مُخالفات البناء والتهديد ببلدوزر الإزالات أو الجباية.. حكومة السيسي تقطع “شعرة معاوية” مع المصريين؟

- ‎فيتقارير

 

في قلب الأزمة الاجتماعية الطاحنة التي تعصف بملايين الأسر المصرية، يقف "قانون التصالح في مخالفات البناء" كجدار عازل بين الدولة ومواطنيها، هذا القانون الذي يراه كثيرون اليوم ليس مجرد تشريع تنظيمي، بل هو "قانون مشبوه" لا يمت لمفهوم التصالح بصلة من قريب أو بعيد. ففي العرف القانوني والسياسي، يعني التصالح زوال الخصومة وطي صفحة الماضي، بينما يتجلى القانون الحالي في صورة إجبار قسري للمواطن، متبوعاً بما يشبه "البلطجة الحكومية" المقننة، حيث يتم التهديد بقطع شريان الحياة عن المنازل؛ من كهرباء ومياه وغاز، لإجبار السكان على سداد مبالغ تفوق طاقاتهم المادية تحت وطأة الترهيب وأخيرا التهديد ب(الازالة).

من يحاسب المرتشي؟

الأخطر في هذا المشهد هو مصير ملايين الطلبات التي تقدم بها المواطنون بحسن نية للتصالح، ليتفاجؤوا برفضها دون أسباب منطقية أو بدائل قابلة للتطبيق، وهنا يبرز السؤال الأخلاقي والقانوني: كيف تُعاقب الدولة المواطن على بناء سمحت هي به لسنوات طويلة؟ لقد تمدد البناء العشوائي تحت سمع وبصر موظفي الأحياء والوحدات المحلية، الذين راكموا الثروات من الرشاوى ومرروا المخالفات بل ووقعوا على محاضر توصيل المرافق الرسمية. ومع ذلك، نجد أن هؤلاء الموظفين "الفاسدين" لا يُحاسبون، بينما يُترك المواطن البسيط وحيداً في مواجهة "مقصلة" القانون.

وفي صرخة تعبر عن لسان حال الشارع، يرى أدمن صفحة (جرجا GIRGA) أن المحاسبة يجب أن تسبق الإزالة لا أن تأتي بعدها، متسائلاً بمرارة: من المسؤول عن وصول المخالفة لمرحلة الهدم بعد أن اكتمل البناء وصُرفت عليه مدخرات العمر؟ إن إزالة الجدران لا تكفي لغسل خطايا الفساد الإداري، أين كانت الرقابة حين كان الحفر يبدأ؟ إن الدولة القوية هي التي تمنع الخطأ قبل وقوعه، لا تلك التي تنتظر اكتماله لتهدمه فوق رؤوس أصحابه.

https://www.facebook.com/girgafanz/videos/932625799765801

رؤية إصلاحية غائبة وسط غبار التخطيط

من جانبه، يطرح الناشط خالد عيد عوض العزومي موقفاً نقدياً حاداً تجاه حملات الإزالة التي استهدفت مناطق مثل النهضة والعامرية، حيث يرى العزومي أن جذور المشكلة لا تكمن في تمرد المواطن على القانون، بل في فشل الدولة الذريع في تقديم "تخطيط عمراني" حقيقي وغياب المخططات التفصيلية للأحوزة العمرانية منذ عشرات السنين. المواطن وجد نفسه مضطراً للبناء في ظل انسداد القنوات الرسمية.

ويقترح العزومي تعديلاً تشريعياً جوهرياً يغلب الإنسانية على القسوة، عبر نظام "الإعذار الرسمي" بخطاب مسجل بعلم الوصول، ومنح مهلة حقيقية للتصالح طالما توافرت الشروط الفنية، بدلاً من اللجوء الفوري للبلدوزر، إن الدولة تتحمل مسؤولية أخلاقية عن تأخر إصدار المخططات التي انتهت لجانها من العمل منذ سنوات وما زالت حبيسة الأدراج، مما يجعل التعجيل بالإزالات في ظل الأزمة الاقتصادية الراهنة "انتحاراً اجتماعياً" يفاقم الأزمات ولا يحلها.

محاسبة "حيتان" المحليات قبل هدم بيوت الغلابة

وفي ذات السياق، يوجه أبو عمر بكر الغرابلي رسالة نارية إلى المحافظين والمسؤولين، مؤكداً أن أحداً لا يرفض هيبة الدولة أو حماية الرقعة الزراعية، لكن "الهيبة" لا تُسترد بجرافات الهدم بل بإرساء العدالة، يتساءل الغرابلي: كيف تحولت المخالفة من حفرة صغيرة إلى منزل كامل التشطيب ومأهول بالسكان أمام أعين المهندسين والمشرفين؟

 

إن السماح بصب الأسقف ودخول المرافق هو "إقرار ضمني" من الدولة بالواقع، وهدم هذه المنازل بعد سنوات ليس نجاحاً أمنياً، بل هو اعتراف صارخ بفشل الرقابة المحلية، المطالبة الآن هي بفتح ملفات "الفاسدين" في المحليات الذين سهلوا هذا البناء، فمحاسبة الموظف الذي قبض الرشوة يجب أن تسبق معاقبة المواطن.

https://www.facebook.com/photo/?fbid=2153741692127210&set=a.112486629586070

 

حين يتحول العداد إلى "مخبر" مالي

لا تتوقف المعاناة عند جدران المنزل، بل تمتد لتشمل الخدمات الأساسية، يقدم المحامي محمد عزت عبدالقادر تشريحاً دقيقاً لما أسماه "العبء المركب" الذي تفرضه شركات الكهرباء، المواطن يجد نفسه محاصراً بمحاضر سرقة التيار حتى لو كان ملتزماً، ويُجبر على تحمل تكاليف العداد الكودي والمهمات وحتى أعمدة الإنارة على نفقته الخاصة، وفي النهاية يوقع على إقرار بأن العداد ملك للشركة.

 

ينتقد عزات سياسة "إيصالات السرقات" الغيبية التي تُفرض على مناطق لم تصلها الكهرباء بعد، محذراً من تحول العداد الكودي من أداة تنظيمية إلى وسيلة "استنزاف" عبر الشرائح الموحدة والديون التي تلاحق المواطن عند كل شحن، إن التعامل مع المواطن كـ "مخالف" بشكل مسبق يخالف أبسط القواعد الدستورية التي تنص على أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته.

https://www.facebook.com/m.ezat.ahmed/posts/pfbid0V5S7Tv9k2S9RQzabQqMk2zqq1YuNwr3S25BRJcScs6eDByoVfXNUT7mFvYEbgt3el

الطرد نحو المجهول

تصل المأساة إلى ذروتها الدرامية حين تستيقظ الأسر على لافتات "الإزالة" المعلقة على أبوابها، هؤلاء ليسوا خارجين عن القانون بالمعنى الإجرامي، بل هم مواطنون التزموا بما طلبته الدولة، قدموا الأوراق، وسددوا رسوم جدية التصالح، ومع ذلك يجدون أنفسهم مهددين بالتشريد.

السؤال الذي يطرحه الملايين اليوم بمرارة هو أين يذهب أصحاب مئات الآلاف من الطلبات المرفوضة؟ هل تمتلك الدولة خطة لإيوائهم؟ أم أن السياسة الحالية هي "الهدم أولاً والبحث عن حلول لاحقاً"؟

ويشير المراقبون إلى أن القسوة على الفئات الأضعف في المجتمع، بينما يتم التغاضي عن الحيتان الكبار وجذور الفساد الإداري، تخلق حالة من الاحتقان المكتوم الذي لا يمكن التنبؤ بتبعاته.

الجباية.. وانقطاع الخيط الأخير

إن الانتقادات الموجهة للحكومة تجاوزت تفاصيل قانون البناء لتلمس "فلسفة الحكم" ذاتها، يرى الشارع المصري اليوم أن السلطة تحولت إلى "جهاز جباية" عملاق، لا يرى في المواطن إلا وعاءً ضريبياً ومصدراً للأموال لسد عجز الموازنة أو تمويل المشروعات الضخمة التي لا يشعر الفقراء بجدواها.

الشعارات الرنانة عن "الجمهورية الجديدة" لم تعد تطعم جائعاً أو تستر أسرة هُدم بيتها، المشروعات العملاقة باتت في نظر الكثيرين عبئاً على اقتصاد منهك وشعب يرزح تحت خط الفقر، ومع كل زيادة في الأسعار، ومع كل جولة للبلدوزر، يترسخ شعور بأن الحكومة لا ترى في الشعب شريكاً في الوطن، بل مجرد "دافع ضرائب" مكلف بالصمت والامتثال.

في ختام هذا المشهد القاتم، تتجلى الحقيقة المرة: لقد أفقدت الحكومة الحالية الناس آخر خيط كان يربطهم بالدولة، وهو ما يُعرف بـ "شعرة معاوية". فإذا كان معاوية بن أبي سفيان قد أرسى قاعدة السياسة بمرونته (إذا شدوا أرخيت، وإذا أرخوا شددت)، فإن حكومة السيسي قد اختارت "الشد" الدائم في كل الملفات؛ في الأسعار، في الضرائب، وفي هدم المنازل، حتى انقطعت كل الخيوط.

ولم يبقَ في الأفق سوى شعور جارف بالظلم الاجتماعي. والرسالة التي يهمس بها الملايين اليوم، وتتردد أصداؤها في القرى والمدن المكلومة، هي تلك العبارة التي تحمل من المرارة ما يفوق الاحتمال: "لقد قطعت كل صلة، وهدمت كل ثقة، فهنيئاً لك ظلمك لمن اختاروك، وللأيام الكلمة الأخيرة".