموت")، وأقدم 12 معتقلاً على قطع شرايينهم وابتلاع الأدوية لمنع نقلهم، وتم نقلهم بالقوة ليدخلوا فور وصولهم في إضراب مفتوح.
ديسمبر 2025 (عنبر 8): أجبرت إدارة السجن بالقوة والتعنيف المباشر نحو 100 معتقل على فك إضرابهم عن الطعام، مما دفع 7 معتقلين منهم إلى محاولة الانتحار في اللحظات الأخيرة جراء الضغط النفسي.
مارس 2026 (إضراب طبي): دخل السجين محمد إمام سمير في إضراب عن الطعام احتجاجاً على رفض ترحيله للمستشفى لعلاج إصابة بالغة في الظهر.
يونيو 2026 (عنبر 3): الذروة الحالية بالإضراب الشامل وتوثيق 13 محاولة انتحار جماعية (محاولتان يوم الخميس، و11 محاولة يوم السبت) رفضاً للأفران البشرية.
أفران الزنازين وبوابات المنفى البعيد
لم يعد سجن الوادي الجديد، الرابض في أحضان الصحراء الغربية النائية بمدينة الخارجة، مجرد مكان لتقييد الحرية، بل تحول في العقيدة الحقوقية والواقع المعاش إلى ما يشبه "مقبرة الأحياء".
وهناك، حيث تتجاوز المسافات الفاصلة بين المعتقل وعائلته الـ 1500 كيلومتر من مشقة السفر والأعباء الاقتصادية، تصبح الجدران أشد قسوة من العزلة نفسها.
وفي أحدث فصول الجحيم اليومي، تحول عنبر "3" داخل هذا السجن إلى ما يشبه الفرن المغلق؛ حيث تلتحم درجات الحرارة القياسية داخل زنازين ضيقة تفتقر إلى الحد الأدنى من التهوية مع سياسة تعنت ممنهجة من قِبل الإدارة، هذا الوضع غير الآدمي، المصحوب بتقليص فترات التريض وتجاهل الحالات المرضية، دفع عشرات المعتقلين إلى إعلان إضراب شامل عن الطعام كخيار أخير للمقاومة؛ إلا أن النتيجة الأكثر فظاعة وتنبيهًا لضمائر الأحرار كانت تسجيل 13 محاولة انتحار حقيقية خلال 48 ساعة فقط، في صرخة غضب ورفض صريحة لسياسة الموت البطيء المفروضة خلف الأسوار، بحسب المنظمات الحقوقية.
أسماء الضحايا والمضربين
خلف الأرقام الجافة، تقف أسماء لمعتقلين دفعوا حريتهم وسلامتهم الجسدية ثمناً للتنكيل؛ ومن بين أبرز الضحايا الذين حاولوا إنهاء حياتهم أو قادوا معارك الأمعاء الخاوية لرفض المصير المجهول:
ضحايا قضوا تحت التعذيب: الشاب حسام أبو العباس مصطفى مرسي (26 عاماً، دبلوم زراعة، تعرض للصعق والسحل لرفضه الإهانة)، الرائد السابق طارق أبو العزم، والمعتقل محمد زكي.
ضحايا محاولات الانتحار الأخيرة بعنبر 3: محمد هاشم، محمد المغربي، محمد جمال، تامر علي، عمرو عوض، أحمد العوضي، محمد الباشا، أحمد السيد، وحمادة أبو وعد.
المضربون وأصحاب حالات التغريب القسري: وليد أحمد رجب الزندحي (49 عاماً، يعاني من نزيف شرجي مزمن ومحروم من العلاج والزيارة العائلية)، محمد إمام سمير (36 عاماً، محكوم بالمؤبد ومضرب لرفض علاجه من إصابة ظهر)، أشرف عمر السيد، كريم عطية، حسن فاروق حسن، محمد شعبان محمود، عبد الرحمن محمد محب، محمد رمضان محمد، عبد الرحمن محمد حسن، صهيب عماد، وخالد مرسي.
قائمة الجلادين: المسؤولون عن إدارة سلخانة الوادي الجديد
توثق الشهادات المسربة من خلف القضبان، لا سيما إفادات شهود العيان في واقعة تصفية المعتقل حسام أبو العباس، أسماءً محددة لضباط وأمناء شرطة من قطاع الأمن الوطني والمباحث، والذين يشرفون على عمليات اقتحام الزنازين، تقييد الأيدي من الخلف، تغطية الأعين، واستخدام الصواعق الكهربائية والعصي والأسلاك، بالإضافة إلى الاستعانة ببعض السجناء الجنائيين كأدوات بطش ضد المعتقلين السياسيين:
أحمد ياسر: ضابط بقطاع الأمن الوطني داخل سجن الوادي الجديد.
شهاب: ضابط بقطاع الأمن الوطني في السجن والمشارك في قرارات التغريب والتنكيل.
عادل جاد الله: أمين شرطة بقطاع الأمن الوطني، يوصف بأنه أحد الأدوات التنفيذية المباشرة للتعذيب.
أحمد عصام: ضابط بمباحث سجن الوادي الجديد.
حسام دسوقي: ضابط بمباحث السجن ومتهم بمشاركة القوة الخاصة في عمليات السحل داخل الممرات لمسافات تصل إلى 25 متراً.
من لم يمت بالسوط مات بالحر
وتضع هذه الوقائع المتواترة السلطات الأمنية المصرية ومصلحة السجون في موضع المسؤولية الكاملة عن خطة القتل العمد الناعمة؛ فالمعادلة داخل سجن الوادي الجديد أصبحت واضحة كالشمس الصامتة: "من لم يمت بالسوط، مات بالحر والأفران المغلقة".
واعتبرت أن إجبار زملائهم المعتقلين على تغيير أقوالهم أمام النيابة والتهديد بالتنكيل المستمر لن يطمس حقيقة الأوضاع داخل قسم "ربع الموت" أو "ربع الجحيم".
وتطالب المنظمات الحقوقية بفتح تحقيق دولي ومستقل، وتوفير تهوية ملائمة تقي الأجساد الواهنة موجات الحر، والسماح للمؤسسات الطبية المستقلة بزيارة السجن لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من أرواح ترفض الموت ذلاً، وتطالب بالحد الأدنى من الكرامة الإنسانية التي كفلتها قواعد نيلسون مانديلا والدستور المصري نفسه.