أمجد عمارة يروي تفاصيل مشاركته في مائدة مستديرة عن الديون والنقد الأجنبي: أسئلة معدة سلفًا للوزراء وساعتان ونصف من الحديث الرسمي مقابل نصف دقيقة للحضور.. والسيسي يقول إن المنتدى عُقد لإرضاء الحكومة وجبر خاطرها
كشف أمجد عمارة، استاذ إدارة الأعمال وعميد كلية التجارة بجامعة المنوفية السابق، في منشور على صفحته الشخصية بموقع «فيسبوك»، عن تفاصيل مشاركته في مائدة مستديرة ضمن فعاليات «منتدى مصر 2026»، التي قال إنه تلقى دعوة لحضورها بتوجيه رئاسي، لمناقشة واحدة من أكثر القضايا إلحاحًا على الاقتصاد المصري، وهي كيفية زيادة موارد النقد الأجنبي وإدارة ديون الدولة.
لكن المشاركة التي استعد لها عمارة رغم محدودية معاشه الشهري وبعد المسافة إلى العاصمة الإدارية الجديدة، انتهت، بحسب روايته، بخيبة أمل بسبب طريقة تنظيم الجلسة وإدارتها، بعدما وجد أن الوزراء والمسئولين استحوذوا على معظم الوقت، بينما لم يُمنح الحضور من الخبراء والمتخصصين سوى فرصة شكلية لطرح الأسئلة، لم تتجاوز دقيقة واحدة في ختام اللقاء.
وتطرح الشهادة تساؤلات بشأن طبيعة الحوار الاقتصادي الذي تنظمه الدولة، ومدى جدية الاستعانة بالخبرات المستقلة في مناقشة الأزمات المالية، في وقت تواجه فيه مصر ضغوطًا متزايدة تتعلق بالديون وتوفير الدولار وتدبير احتياجات الاقتصاد.
كما تفتح الباب أمام سؤال أوسع: هل تستهدف مثل هذه المنتديات الاستماع إلى آراء المتخصصين والبحث عن حلول مختلفة، أم أن مشاركة الخبراء تتحول أحيانًا إلى مجرد واجهة شكلية لإظهار وجود حوار لا تتوافر له مساحة حقيقية؟
ألف جنيه من معاش لا يتجاوز 5 آلاف للمشاركة في الحوار
بدأ عمارة روايته بالإشارة إلى أنه تلقى دعوة لحضور مائدة مستديرة في قاعة القمة بفندق سانت ريجيس في العاصمة الإدارية الجديدة، ضمن فعاليات المنتدى، لمناقشة قضية وصفها بأنها بالغة الأهمية والحساسية، تتعلق بزيادة موارد النقد الأجنبي وإدارة ديون الدولة.
وقال إنه اقتطع ألف جنيه من معاشه الشهري، الذي لا يتجاوز خمسة آلاف جنيه، لتغطية نفقات المشاركة، رغم بُعد المسافة بين محل إقامته ومقر انعقاد المنتدى، فضلًا عن اعتبارات أخرى قال إنه يتحفظ عن ذكرها.
وتكشف هذه التفاصيل عن المفارقة التي أراد صاحب الشهادة إبرازها؛ فبينما يتحدث المنتدى عن أزمة الديون والموارد المالية، يضطر أحد المدعوين للمشاركة في مناقشتها إلى تخصيص جزء كبير من معاشه المحدود لتلبية الدعوة.
وبحسب عمارة، لم تبدأ التجربة بصورة مشجعة، إذ تأخر موعد انعقاد الجلسة أكثر من ساعة ونصف، من دون إعلان واضح عن أسباب التأخير، ما أبقى الحضور خارج القاعة في حالة انتظار وحيرة.
ورغم ذلك، انتظر المشاركون بدء الجلسة، على أمل أن تتيح لهم مناقشة الأزمة الاقتصادية وتقديم آرائهم بشأن سبل التعامل معها.
مقاعد فارهة للوزراء.. وأخرى أقل راحة للضيوف
يقول عمارة إنه لاحظ، لدى دخوله القاعة، وجود تقسيم واضح بين مكانين للجلوس؛ دائرة داخلية تضم الوزراء ورجال الدولة والمسئولين السياسيين، ومقاعد فارهة ومريحة ذات لون مختلف، ودائرة خارجية تضم عدة صفوف من المقاعد التقليدية الصغيرة، التي وصفها بأنها ضيقة وغير مريحة، مع تقارب شديد بين الجالسين.
وبحسب روايته، فإن هذا الترتيب لم يكن مجرد اختلاف في مستوى المقاعد، بل عكس تمييزًا واضحًا بين المسئولين الرسميين والضيوف الذين دُعوا للمشاركة في الحوار.
كما انتقد طريقة توزيع الإضاءة داخل القاعة، معتبرًا أنها حالت دون رؤية الجالسين في بعض أجزائها بعضهم بعضًا بصورة واضحة.
ورغم أن هذه التفاصيل قد تبدو تنظيمية في ظاهرها، فإنها اكتسبت دلالة أكبر لدى عمارة في ضوء ما جرى لاحقًا خلال إدارة الجلسة؛ إذ رأى أن الحضور غير الرسميين لم يُعاملوا باعتبارهم شركاء في مناقشة القضية، بل وُضعوا في موقع المتلقين الذين يكتفون بالاستماع.
وتظل هذه الملاحظات، كما وردت في المنشور، شهادة شخصية عن تجربة أحد المشاركين، لكنها تطرح تساؤلًا حول مدى انعكاس تصميم الجلسة وترتيباتها على طبيعة المشاركة التي وُعد بها المدعوون.
ساعتان ونصف الساعة للحديث الرسمي.. ونصف دقيقة للحضور
كانت النقطة الأكثر إثارة في رواية عمارة هي طريقة إدارة الحوار، فبحسب منشوره، تولت إدارة الجلسة مذيعة بالتلفزيون المصري، ووجهت أسئلة مرتبة إلى الوزراء والمسئولين الموجودين في الدائرة الداخلية، قال إنها بدت معدة سلفًا، بما أتاح للمشاركين الرسميين الاستعداد للإجابة عنها.
واستغرقت مداخلات الوزراء والمسئولين، وفق تقديره، نحو ساعتين ونصف الساعة أو أكثر قليلًا، قبل أن تعلن مديرة الجلسة في نهايتها تخصيص دقيقة واحدة فقط، أي ستين ثانية، للحضور الراغبين في طرح سؤال.
ويقول عمارة إن إحدى الحاضرات تناولت الميكروفون، وقدمت تعليقًا عامًا استغرق نحو نصف الدقيقة، ثم أعادت الميكروفون إلى المذيعة، التي أعلنت انتهاء الجلسة على الفور، من دون إتاحة فرصة فعلية لبقية الحضور للتعليق أو طرح الأسئلة.
واعتبر صاحب الشهادة أن ما حدث أفرغ فكرة المائدة المستديرة من مضمونها، إذ تحولت، بحسب وصفه، إلى جلسة يتحدث فيها المسئولون الرسميون بينما يُحرم الخبراء والمتخصصون من المشاركة الفعلية.
وتكمن المشكلة هنا في الفارق بين عقد لقاء يحمل عنوان الحوار الاقتصادي، وبين إتاحة مساحة حقيقية لتبادل الآراء ومناقشة ما يطرحه المسئولون.
فإذا كانت القضية المطروحة هي كيفية زيادة موارد النقد الأجنبي وإدارة الديون، فإن قيمة اللقاء لا تُقاس بعدد الوزراء الذين تحدثوا فيه، بل بقدرته على استيعاب أسئلة الخبراء، ومناقشة البدائل، واختبار الأفكار المطروحة أمام آراء مختلفة.
هل كان الخبراء مجرد "كومبارس"؟
وصف عمارة الحضور غير الرسميين بأنهم تحولوا إلى ما يشبه "الكومبارس"، معتبرًا أن وجودهم لم يتجاوز استكمال الصورة الشكلية للجلسة وإظهارها باعتبارها حوارًا يضم أطرافًا متعددة.
كما أعرب عن استيائه من عدم منح المشاركين فرصة حقيقية لتقديم أفكارهم، خصوصًا أن بعضهم، وفق روايته، يمتلك خبرات أكاديمية وتخصصية مرتبطة مباشرة بموضوع المناقشة.
وأشار إلى أنه يحمل درجة دكتوراه الفلسفة في المجال الذي تناولته الجلسة، وأنه شعر بعد انتهاء اللقاء بأنه أهان نفسه حين أنفق جزءًا من معاشه المحدود لحضور مناسبة لم تتح له المشاركة التي توقعها.
ولم يقتصر استياؤه على ضيق الوقت، بل امتد إلى مضمون المداخلات الرسمية نفسها، التي رأى أنها لم تتجاوز الطروحات التقليدية المعروفة لدى المتخصصين، ولم تفتح المجال أمام مناقشة أفكار جديدة أو بدائل إبداعية لمواجهة الأزمة.
وبحسب هذه القراءة، فإن المشكلة لم تكن في حضور الوزراء أو تقديمهم رؤيتهم، وإنما في احتكارهم معظم وقت الجلسة، مع إقصاء بقية المشاركين عن الدور الذي يفترض أن تؤديه مائدة مستديرة مخصصة للحوار.
فالحوار الاقتصادي الجاد لا يكتمل بمجرد عرض وجهة نظر الحكومة، بل يحتاج إلى اختبارها أمام الأسئلة والاعتراضات، والاستماع إلى الخبرات التي قد تقدم تصورات مختلفة عن السياسات القائمة.
أزمة الديون والدولار.. قضية أكبر من جلسة شكلية
تكتسب شهادة عمارة أهميتها من طبيعة الموضوع الذي خُصصت له الجلسة، إذ تواجه مصر تحديات تتعلق بتوفير النقد الأجنبي، وخدمة الديون، وتدبير احتياجات الاستيراد، وزيادة الموارد المستدامة للاقتصاد.
وهذه ملفات لا يكفي التعامل معها من خلال تصريحات عامة أو عرض تقليدي للسياسات الحكومية، بل تتطلب مناقشة تفصيلية لمصادر التمويل، وقدرة القطاعات الإنتاجية على توليد العملات الأجنبية، وأثر الاقتراض على الموازنة، والبدائل الممكنة لتقليل أعباء الديون.
كما أن التعامل مع هذه الملفات يحتاج إلى الاستماع لآراء اقتصادية متنوعة، بما فيها الآراء الناقدة للسياسات القائمة، لأن حجم التحديات يفرض البحث عن حلول قابلة للتطبيق، لا الاكتفاء بتكرار الطروحات المعتادة.
ومن هذه الزاوية، فإن حرمان الخبراء من فرصة حقيقية للمشاركة، إذا صحت رواية عمارة، لا يمثل مجرد خلل في تنظيم جلسة، بل يثير تساؤلات عن جدوى الاستعانة بهم من الأساس.
فالدعوة إلى الحوار تفقد معناها عندما يُسمح للمدعوين بالحضور، لكن لا يُتاح لهم الوقت الكافي لطرح الأسئلة أو تقديم المقترحات.
السيسي: المنتدى لجبر خاطر الحكومة
وفي الجزء الأخير من منشوره، ربط عمارة تجربته بتصريحات لاحقة للسيسي بشأن دوافع عقد المنتدى، قال فيها، بحسب ما أورده صاحب الشهادة، إن الدعوة إلى المنتدى جاءت لإرضاء الحكومة وجبر خاطرها، في ظل ما وصفه بضيق الوزراء وغضبهم مما يتعرضون له من انتقادات من المواطنين.
واعتبر عمارة أن هذا التصريح جعله يعيد تفسير ما حدث خلال الجلسة، بعدما كان يتساءل عن أسباب تجاهل الحضور وعدم إتاحة الفرصة أمامهم للمشاركة.
فإذا كان الهدف الأساسي من المنتدى، وفق القراءة التي استخلصها من التصريح، هو دعم الحكومة ورفع معنويات أعضائها، فإن طبيعة الجلسة تبدو مختلفة عن الصورة التي فهمها المدعوون، باعتبارها مساحة لمناقشة قضية اقتصادية ملحة والاستماع إلى خبراء قادرين على تقديم أفكار جديدة.
وتتجلى المفارقة في أن المواطنين والخبراء الذين دُعوا للمشاركة في مناقشة أزمة الديون والنقد الأجنبي قد يجدون أنفسهم، وفق هذه الرواية، أمام لقاء ينصب اهتمامه على الاستماع إلى المسئولين أكثر من اختبار سياساتهم أو مناقشة بدائلها.
لكن التمييز يظل ضروريًا بين ما أورده عمارة عن تجربته الشخصية، وبين الاستنتاج الذي خلص إليه بشأن الهدف من المنتدى؛ فالأول شهادة مباشرة عن تنظيم الجلسة، أما الثاني فهو تفسيره للتصريحات الرئاسية ودلالاتها.
من الحوار الاقتصادي إلى إدارة الصورة
تطرح الواقعة، كما رواها عمارة، سؤالًا يتجاوز حدود المقاعد وطريقة توزيع الوقت، ويتعلق بطبيعة العلاقة بين السلطة والخبراء والمواطنين.
فالدولة التي تدعو المتخصصين لمناقشة أزمة اقتصادية يفترض أن تمنحهم فرصة حقيقية للتعبير عن آرائهم، لا أن تكتفي بوجودهم في القاعة بوصفهم دليلًا شكليًا على اتساع دائرة الحوار.
كما أن احترام المدعوين لا يقتصر على توفير مقعد لهم أو توجيه دعوة رسمية، بل يشمل الالتزام بوقت الجلسة، وتوضيح ترتيباتها، وإتاحة الفرصة للمشاركين وفق قواعد معلنة وعادلة.
أما عندما يُخصص معظم الوقت للمسؤولين، بينما يُترك للخبراء أقل من دقيقة في ختام اللقاء، فإن ذلك يثير شكوكًا حول مدى جدية الحوار وقدرته على إنتاج أفكار قابلة للنقاش.
ولا يعني ذلك أن جميع المنتديات الاقتصادية أو اللقاءات الرسمية تسير بالطريقة نفسها، لكن الشهادة تسلط الضوء على تجربة تستحق التوضيح، خصوصًا إذا كانت الجلسة قد قُدمت للمدعوين باعتبارها مساحة لمناقشة أزمة وطنية ملحة.
الخبرة لا تُقاس بالمقاعد الفارهة
في جوهرها، لا تتعلق شهادة عمارة بمقارنة المقاعد المريحة بأخرى ضيقة، ولا بمجرد الاستياء من تأخر الجلسة، بل بإحساسه بأن خبرته العلمية لم تجد مساحة للاستماع إليها، رغم أن موضوع اللقاء يرتبط بتخصصه.
وهي مفارقة تستحق التوقف عندها: فبينما تحتاج الأزمات الاقتصادية المعقدة إلى مشاركة أوسع من الخبراء والمختصين، قد تتحول بعض اللقاءات، وفق ما تعكسه الشهادة، إلى منصات لعرض المواقف الرسمية من دون نقاش كافٍ.
وتزداد أهمية الحوار الحقيقي عندما يتعلق الأمر بديون الدولة ومصادر النقد الأجنبي، لأن القرارات المتخذة في هذه الملفات لا تبقى محصورة داخل المؤسسات الحكومية، بل تمتد آثارها إلى أسعار السلع، وفرص العمل، ومستويات المعيشة، ومستقبل الأجيال المقبلة.
ومن ثم، فإن الاستفادة من الخبرات المستقلة ليست مجاملة للمدعوين، وإنما ضرورة لصناعة سياسات أكثر كفاءة وقدرة على مواجهة الأزمات.
وفي النهاية، فإن شهادة أمجد عمارة تضع منظمي المنتدى أمام أسئلة تتعلق بجدية المشاركة، وطبيعة الحوار الذي أتيح للمدعوين، ومدى احترام الوقت والخبرة العلمية للمشاركين.
فإذا كان الهدف هو البحث عن حلول لأزمة الديون والنقد الأجنبي، فإن الخبراء لا ينبغي أن يكونوا مجرد حضور في خلفية الصورة؛ بل أطراف حقيقية في النقاش. أما إذا كان المطلوب مجرد إظهار مشهد للحوار، فإن أكثر ما يكشفه هذا المشهد هو المسافة بين الدعوة إلى الاستماع وبين إتاحة الفرصة الفعلية للكلام.