من العقارات إلى الديون والاستيراد.. كيف أصبحت مصر رهينة للأزمات؟

- ‎فيتقارير

إدارة دولة بحجم مصر تحتاج الي كفاءات علي قدر عالٍ من المعرفة والخبرة في جميع الانشطة وجهد  متواصل في البناء والتنمية المستدامة في كافة المجالات بدلا من تركيزها علي الاستثمار في مجال العقارات فقط الذي يستحوذ علي اكثر من 20% من الاستثمارات، فيجب ان تعمل الدولة علي تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء من خلال تشجيع المشروعات الزراعية للوصول الي تأمين احتياجات اكثر من مائة مليون مصري، وتوفير البيئة الجيدة للاستثمار ما يؤدي إلى توافر السلع الضرورية في السوق المحلية وبعدها يمكن أن يصبح هناك فائض للتصدير.

 غير أن نظام الانقلاب سار بمصر في الاتجاه الخطأ، فالدولة تعتمد علي الاستيراد من الخارج لتغطية اكثر من نصف احتياجاتها من الغذاء، كما تعتمد علي الخارج في تغطية فجوة استهلاك الغاز الطبيعي  بتحويل محطات الكهرباء الي استهلاك الغاز ، رغم انه  كان من الأفضل انشاء محطات طاقة متجددة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح التي لا تحتاج الي مدخلات اخري بعد التشغيل.

هذا الاتجاه جعل مصر عرضة لاي اضطراب سياسي او اقتصادي في المنطقة، ورغم أنها لم تكن طرفًا مباشرًا في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، إلا أنها من أكثر الاقتصادات العربية تعرضًا لصدماتها غير المباشرة.

انتقلت آثار الحرب إلى القاهرة عبر أربعة مسارات واضحة: فاتورة أعلى للنفط والغاز، اضطراب في الملاحة وقناة السويس، زيادة في كلفة الشحن والتأمين، ثم ضغوط جديدة على أسعار الغذاء والسلع التي يدفع ثمنها المستهلك.

ويعتمد الاقتصاد المصري على واردات الطاقة والقمح ومدخلات الإنتاج، كما تُشكل قناة السويس أحد أهم مصادر الدخل المرتبط بحركة التجارة العالمية لذلك لم تكن الحرب بعيدة تمامًا عن مصر.

جاءت الحرب ومصر تعاني أصلًا من فجوة غاز واضحة: إنتاج محلي يدور حول 4.1 إلى 4.2 مليارات قدم مكعب يوميًا، يقارب 6.2 مليارات قدم مكعب ويرتفع في الصيف مقابل طلب.

ومع تعليق الإمدادات الإسرائيلية بعد اندلاع الحرب، اضطرت القاهرة إلى زيادة مشتريات الغاز الطبيعي المسال من السوق الدولية، قبل أن تعود تدفقات الغاز من حقول إسرائيلية تدريجيًا في أبريل.

 

ارتفاع كلفة واردات الطاقة

وقال رئيس حكومة الانقلاب إن كلفة واردات الطاقة ارتفعت بين 2 و2.5 مرة، وإن فاتورة الغاز الشهرية قفزت من نحو 560 مليون دولار إلى نحو 1.65 مليار دولار للكميات نفسها.

ويُمثل هذا الرقم ضغطًا كبيرًا على ميزانية دولة تسد فجوة متزايدة في الغاز والوقود عبر الواردات، ما يُفسر التوجه الحكومي نحو نقل جزء من التكلفة إلى المستهلك، وفي 10 مارس، رفعت الحكومة أسعار الوقود بنسب تراوحت بين 14 و17%. فزاد السولار ثلاثة جنيهات ليصبح 20.5 جنيه للتر. وارتفع بنزين 80 إلى 20.75 جنيه وبنزين 92 إلى 22.25 جنيه، وبنزين 95 إلى 24 جنيهًا وارتفع سعر الغاز الطبيعي للسيارات من 10 إلى 13 جنيهًا للمتر المكعب، وزادت أسطوانة الغاز المنزلية من 225 إلى 275 جنيهًا.

برّرت الحكومة هذه القرارات بارتفاع أسعار النفط "خام برنت" من مستويات نحو 69 دولارًا قبل الحرب إلى أكثر من 108 بعدها للبرميل، ويعكس رفع الأسعار بهذا الشكل محدودية القدرة على استمرار الدعم عندما تتضاعف فاتورة الاستيراد

وتأثرت الشركات الصناعية بوطأة الأزمة، ففي 3 مايو اعلنت الحكومة رفع أسعار الغاز للمصانع كثيفة الاستخدام إلى 14 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية لمصانع الأسمنت7.75  دولار لصناعات الحديد والصلب والأسمدة و6.50–6.75  دولار للصناعات الأخرى.

وتهدف الزيادات إلى تغطية تكلفة استيراد الغاز المسال، لكنها ترفع أيضًا تكلفة الإنتاج في قطاعات حيوية كالإنشاءات، وتضغط على أسعار مواد البناء.

وقد أدت هذه السياسات الي ارتفاع أسعار الحديد بنحو 8 ٪ ليصل الطن إلى 40 ألف جنيه، في مثال على انتقال صدمة الطاقة إلى الصناعة المحلية.

 

تعطل الملاحة في البحر الاحمر

بنك مورغان ستانلي أن استمرار المواجهة وتعطل وقدرة المرور عبر هرمز قد يضيف بين مليار و2.4 مليار دولار إلى فاتورة واردات الطاقة المصرية خلال بقية السنة المالية.

في البحر الأحمر وباب المندب، أبقت هجمات الحوثيين المخاطر مرتفعة، وفي الخليج ومضيق هرمز، زادت مخاطر المرور وكلفة التأمين والشحن عالميا كما بقي تحويل السفن بعيدًا عن السويس مرتبطًا أساسًا بمخاطر البحر الأحمر وباب المندب، ورفعت هذه التحويلات الطويلة المسافة بين آسيا وأوروبا من نحو 10 آلاف إلى 13 ألف ميل بحري، وزاد زمن الرحلة من 31 إلى 41 يوماً.

وكانت الكلفة الإضافية واضحة، فرحلة سفينة حاويات متوسطة الحجم صعدت من حوالي مليون دولار إلى 1.7 مليون دولار

وقبل اندلاع الحرب، كانت قناة السويس تُظهر إشارات تعافٍ نسبي، فحتى 8 فبراير 2026 أعلنت هيئة القناة عبور 1,315 سفينة بإيرادات بلغت 449 مليون دولار منذ بداية العام، مقارنة بـ368 مليون دولار في الفترة نفسها من 2025.

لكن هذا التعافي المبكر سبق صدمة 28 فبراير، فبعد التصعيد مع إيران، عادت شركات شحن كبرى إلى الحذر.

 اذ اوقفت“ميرسك” رحلات مستقبلية عبر مسار السويس/باب المندب، وواصلت Hapag-Lloyd تحويل خدمة IMX حول رأس الرجاء الصالح، بينما قالت تقارير بحرية إن شركات كبرى أرجأت العودة الواسعة إلى البحر الأحمر وقناة السويس.

وتحدث رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي عن خسارة قدرها نحو 9 إلى 10 مليارات دولار في إيرادات القناة خلال عامين بسبب اضطرابات البحر الأحمر.

وعلى الرغم من أن هذا الرقم يشمل تداعيات الحرب في غزة أيضًا، فإنه يوضح حجم الاعتماد على القناة كمصدر للنقد الأجنبي.

جاءت الضربة الثالثة للاقتصاد المصري من ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين على الواردات من الحاويات.

رسوم شركة الملاحة CMA CGM لـ “طوارئ النزاع” على الحاويات تشمل مصر

في المقابل، كانت رسوم Hapag-Lloyd المعلنة، 1,500 دولار للحاوية القياسية و3,500 دولار للمبردة، موجهة إلى مسارات الخليج. أما MSC فأعلنت رسماً إلزامياً قدره 800 دولار للحاوية للشحنات المتأثرة والمتجهة إلى الخليج.

إلى جانب رسوم الشحن رفعت الحرب السعر المرجعي للمخاطر البحرية في المنطقة، ففي الخليج وهرمز، وصل قسط مخاطر الحرب على بعض السفن إلى 3% من قيمة السفينة، بعدما كان نحو 0.25% قبل الحرب، مع مراجعة أسعار التأمين على الشحنات والرحلات الخطرة حالةً بحالة.

وتوقع اتحاد الغرف التجارية المصرية زيادة أسعار السلع المستوردة بنسبة تقارب 10 ٪ بسبب هذه الزيادات، ومع أن الاستيراد يُشكل نحو ربع الناتج المحلي الإجمالي، فإن أي زيادة طفيفة في التكلفة تنعكس سريعًا في الأسعار المحلية.

يظهر أثر كلفة الاستيراد بوضوح في القمح، إذ تعتمد مصر على الخارج في أكثر من نصف استهلاكها من القمح، ومع ارتفاع الوقود والنقل قال مصدر في هذا القطاع لرويترز إن أسعار القمح في السوق المحلية زادت بنحو 2,000 جنيه للطن إلى حوالي 16 ألف جنيه.

وفي بيانات يناير وفبراير 2026، بلغت واردات القمح الصلب 638 مليون دولار، والذرة 523 مليون دولار، وفول الصويا 351 مليون دولار، كما سجلت واردات السلع الوسيطة 7.06 مليارات دولار، وهي مدخلات تتأثر مباشرة بالشحن والتأمين وسلاسل الإمداد.

في فبراير وحده ارتفعت واردات مصر 24.7% على أساس سنوي، وكانت الزيادات بارزة في الغاز الطبيعي والقمح والحديد والصلب والنحاس. ولم يضغط اضطراب الملاحة على الواردات فقط، بل مسّ الصادرات أيضًا.

ففي الأيام الأولى للحرب إقرارات التصدير المصرية تراجعت 77% على أساس سنوي، بينما هبطت الإقرارات المتجهة إلى السعودية والإمارات 83% و90% على التوالي. وتكمن أهمية ذلك في أن هاتين السوقين الخليجين تمثلان معًا أكثر من ثلث صادرات مصر.

في الأسعار، لم يظهر الأثر كقفزة فورية شاملة، بل كضغط إضافي فوق تضخم قائم أصلًا، التضخم الحضري السنوي إلى 14.9% اذ تباطأ أبريل 2026، مقابل 15.2% في مارس، بينما ارتفعت الأسعار شهريًا 1.1%.

 وتراجعت أسعار الغذاء والمشروبات 0.7% على أساس شهري، لكنها بقيت أعلى 6.7% على أساس سنوي..

وحذر البنك المركزي في تقرير السياسة النقدية من أن توترات إيران والولايات المتحدة وصدمات الطاقة قد تزيد التضخم، متوقعًا أن يتراوح بين 16 و17% في 2026 إذا استمرت الضغوط.

التضخم الأساسي، الذي يستثني السلع ذات الأسعار المتقلبة، وانخفض إلى 13.8 ٪ في أبريل لكنه قد يرتفع عندما يتضح أثر الرسوم الجديدة، ارتفاع أسعار الوقود، زاد مباشرة تكلفة النقل العام والخاص على أسعار الخضراوات والفاكهة والمنتجات المصنعة.

ونقلت بعض المصانع عبء الغاز المكلف إلى المنتج النهائي، فقد ارتفعت أسعار الأسمنت والحديد والمواد الغذائية المستوردة بسبب زيادة تكاليف الشحن.

في المقابل، استفاد المستهلكون مؤقتًا من زيادة المعروض المحلي من الفاكهة بعد توقف التصدير إلى الخليج، لكن هذا العرض لا يكفي لتعويض الزيادات بالسلع الأخرى.

وتظهر الأرقام الرسمية أيضًا أن أسعار المواد الغذائية والمشروبات ارتفعت في أبريل 6.7 ٪ على أساس سنوي، ومع أن بعض هذه الزيادة قد تعود إلى عوامل داخلية كسياسات الدعم وسعر الصرف، فإن الجزء الأكبر يرتبط بارتفاع أسعار الطاقة والشحن.

ويظل السؤال المطروح على صانعي السياسات هو كيفية حماية الشرائح منخفضة الدخل من موجة التضخم الجديدة في ظل موارد محدودة.