الملف الوحيد الذي نجح فيه نظام الانقلاب هو تكبيل مصر بالديون، وإدخالها في دوامة من الصعب الخروج منها إلا بزوال النظام.
في العام المالي الأول من المنقلب عبد الفتاح السيسي 2015/2014، كانت قيمة أعباء خدمة الدين الخارجي ,"فوائد وأقساط القروض" 5.6 مليار دولار أمريكي، وبعد 10 سنوات تضاعفت تلك القيمة سبع مرات، لتبلغ 38.7 مليار دولار في عام 2025/2024، وفق ما كشفته بيانات المجلة الاقتصادية الصادرة عن البنك المركزي المصري في الأول من أبريل 2026.
تزامن ذلك مع ارتفاع إجمالي الدين الخارجي خلال نفس الفترة بنسبة 235.4%، من 48.06 مليار دولار إلى 161.2 مليار دولار، قبل أن يرتفع مجددًا إلى 163.9 مليار دولار في نهاية ديسمبر 2025، بحسب بيانات وزارة التخطيط.
وبالنظر إلى تطور أعباء خدمة الدين الخارجي خلال السنوات الماضية، تكمن أهميته في كون العبء السنوي يُعدّ أثرًا فوريًا لتضخم القيمة الإجمالية للدين الخارجي، تنعكس في زيادة أقساطه وفوائده المسددة، والتي تلتهم موارد النقد الأجنبي، وتأتي على حساب بنود أخرى أكثر أولوية للمواطن.
زيادة عبء الدين الخارجي بنسبة 590.8% خلال 10 أعوام
أعباء خدمة الدين الخارجي التي ارتفعت بنسبة 590.8 %، كان تطورها يسير ببطء حتى وقعت مصر برنامجها الأول للاقتراض من صندوق النقد الدولي في عام 2016، والذي أعقبه أول تعويم للجنيه في عهد المنقلب عبد الفتاح السيسي
ومنذ العام 2019/2018 وحتى عام 2021/2020 كانت الأعباء في ارتفاع وانخفاض حتى جاء عام 2022/2021، والذي ارتفعت فيه أعباء خدمة الدين بنسبة 65.7% عن العام السابق؛ إذ سجلت 26.3 مليار دولار، فيما سجلت 15.9 مليار دولار في عام 2021/2020 .
شهد ذلك العام المالي قبل نهايته بأربعة أشهر حدوث الحرب الروسية الأوكرانية، وما تبعها من أزمة اقتصادية، لا تزال تعاني مصر من تبعاتها حتى الآن.
في العام المالي التالي 2023/2022 انخفضت أعباء الدين الخارجي قليلاً عما كانت عليه في العام السابق، وسجلت في ذلك العام 25.4 مليار دولار.
لكن في العام التالي 2024/2023، والذي شهد خلاله زيادة برنامج القرض المقدم إلى مصر بنحو خمس مليارات دولار، قفزت "الأعباء" مرة أخرى لتزيد بنسبة 29.5%، لتُسجل
32.9 مليار دولار، وفي العام المالي الماضي 2025
/2024،
تشير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية في تقريرها "هل تخرج مصر من بحر الرمال؟ تقرير عن الدين الخارجي"، الصادر في يناير 2026، إلى أن التوسع في الديون خاصةً منذ عام 2016، ارتبط بعضه بتمويل مشروعات غير إنتاجية، ولا تحظى بأي أولوية تنموية.
بلغت نسبة "الأعباء" من الصادرات السلعية والخدمية -تشمل معها إيرادات قناة السويس والسياحة- 12.7% في عام 2015/2014، وارتفعت بنسبة 322.1% في عام 2025/2024، لتبلغ 53.6%، بحسب بيانات البنك المركزي.
يذكر تقرير الدين الدولي الصادر عن البنك الدولي في ديسمبر 2025 أن مصر في عام 2024 كانت من أكثر خمس دول سجلت أعلى مدفوعات فائدة على الدين الخارجي نسبةً إلى عائدات الصادرات بجانب كل من موزمبيق، والسنغال، ومنغوليا، وكولومبيا.
ولتوضيح أثر ذلك فإن فائدة الدين التي سددتها مصر في عام 2015/2014 كانت 666 مليون دولار وارتفعت على مدار السنوات الماضية ووصلت إلى 8.5 مليار دولار في عام 2024/ 2025 بنسبة ارتفاع 1177.6%..
وارتفعت نسبة الدين الخارجي قصير الأجل من صافي الاحتياطات الدولية من 12.8% في عام 2014/ 2015 إلى 63.5% في عام 2024/ 2025، كما ارتفعت نسبة إجمالي الدين الخارجي من الناتج المحلي في نفس الفترة من 14.4% إلى 44.2% بنسبة ارتفاع 206.9 %.
بيع أصول وأراضي ومبادلة ديون
إلى عدد من الأمور منها مبادلة الديون باستثمارات ومن أبرز تلك الصفقات، رأس الحكمة مع الإمارات العربية المتحدة.
اعتبر البنك الدولي في تقريره السابق تلك الصفقة "أكبر عملية مقايضة بلا منازع في عام 2024" والتي بموجبها قامت الإمارات العربية المتحدة بتحويل 11 مليار دولار أمريكي من الودائع لأجل القائمة التي قدمتها لمصر إلى استثمارات في الأسهم، وذلك كجزء من حزمة استثمارية بقيمة 35 مليار دولار.
كما لجأت الحكومة المصرية إلى أخذ تمويلات لسداد الديون منها على سبيل المثال ما وقعه الاتحاد الأوروبي مع الحكومة المصرية، في مارس 2024 واعتمده الاتحاد الأوروبي بقراره EU) 2024/1144 )في أبريل 2024 تمويل بقيمة مليار يورو، وحصلت مصر بالفعل على القرض في يناير 2026.
والتي نصت فيه المادة 7 على "نظرًا للاحتياجات الكبيرة التي تواجهها الدولة فيما يتعلق بتمويل الموازنة وتمويل الدين الخارجي، فإن متحصلات القرض ستستخدم لتمويل موازنة الدولة ولإعادة تمويل الدين الخارجي القائم.
ترى "المبادرة المصرية" في ورقتها البحثية المنشورة في يناير 2026، أن للخروج مما وصفته بـ"أسر الديون" يتطلب خطة واضحة من الحكومة منها "تشجيع القطاعات الإنتاجية والخدمية الموَلدة للدخل والقيمة المضافة، والعمل على إعادة هيكلة السياسات الضريبية لتصبح أكثر عدالة وكفاءة لتوفر موردًا مستدامًا.
وتشير في والورقة البحثية إلى أن اعتراف الحكومة بأن الدين الخارجي صار مشكلة وتحديد سقف له والعمل على تقليصه هي أمور مطلوبة، لكنها تحذر من الدخول في قروض مشروطة، أنتجت سياسات تقشفية، وأدت إلى انخفاض قيمة العملة المحلية.
يتضح من البيانات الرسمية، أن ارتفاع قيمة الدين الخارجي جاء على حساب بنود أخرى، خلال الفترة منذ عام 2015/2014 حتى 2025/2024، ارتفع نصيب المواطن من الدين الخارجي، من 513.5 دولار إلى 1329.5 دولار بنسبة ارتفاع 158.9 %
خفض مخصصات التعليم والصحة
وخلال نفس الفترة انخفض نصيب المواطن من مخصصات التعليم والصحة، إذا قُوّم بالدولار. رصدت الحكومة لـ"التعليم" 92.3 مليار جنيه في عام 2015/2014، وهو ما يوازي 11.97 مليار دولار بمتوسط سعر الصرف في يونيو 2015، البالغ 7.7 مليارجنيه،
فيما بلغ عدد المواطنين حينها 89 مليون مواطن، أي أن نصيب الفرد من الإنفاق بلغ 135 دولارًا، قبل أن ينخفض بنسبة 52
في العام المالي 2025/2024، بلغ الإنفاق الحكومي على قطاع التعليم 319.3 مليار جنيه، وهو ما يوازي 7.09 مليار دولار بمتوسط سعر صرف 45 جنيهًا الذي قدّرته الحكومة في موازنة العام المالي الماضي، يعني ذلك أن نصيب المواطن بلغ 2024.
يصف ذلك مركز حلول للسياسات البديلة التابع للجامعة الأمريكية بالقاهرة في تقرير سابق له، بأنه "يعكس اختلال الأولويات المالية للحكومة" التي "تميل نحو خدمة الدَّين قصير الأجل على حساب التنمية البشرية طويلة الأمد، التي تُعد شرطًا أساسيًّا لتحسين مستوى المعيشة، والحد من الفقر، وبناء قوة عمل مؤهلة، وتعزيز النمو الشامل والمستدام.