تساؤلات حول توسع الأجهزة الحكومية في إدارة الأصول السياحية
تشهد خريطة الاستثمار السياحي في محافظة البحر الأحمر تحولات واسعة، بعدما انتقلت إدارة مئات القطع من الأراضي السياحية إلى جهاز «مستقبل مصر للتنمية المستدامة»، بالتزامن مع قرارات حكومة المنقلب السفيه ، بسحب أراضٍ من مستثمرين بدعوى التأخر في تنفيذ المشروعات، وإعادة تسعير مساحات أخرى بأسعار تفوق قيمتها السابقة، ما يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن مستقبل الاستثمار الخاص في واحدة من أهم المناطق السياحية المصرية.
وتكشف التطورات المتلاحقة خلال الأشهر الماضية عن انتقال إدارة محفظة تضم 662 قطعة أرض إلى الجهاز، بينها 185 قطعة سبق تخصيصها لمستثمرين قبل استردادها، و477 قطعة فضاء لم يسبق تخصيصها، في خطوة تعكس اتساع دور الجهاز في إدارة الأصول الاقتصادية للدولة، بعدما ارتبط نشاطه الأساسي بالمشروعات الزراعية واستصلاح الأراضي.
ولا تقتصر القضية على انتقال إدارة الأراضي من جهة حكومية إلى أخرى، وإنما تمتد إلى مصير الاستثمارات التي ضخها أصحاب المشروعات السياحية، ومدى مراعاة الظروف الاقتصادية التي تسببت في تعثر بعضها، خصوصًا مع ارتفاع تكاليف الإنشاءات وتراجع قيمة الجنيه أمام الدولار.
وتثير هذه التحولات تساؤلات حول ما إذا كانت الإجراءات تستهدف بالفعل تسريع التنمية السياحية والقضاء على تجميد الأراضي، أم أنها تمهد لإعادة توزيع مساحات استثمارية مهمة تحت إدارة جهاز حكومي يتمتع بنفوذ اقتصادي متزايد.
بداية التحول سحب أكثر من 200 قطعة
بدأت الأزمة عندما شرعت الهيئة العامة للتنمية السياحية، خلال النصف الأول من عام 2026، في اتخاذ إجراءات لسحب أراضٍ سبق تخصيصها لمستثمرين في عدد من المناطق السياحية بمحافظة البحر الأحمر، خصوصًا مرسى علم والقصير.
وتجاوز عدد القطع التي شملتها إجراءات السحب 200 قطعة أرض، تراوحت مساحات عدد منها بين 10 آلاف و100 ألف متر مربع، معظمها في مناطق ساحلية تتمتع بفرص استثمارية وسياحية واعدة.
وبررت الجهات الحكومية هذه الإجراءات بعدم التزام بعض المستثمرين بالجداول الزمنية المحددة لتنفيذ المشروعات، وعدم تحقيق نسب البناء والإنجاز المتفق عليها عند تخصيص الأراضي.
وتقول الحكومة: "إن هذه السياسة تستهدف مواجهة ظاهرة «تسقيع الأراضي»، التي تقوم على الاحتفاظ بمساحات كبيرة دون تطويرها، انتظارًا لارتفاع قيمتها السوقية، بما يعطل الاستفادة الاقتصادية منها ويحرم القطاع السياحي من طاقات فندقية جديدة".
لكن مستثمرين اعترضوا على تعميم هذا التوصيف على جميع المشروعات المتعثرة، مؤكدين أن هناك اختلافًا جوهريًا بين من حصل على أرض ولم يبدأ استغلالها، ومن أنفق ملايين الجنيهات على إنشاء فنادق ومنشآت سياحية قبل أن تتعثر بعض مراحل المشروع بسبب الأزمات الاقتصادية.
ويشير هذا الخلاف إلى واحدة من أبرز نقاط الأزمة، وهي مدى قدرة قرارات السحب على التمييز بين المضاربة العقارية والتعثر الاستثماري الفعلي.
مستثمرون دفعوا الملايين يواجهون خطر فقدان أراضيهم
يرى عدد من المستثمرين السياحيين أن قرارات سحب الأراضي لا يمكن فصلها عن التغيرات الاقتصادية العنيفة التي شهدتها مصر خلال السنوات الماضية، خصوصًا الارتفاع الكبير في أسعار مواد البناء ومستلزمات التشغيل، وتداعيات تحرير سعر الصرف على المشروعات التي تعتمد على مكونات مستوردة.
وقال نائب رئيس جمعية مستثمري السياحة بمرسى علم، عاطف عبد اللطيف: "إن غالبية المستثمرين المتضررين من الإجراءات لديهم منشآت قائمة بالفعل، وإن التعثر في كثير من الحالات يتعلق بالتوسعات والمراحل الجديدة، وليس بالمشروعات الأساسية التي دخلت حيز التشغيل".
وأوضح أن المستثمر الذي سدد قيمة الأرض وأقام منشآت فندقية وضخ استثمارات ضخمة لا ينبغي معاملته بالطريقة نفسها التي يعامل بها مستثمر لم يبدأ التنفيذ من الأساس.
وأشار إلى أن طبيعة الاستثمار السياحي تتطلب فترات زمنية طويلة ورؤوس أموال كبيرة، فضلًا عن تحمل بعض المستثمرين تكاليف إنشاء مرافق وبنية أساسية في المناطق التي تقع بها مشروعاتهم.
وبحسب هذا الطرح، فإن الأزمة لا تتعلق برفض المستثمرين الالتزام بشروط التخصيص، وإنما بمطالبتهم بوضع آليات أكثر مرونة تراعي حجم الأعمال المنفذة والظروف التي أدت إلى التأخير.
ويطرح ذلك تساؤلًا بشأن مدى عدالة تحميل المستثمر وحده تبعات تغير الظروف الاقتصادية، خصوصًا في المشروعات التي بدأت قبل موجات التضخم وتراجع قيمة العملة المحلية.
إعادة التسعير.. فاتورة جديدة للحفاظ على الأرض
لم تتوقف الضغوط عند قرارات السحب، إذ شهد شهر مايو الماضي تطورًا آخر تمثل في إعادة تسعير المساحات غير المطورة داخل بعض المشروعات السياحية.
ووصل سعر إعادة شراء المتر المربع في بعض الحالات إلى 210 دولارات، مقارنة بحد أقصى سابق بلغ نحو 130 دولارًا، بزيادة تقارب 61.5%.
ومثلت هذه الزيادة عبئًا ماليًا إضافيًا على المستثمرين الراغبين في الاحتفاظ بالمساحات التي لم يتمكنوا من تطويرها خلال المدد المحددة.
وتزداد أهمية هذه الزيادة بالنظر إلى المساحات الكبيرة لبعض المشروعات السياحية، إذ يمكن أن تؤدي إعادة تسعير عشرات الآلاف من الأمتار إلى التزامات مالية ضخمة، بخلاف تكاليف استكمال الإنشاءات والتجهيزات.
وأمام هذه التطورات، لجأ مستثمرون إلى تقديم تظلمات ضد قرارات السحب، فيما بلغ عدد الطلبات المقرر فحصها نحو 200 تظلم يتعلق بمشروعات في محافظة البحر الأحمر.
وفي مرسى علم وحدها، تجاوز عدد قطع الأراضي التي تعرضت للسحب 33 قطعة، قبل أن تشهد الأزمة تحولًا جديدًا مع الإعلان عن قبول نحو 95% من التظلمات، وفق مصادر مرتبطة بملف الاستثمار السياحي.
ورغم أن قبول هذه التظلمات أتاح فرصة أمام عدد كبير من المستثمرين لتسوية أوضاعهم، فإن ذلك لم يعنِ بالضرورة عودة المشروعات إلى شروطها السابقة، بل خضوعها لضوابط مالية وتنفيذية جديدة.
662 قطعة تحت إدارة "مستقبل مصر".. من المستفيد؟
في موازاة إجراءات السحب وإعادة التسعير، برز جهاز «مستقبل مصر للتنمية المستدامة» بوصفه طرفًا رئيسيًا في إدارة الأراضي السياحية بمحافظة البحر الأحمر.
وشملت محفظة الأراضي التي انتقلت إدارتها إلى الجهاز 662 قطعة، موزعة بين 477 قطعة أرض فضاء غير مخصصة، و185 قطعة سبق تخصيصها لمستثمرين ثم استردادها.
ويمثل هذا التحول توسعًا جديدًا في نطاق الأنشطة الاقتصادية للجهاز، الذي بات حاضرًا في إدارة أصول ومشروعات تتجاوز قطاع استصلاح الأراضي والإنتاج الزراعي.
ويكتسب انتقال إدارة هذه الأراضي أهمية خاصة بالنظر إلى مواقعها السياحية، وما يمكن أن تمثله من قيمة استثمارية مستقبلية، سواء من خلال إقامة منتجعات وفنادق أو الدخول في شراكات مع مطورين ومستثمرين.
لكن البيانات المتاحة لا توضح على نحو تفصيلي القيمة السوقية الإجمالية للأراضي التي انتقلت إدارتها، ولا آليات تقييم كل قطعة، أو الأسس التي ستحدد اختيار المستثمرين والشركات التي يمكن أن تتولى تطويرها مستقبلًا.
كما لا تكفي المعلومات المعلنة للجزم بأن جميع الأراضي المستردة من المستثمرين خلال العام الجاري دخلت ضمن محفظة الجهاز، أو أن انتقال إدارتها يعني انتقال ملكيتها إليه.
وتظل هذه النقاط محورية في تقييم طبيعة التحول، خصوصًا في ظل حساسية ملف تخصيص الأراضي السياحية، وما يرتبط به من استثمارات طويلة الأجل والتزامات تعاقدية.
بروتوكول أغسطس.. بداية مرحلة جديدة
في أغسطس الماضي، انتقل التعاون بين جهاز «مستقبل مصر» والهيئة العامة للتنمية السياحية إلى مرحلة أكثر تنظيمًا، مع توقيع بروتوكول يستهدف تطوير واستغلال الأراضي السياحية الواقعة ضمن الأصول التي يديرها الجهاز.
وبموجب البروتوكول، تتولى الهيئة تقديم الدعم الفني والاستشاري، وإعداد الدراسات والمخططات العامة والتفصيلية للمشروعات، والمساهمة في استصدار الموافقات والتصاريح اللازمة، إلى جانب إبداء الرأي الفني خلال مراحل التنفيذ.
كما يتضمن الاتفاق تشكيل لجنة مشتركة لمتابعة المشروعات والعمل على إزالة العقبات التي قد تواجه تنفيذها.
وقال المدير التنفيذي لجهاز «مستقبل مصر»، بهاء الغنام: "إن البروتوكول يأتي ضمن استراتيجية الجهاز لتعظيم الاستفادة من الأصول المملوكة للدولة، عبر التعاون مع الجهات الوطنية المتخصصة، بما يتيح تنفيذ مشروعات تستند إلى دراسات فنية وتخطيطية وتحقق عوائد اقتصادية وتنموية".
وتقدم الجهات الرسمية هذا التعاون باعتباره وسيلة لتسريع استغلال الأراضي غير المطورة وتحويلها إلى مشروعات سياحية قادرة على جذب الاستثمارات وزيادة الطاقة الفندقية.
غير أن هذا التوجه يفتح في المقابل باب التساؤلات بشأن طبيعة الدور المستقبلي للجهاز، وما إذا كان سيقتصر على إدارة الأصول وطرحها للاستثمار، أم سيمتد إلى الدخول المباشر في عمليات التطوير والشراكة مع المستثمرين.
كما يطرح سؤالًا آخر يتعلق بمدى اختلاف شروط الاستثمار التي ستطبق على المشروعات الجديدة عن تلك التي واجهها المستثمرون السابقون.
التسويات الجديدة.. فرصة مشروطة لاستعادة المشروعات
مع تصاعد اعتراضات المستثمرين، اتجهت الجهات المعنية إلى وضع قواعد جديدة لتسوية أوضاع المشروعات المتعثرة، تقوم على التمييز بين المستثمرين وفق نسب التنفيذ الفعلية.
وبحسب الضوابط المعلنة، تواجه المشروعات التي تقل نسبة الأعمال الإنشائية فيها عن 20% قرارات السحب، بينما يمكن للمشروعات التي تتراوح نسب تنفيذها بين 20% و80% الحصول على مهلة إضافية لمدة عام، مقابل الالتزام بشروط وأسعار جديدة.
أما المشروعات التي تجاوزت نسبة تنفيذها 80%، فتتمتع بمعاملة أكثر تيسيرًا، دون تحميلها بعض الرسوم الإضافية المرتبطة بإعادة التسعير.
وتتضمن آلية التسوية اشتراط الوصول بنسبة البناء إلى 80% على الأقل من إجمالي المخطط الإنشائي، مع إعادة تسعير المساحات اللازمة لاستكمال هذه النسبة بأسعار تتراوح بين 5800 و6500 جنيه للمتر المربع، وفق الضوابط المطبقة على كل حالة.
وفي المقابل، تُعفى المساحات المتبقية من إعادة التسعير وفق الشروط المحددة.
وتختلف هذه الأسعار عن السعر الذي طُرح في مايو عند 210 دولارات للمتر، إذ يتعلق الرقم الأول بآلية سابقة لإعادة شراء المساحات غير المطورة، بينما ترتبط الأسعار المحددة بالجنيه بضوابط التسوية الجديدة للمشروعات التي حصلت على فرصة لاستكمال التنفيذ.
وبذلك، فإن قبول التظلم لا يعني بالضرورة إلغاء جميع الالتزامات الإضافية، وإنما قد يضع المستثمر أمام شروط مالية وإنشائية جديدة يتعين الوفاء بها للاحتفاظ بمشروعه.
مهلة بخمسة آلاف دولار أم إعادة شراء الأرض؟
أوضح عاطف عبد اللطيف أن بعض المستثمرين يفضلون الحصول على مهلة إضافية لاستكمال التنفيذ مقابل رسوم محددة، بدلًا من تحمل تكلفة إعادة تسعير مساحات كبيرة من الأراضي.
وبحسب تقديره، قد تصل تكلفة الحصول على مهلة لمدة عام إلى نحو خمسة آلاف دولار في بعض الحالات، وهو مبلغ يعتبره أكثر قابلية للتحمل مقارنة بإعادة شراء مساحات واسعة وفق الأسعار الجديدة.
وتعكس هذه المقارنة حجم المأزق الذي يواجه بعض المطورين، إذ يجد المستثمر نفسه مطالبًا بتوفير تمويل إضافي لاستكمال الإنشاءات، وفي الوقت نفسه تدبير مبالغ جديدة للاحتفاظ بالأرض التي سبق تخصيصها له.
ورغم أن القواعد الجديدة تتيح قدرًا من المرونة للمشروعات التي حققت نسب تنفيذ مرتفعة، فإنها تترك مستقبل المشروعات الأقل تقدمًا مرهونًا بقدرة أصحابها على الوفاء بالشروط الجديدة.
ويثير ذلك مخاوف من أن تؤدي الأعباء المالية الإضافية إلى خروج بعض المستثمرين من السوق، خصوصًا أصحاب المشروعات المتوسطة الذين قد لا يمتلكون السيولة اللازمة لمواجهة متطلبات التسوية.
توسع الأجهزة الحكومية.. ومخاوف على الاستثمار الخاص
تتجاوز قضية أراضي البحر الأحمر حدود الخلاف بين المستثمرين والهيئة العامة للتنمية السياحية، لتطرح تساؤلات أوسع حول طبيعة العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص في إدارة الأصول الاقتصادية.
فمن ناحية، تؤكد الحكومة ضرورة استغلال الأراضي المخصصة للاستثمار ومنع الاحتفاظ بها دون تطوير، باعتبار ذلك شرطًا لتحقيق عوائد اقتصادية وزيادة الطاقة السياحية.
ومن ناحية أخرى، يرى المستثمرون المتضررون أن نجاح هذه السياسة يتطلب مراعاة طبيعة المشروعات السياحية والظروف الاقتصادية التي أثرت في قدرتهم على الالتزام بالجداول الزمنية.
وتزداد أهمية هذه التساؤلات مع انتقال إدارة مئات القطع إلى جهاز «مستقبل مصر»، وما يعنيه ذلك من حضور متزايد للأجهزة الحكومية في قطاعات اقتصادية كانت تعتمد بصورة أساسية على استثمارات القطاع الخاص.
ولا يثبت انتقال الإدارة في حد ذاته وجود إقصاء متعمد للمستثمرين، لكنه يثير الحاجة إلى إعلان معايير واضحة للتخصيص والتطوير، وضمان تكافؤ الفرص بين الشركات الراغبة في الاستثمار.
كما تبرز أهمية الإفصاح عن القيمة الاقتصادية للأراضي المستردة، وحجم الاستثمارات التي سبق ضخها فيها، ومصير التعويضات أو الحقوق المالية المرتبطة بالمشروعات التي لم تستكمل.
وتعد هذه المعلومات ضرورية لتقييم ما إذا كانت عملية إعادة تنظيم الأراضي ستؤدي بالفعل إلى زيادة الاستثمارات السياحية، أم ستضيف حالة جديدة من عدم اليقين إلى بيئة الاستثمار.
من يملك القرار في أراضي البحر الأحمر؟
تكشف التطورات الأخيرة عن تعدد الجهات والأدوار المرتبطة بإدارة الأراضي السياحية.
فالهيئة العامة للتنمية السياحية ما زالت تضطلع بدور رئيسي في تحديد الضوابط الفنية والتنظيمية للاستثمار السياحي، بينما أصبح جهاز «مستقبل مصر» مسؤولًا عن إدارة محفظة واسعة من الأراضي التي تشمل مساحات غير مخصصة وأخرى سبق استردادها.
وفي الوقت نفسه، تستمر إجراءات التظلمات والتسويات الخاصة بالمستثمرين السابقين، بما يجعل مستقبل بعض المشروعات مرتبطًا بقرارات إدارية ومالية متداخلة.
ويطرح هذا الوضع تساؤلات بشأن الجهة التي ستكون صاحبة القرار النهائي في طرح الأراضي وإبرام عقود تطويرها، ومدى خضوع تلك العمليات لقواعد المنافسة والشفافية والرقابة.
كما تظل العلاقة بين حقوق المستثمرين السابقين وخطط التطوير الجديدة بحاجة إلى توضيح، خصوصًا في الحالات التي قبلت فيها التظلمات بعد بدء إجراءات السحب.
فالأرض التي كانت مخصصة لمشروع سياحي قد تصبح محل قرار سحب، ثم تدخل ضمن الأصول المستردة، قبل أن تتغير حالتها مجددًا نتيجة قبول التظلم أو الاتفاق على تسوية.
وهو مسار معقد قد ينعكس على ثقة المستثمرين في استقرار التعاقدات، إذا لم تصاحبه إجراءات واضحة تضمن حسم المنازعات وحماية الحقوق القانونية لجميع الأطراف.
البحر الأحمر بين تنشيط السياحة وإعادة تركيز الأصول
تأتي هذه التحولات في وقت تسعى فيه مصر إلى زيادة أعداد السائحين والتوسع في الطاقة الفندقية، باعتبار السياحة أحد المصادر الرئيسية للعملة الأجنبية.
وتتمتع مناطق البحر الأحمر، خصوصًا مرسى علم والقصير، بإمكانات سياحية كبيرة، تجعل الأراضي الساحلية فيها من الأصول ذات القيمة الاقتصادية المرتفعة.
لكن تحويل هذه الإمكانات إلى مشروعات منتجة يتطلب أكثر من مجرد نقل إدارة الأراضي أو إعادة تسعيرها، إذ يرتبط أيضًا بتوفير البنية الأساسية والتمويل والاستقرار التشريعي وضمان حقوق المستثمرين.
وفي ظل استمرار الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف الإنشاءات، يصبح التحدي الحقيقي هو تحقيق التوازن بين حق الدولة في استرداد الأراضي غير المستغلة، وحق المستثمر الجاد في الحصول على فرصة واقعية لاستكمال مشروعه.
كما أن نجاح جهاز «مستقبل مصر» في إدارة هذه المحفظة لن يقاس بعدد القطع التي انتقلت إليه، وإنما بحجم المشروعات التي ستدخل حيز التشغيل، وفرص العمل التي ستوفرها، والعائد الاقتصادي الفعلي الذي ستحققه.
وفي المحصلة، لم تعد أزمة أراضي البحر الأحمر مجرد خلاف حول نسب التنفيذ أو أسعار المتر المربع، بل أصبحت اختبارًا لطريقة إدارة الدولة للأصول السياحية وعلاقتها بالمستثمرين.
فخلال أشهر قليلة، شهدت مئات القطع سلسلة من القرارات شملت السحب وإعادة التسعير وانتقال الإدارة وتوقيع اتفاقات التطوير، بالتوازي مع فتح باب التظلمات والتسويات.
وبينما ترى الجهات الرسمية في هذه الإجراءات وسيلة لتعظيم الاستفادة من أراضي الدولة، تبقى تساؤلات المستثمرين قائمة بشأن الضمانات التي تحمي استثماراتهم من تغير الشروط والقرارات.
ويبقى السؤال الأهم: هل تنتهي إعادة رسم خريطة أراضي البحر الأحمر بفتح المجال أمام استثمارات سياحية جديدة، أم تتحول إلى حلقة أخرى من تركيز إدارة الأصول الاقتصادية في أيدي الأجهزة الحكومية، على حساب استقرار الاستثمار الخاص؟