جاء تعيين الدكتورة رانيا المشاط أمينة تنفيذية للجنة “الإسكوا” التابعة للأمم المتحدة، متوقعا قبل فترة، وكانت النشاط قد شاركت في عدة فعاليات خاصة بالأمم المتحدة ومكاتبها لاختلاط عملها بهم، المؤسسة "دولية" تعيش أسوأ حالاتها المادية والسياسية والأمنية (وهو تصريح منصور في 4 يوليو 2025 للسفير ماجد عبدالفتاح).
وبتتبع مسيرتها لا يجد القارئ تعجبا من هذا الوصول الذي يفيد حكم العسكر (على مستوى دندنة وسائل الإعلام) ، حيث بدأت موظفة في (صندوق النقد الدولي) ثم موظفة في (البنك المركزي المصري)، قبل أن يضعها السيسي في حقائب وزارية (السياحة) ثم (التعاون الدولي) لمدة ثماني سنوات ثم (التخطيط).
وتنشر منصات محلية إشادات مجاملة من موظفي الأمم المتحدة أو مندوبي القروض الذين يلتقونها ويقدمونها خبرة في “الدبلوماسية الاقتصادية”!
ومحليا ارتبط اسمها في النقاش العام بملف القروض والتمويلات الدولية، حيث شهدت مصر خلال فترة توليها الوزارة توسعًا كبيرًا في الاقتراض الخارجي. وبينما كانت المشاط تؤكد أن هذه التمويلات “تنموية” وتقع ضمن “الحدود الآمنة”، كان محللون اقتصاديون يشيرون إلى أن حجم الدين العام يثير مخاوف شعبية متزايدة، خاصة مع تصريحاتها المتكررة بأن “ضمانة السداد هي العمل والإنتاج والصادرات”. كما أثار إعلانها أن مصر جذبت 47 مليار دولار استثمارات أجنبية مباشرة عام 2024 جدلًا واسعًا حول دقة الأرقام وطبيعة هذه التدفقات.
و(الاسكوا): هي اللجنه الاقتصاديه والاجتماعيه لغرب آسيا المسئولة عن الاحصاء والتقارير الاقتصادية في منطقة شمال افريقيا وغرب آسيا و يعمل المكتب في 21 دوله ومقره بيروت.
وتشرف "المشاط" على ملف التمويل التنموي والقروض الدولية التي تشكل هي فيه أداة ضمن عنوان للخراب المستعجل الذي منيت به مصر في ظل حكم العسكر.
ولطالما دعمت رانيا المشاط تمرير القروض والديون بتصريحات من عينة: "ديون مصر تقع في الحدود الآمنة"، وأن "ضمانة سداد هذه الديون للأجيال القادمة هي العمل والإنتاج والصادرات"
تعيينات أممية لمصريين
شهدت الأمم المتحدة خلال عام 2025 حدثًا غير مسبوق بتعيين أربعة مسئولين مصريين في مناصب رفيعة بمستوى وكيل سكرتير عام، وهو ما اعتبرته الحكومة المصرية “أزهى عصور التمثيل المصري في المنظمة الدولية” منذ حقبة بطرس غالي أمين عام الأمم المتحدة.
وشملت التعيينات خالد العناني وياسمين فؤاد ورانيا المشاط وماجد عبد الفتاح، ما أثار نقاشًا واسعًا داخل مصر، حيث ربط كثيرون بين المناصب الجديدة والسجلات المهنية المحلية لكل منهم، خاصة في الملفات التي أثارت جدلًا خلال سنوات عملهم الحكومي.
خالد العناني
تعيين الدكتور خالد العناني في منصب رفيع باليونسكو، جاء في وقت لا يزال فيه الجدل قائمًا حول مشروعات تطوير الطرق التي أدت إلى إزالة أجزاء من مقابر تاريخية مسجلة ضمن التراث العالمي. وبينما تؤكد الحكومة أن هذه المشروعات “تطوير عمراني”، تشير منظمات التراث إلى أن مناطق مثل صحراء المماليك والإمام الشافعي شهدت أعمال إزالة أثرت على مواقع مدرجة في قوائم اليونسكو. وقد دفع ذلك بعض الأصوات إلى التساؤل عن مدى ملاءمة ترشيح مسئول سابق عن قطاع الآثار في فترة شهدت هذه الإزالات، لمنصب دولي يرتبط بحماية التراث.
وشغل العناني وكيل سكرتير عام الأمم المتحدة – رئيس لجنة اليونسكو للتراث العالمي (سابقًا وزير السياحة والآثار) بين 2016 و2022، وخلال فترة توليه الوزارة، ظهرت نقاشات واسعة في الإعلام ومنظمات المجتمع المدني حول مشروعات تطوير الطرق والمحاور التي أدت إلى إزالة أجزاء من مقابر تاريخية في القاهرة بإزالات تمس التراث الإسلامي، بينما كانت الحكومة تقول إنها "تطوير عمراني".
ياسمين فؤاد
وتبرز حالة وزيرة البيئة السابقة ياسمين فؤاد كأحد أكثر التعيينات إثارة للنقاش، بعد اختيارها أمينة تنفيذية لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر. فخلال سبع سنوات قضتها في الوزارة، وثّقت تقارير بحثية وصحفية تراجعًا كبيرًا في المساحات الخضراء داخل القاهرة، مع فقدان نحو 911 ألف متر مربع من الغطاء النباتي بين 2017 و2020، وانخفاض عدد الحدائق العامة بنسبة 40% على مستوى الجمهورية. كما شهدت فترتها تعديات على محميات طبيعية مثل وادي الجمال، وتعديلات على اللائحة التنفيذية لقانون البيئة خففت من اشتراطات تقييم الأثر البيئي للمشروعات الاستثمارية. ورغم تأكيدها أن إزالة الأشجار تأتي “لأسباب تنموية” وأن هناك “إحلالًا وتجديدًا”، فإن البيانات الرسمية أظهرت تراجعًا عامًا في المساحات الخضراء، بالتزامن مع ارتفاع مستويات تلوث الهواء إلى مستويات جعلت مصر ضمن الدول الأكثر تلوثًا عالميًا وفق تقارير دولية.
واشرفت ياسمين فؤاد -وزيرة البيئة منذ 2018 وحتى تعيينها في 2025 – على قطع الاشجار واعتبرته مهما لمكافحة التلوث وكيف أن الشجر خرب البنية التحتية.
لم يقتصر التدهور البيئي على المدن، بل امتد إلى المحميات الطبيعية. ففي فبراير 2025 بدأت أعمال إنشاءات على شاطئ حنكوراب داخل محمية وادي الجمال، في مخالفة صريحة لقانون حماية المحميات، قبل أن تتوقف بعد اعتراضات واسعة من نشطاء البيئة. كما سبق أن صدر قرار حكومي في أكتوبر 2018 بتقليص مساحة محمية وادي دجلة بنسبة 25%، وهو ما أثار انتقادات من أعضاء في البرلمان ومنظمات بيئية اعتبرت أن المحميات تتعرض لضغوط تهدد تنوعها البيولوجي.
تعديل مثير للجدل
أحد أكثر الملفات إثارة للجدل كان تعديل اللائحة التنفيذية لقانون البيئة في يوليو 2024، حيث خُففت اشتراطات تقييم الأثر البيئي للمشروعات الاستثمارية، واعتبرت الوزيرة أن الهدف هو “تشجيع الاستثمار”. وتخفيف لغة التشريعات ما يؤدي إلى آثار بيئية خطيرة لا تظهر إلا بعد سنوات. وأقامت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية دعوى قضائية عام 2020 لوقف قطع الأشجار إلا بعد إجراء تقييم للأثر البيئي، لكن الدعوى رُفضت لأسباب إجرائية دون مناقشة الموضوع.
تزامن تراجع المساحات الخضراء مع ارتفاع مستويات تلوث الهواء، إذ تراجعت مصر من المرتبة 56 عالميًا في جودة الهواء عام 2019 إلى المرتبة 12 في 2024، وفقًا لتقارير شركة IQAir. .
كانت الوزيرة تبرر عمليات قطع الأشجار بأنها “ضرورية لأسباب تنموية” وأنه يتم “الإحلال والتجديد” وزيادة المساحات الخضراء بما يتناسب مع الموارد المائية. لكن هذه التصريحات تتناقض مع ما رصده السكان في أحياء القاهرة الكبرى، ومع البيانات الرسمية التي تؤكد تراجع الحدائق والمساحات الخضراء. كما أشار مساعد الوزيرة محمد معتمد إلى أن إزالة الأشجار تأتي أحيانًا بسبب تعارضها مع مسارات الطرق الجديدة، وهو ما أثار انتقادات واسعة حول غياب التخطيط البيئي المتكامل.
السفير ماجد عبدالفتاح
أما السفير ماجد عبد الفتاح، الذي يشغل منصبًا أمميًا في مجال الأمن ومكافحة الإرهاب، فيُعد الأقل إثارة للجدل محليًا مقارنة بزملائه، إذ يرتبط اسمه أساسًا بالعمل الدبلوماسي متعدد الأطراف. ورغم الانتقادات العامة التي طالت أداء الدبلوماسية المصرية في فترات معينة، فإنها لم ترتبط مباشرة بشخصه، بل بالسياق السياسي العام.
ورغم الاحتفاء الرسمي بهذه التعيينات باعتبارها “دليلًا على الكفاءة والثقل السياسي”، فإن جزءًا من النقاش العام داخل مصر ركّز على التناقض بين المناصب الدولية الرفيعة التي حصل عليها هؤلاء المسئولون، وبين الملفات المحلية التي أثارت جدلًا خلال فترة توليهم مناصبهم الوزارية. ويطرح هذا التناقض سؤالًا حول كيفية تقييم الأمم المتحدة للخبرات الحكومية، وما إذا كانت المنظمة الدولية تفصل بين الأداء المحلي والسجل المهني الدولي، أم أن هذه التعيينات تعكس اعتبارات سياسية ودبلوماسية تتجاوز النقاشات الداخلية في الدول.