مسار هابط حتى 2029.. ستاندرد آند بورز: الدولار إلى 55 جنيها ووكالات تؤيد النظرة السلبية

- ‎فيتقارير

في ظل واحدة من أكثر الفترات الاقتصادية انتكاسا في تاريخ مصر الحديث (حكم العسكر 2013 وحتى 2026)، تتقاطع تقارير ثلاث من أكبر وكالات التصنيف الائتماني في العالم -ستاندرد آند بورز، وموديز، وفيتش- لتقدم صورة واضحة الاتجاه: الجنيه المصري سيواصل التراجع خلال السنوات المقبلة، رغم التعويم الكامل وتدفقات التمويل الخارجي الضخمة. ورغم اختلاف لغة التحليل بين الوكالات الثلاث، فإنها تتفق على أن الضغوط الهيكلية العميقة في الاقتصاد المصري تجعل استقرار العملة أمراً بعيد المنال في المدى القريب والمتوسط.

وتقدم وكالتا فيتش وموديز التحليل الذي يفسر لماذا سيحدث ذلك: ضغوط خارجية، ودين مرتفع، وفجوة تمويل، وتوترات إقليمية.

 

ورغم محاولات الحكومة المصرية للحفاظ على استقرار السوق عبر تدفقات استثنائية وإصلاحات تدريجية، فإن الوكالات الثلاث تتفق على أن العملة ستظل في مسار هابط حتى نهاية العقد الحالي، ما لم يشهد الاقتصاد المصري تحولاً إنتاجياً حقيقياً.

ستاندرد آند بورز:  الجنيه إلى 66 جنيهاً في 2029

وأشارت "ستاندرد آند بورز" إلى المسار الرقمي الأكثر وضوحاً: 55 → 60 → 63 → 66 جنيهاً خلال أربع سنوات، وتقدّم الوكالة أكثر التوقعات وضوحاً وصراحة بشأن مستقبل الجنيه. ففي تقريرها الأخير، توقعت الوكالة أن يصل سعر الدولار إلى 55 جنيهاً بنهاية العام المالي الحالي، ثم يرتفع إلى 60 جنيهاً بنهاية العام المالي المقبل. ولا يتوقف المسار عند هذا الحد، إذ تتوقع الوكالة أن يواصل الدولار صعوده التدريجي ليصل إلى 63 جنيهاً بحلول يونيو 2028، ثم 66 جنيهاً بحلول يونيو 2029.

هذه التوقعات الممتدة لا تعكس مجرد تقلبات قصيرة المدى، بل تشير إلى رؤية واضحة بأن الضغوط على الجنيه ليست ظرفية، بل هيكلية. فالعجز الكبير في الحساب الجاري، وارتفاع فاتورة الواردات، وتراجع مصادر العملة الصعبة، وارتفاع خدمة الدين الخارجي، كلها عوامل تجعل العملة المصرية في مسار هابط مستمر. وترى الوكالة أن التعويم الكامل لم يصل بعد إلى نقطة التوازن، وأن السوق ما زال يعاني من فجوة بين العرض والطلب على الدولار.

https://english.ahram.org.eg/News/533266.aspx
 

موديز: إصلاحات جادة… لكن الدين يلتهم الدولة

أما وكالة موديز، فقدمت رؤية أكثر توازناً، إذ تُبقي على تصنيف مصر عند Caa1 مع نظرة إيجابية، لكنها في الوقت نفسه تحذر من مخاطر هيكلية عميقة تهدد استقرار العملة. وتشيد الوكالة بالتزام البنك المركزي بسياسة سعر الصرف المرن، وبالانخفاض الحاد في التضخم من 33.3% في FY2024 إلى 13.4% في فبراير 2026، معتبرة أن هذا التحسن يعكس نجاح السياسة النقدية في امتصاص الصدمات.

 

لكن خلف هذه المؤشرات الإيجابية، ترصد موديز مشكلات بنيوية خطيرة، أبرزها أن فوائد الدين تلتهم 63% من إيرادات الدولة، وأن الدين العام يتجاوز 82% من الناتج المحلي، ما يجعل أي صدمة خارجية -مثل نقص الدولار- قادرة على إعادة التضخم للارتفاع ودفع الجنيه إلى مزيد من التراجع.

كما تحذر موديز من أن التوترات الإقليمية، وارتفاع أسعار الوقود، وتراجع إيرادات قناة السويس، كلها عوامل تضغط على ميزان المدفوعات وتزيد من هشاشة العملة. وترى الوكالة أن الإصلاحات الحكومية، رغم أهميتها، لم تصل بعد إلى مستوى قادر على تغيير المسار الهيكلي للاقتصاد.

 

https://www.moodys.com/research/Moodys-changes-outlook-on-Egypts-ratings-to-positive–PR_479298

فيتش: تدفقات مالية ضخمة… لكن المخاطر لم تختفِ

تقرير فيتش لا يقدم أرقاماً مباشرة لسعر الصرف، لكنه يقدم تحليلاً عميقاً يفسر لماذا سيواصل الجنيه التراجع. فبحسب الوكالة، نجحت مصر في تقليل المخاطر قصيرة الأجل عبر تدفقات مالية ضخمة، أبرزها صفقة رأس الحكمة مع الإمارات التي ضخت 35 مليار دولار، منها 24 مليار دولار تدفقات نقدية مباشرة. كما حصلت مصر على دعم إضافي من صندوق النقد الدولي بعد رفع برنامجه إلى 8 مليارات دولار، إضافة إلى حزمة دعم أوروبية بقيمة 7.4 مليارات يورو.

 

لكن رغم هذه التدفقات، تؤكد فيتش أن الاحتياجات التمويلية الخارجية ما زالت ضخمة، وأن العجز في الحساب الجاري سيصل إلى 5.2% من الناتج المحلي في FY24 قبل أن يبدأ في التحسن. كما تشير إلى أن إيرادات قناة السويس تراجعت بشدة بسبب التوترات الإقليمية، وهو ما يقلل من موارد الدولار.

 

وترى فيتش أن الاحتياطي الأجنبي سيرتفع إلى 49.7 مليار دولار، لكن هذا الارتفاع لا يعني استقراراً دائماً، لأن صافي الأصول الأجنبية في البنوك لا يزال سلبياً، ما يعكس استمرار الضغط على العملة. وتضيف الوكالة أن التوترات الجيوسياسية، وارتفاع أسعار الوقود، وتراجع الاستثمار الأجنبي المباشر، كلها عوامل تجعل الجنيه عرضة لمزيد من التراجع.

https://www.fitchratings.com/research/sovereigns/fitch-affirms-egypt-at-b-with-stable-outlook-12-04-2024

ثلاث روايات… واتجاه واحد

 

ورغم اختلاف لغة التقارير، فإن الوكالات الثلاث تتفق على عدة حقائق أساسية. أولها أن العملة المصرية ستظل تحت ضغط كبير، سواء بسبب فجوة التمويل الخارجي أو ضعف القاعدة الإنتاجية أو ارتفاع الدين. وثانيها أن التدفقات المالية الضخمة -سواء من الخليج أو المؤسسات الدولية- تمنح مصر وقتاً إضافياً لكنها لا تعالج جذور الأزمة. وثالثها أن الإصلاحات الحكومية، رغم أهميتها، لم تصل بعد إلى مستوى قادر على تغيير المسار الهيكلي للاقتصاد.

وبينما تقدم ستاندرد آند بورز أرقاماً واضحة لمسار الجنيه، فإن فيتش وموديز تكتفيان بتحليل المؤشرات التي تؤدي إلى النتيجة نفسها: العملة ستواصل التراجع، وإن كان بدرجات متفاوتة.