من «رعاية الإرهاب» إلى «المواطنين الشرفاء».. معركة “كارتيلا” في هولندا تفضح ازدواجية خطاب الانقلاب

- ‎فيتقارير

في تحركات سريعة تضمنت؛ تحركا دبلوماسيا وضخا إعلاميا ووقفة أمام السفارة الهولندية بالقاهرة لمطالبة هولندا بالإفراج عن البلطجي أحمد ناصر، مقابل موجة سخرية وانتقادات حقوقية أعادت طرح ملف حرية التظاهر في مصر، أجرى وزير خارجية السيسي بدر عبد العاطي اتصالًا هاتفيًا بوزير خارجية  هولندا، طالب خلاله بتوفير الحماية اللازمة لمقر السفارة المصرية، والكشف عن ملابسات توقيف كارتيلا أو أحمد ناصر الأحد الماضي، وسرعة الإفراج عنه.

وقدمت حسابات مؤيدة للسلطة هذا التحرك باعتباره دفاعًا عن مواطن مصري في الخارج، وقال مراقبون: "إن الاهتمام الرسمي والإعلامي بالقضية تجاوز التعامل القنصلي المعتاد إلى تعبئة سياسية وإعلامية واسعة".
 

وفي سياق، اللجان الإلكترونية الداعمة أطلقت هاشتاجات داعمة لكارتيلا كتب اللجنة محمد نور، @Elwa3y_nour: "إن خارجية السيسي تتحرك بقوة ضد هولندا الراعية للإرهــاب، وتطالب بسرعة الإفراج عن البطل المصري أحمد ناصر، وتقول صراحةً إن في مبدأ المعاملة بالمثل، يعني ده أول بيان تحذير ثم بعد كده هيبقى في خطوات تصعيدية، كل الدعم للدولة المصرية اللي مش بتسيب ولادها، وكل الخزي والعار على حكومة هولندا راعية الإرهــاب".

وكتب لجنة أصغر "أبو روان أحمد"،  @AborwanAlp11056: "هولندا ترعى الأوباش، نطالب بحماية سفارتنا المصرية ومواطنينا المصريين #الحرية لـ أحمد ناصر".

هذه المنشورات توحي بخطاب يربط قضية أحمد ناصر بموقف سياسي أوسع من هولندا، ويقدم المطالبة بالإفراج عنه باعتبارها دفاعًا عن الدولة المصرية ومواطنيها.

واتجهت تعليقات إعلامية مؤيدة للسلطة إلى تصوير القضية باعتبارها اختبارًا لموقف هولندا من مصر، وربطتها بملف جماعة الإخوان المسلمين!

ونُسب إلى الذراع الأمني في الإعلام نشأت الديهي قوله: "هولندا تدعم الإخوان بازدواجية فاضحة، سمحت بالهجوم على سفارة مصر واعتقلت أحمد ناصر".

أما أحمد موسى فقال: "إن هولندا ترعى الإرهاب، وتوفر الحماية لعناصر من جماعة الإخوان المسلمين".

القضية تخرج من إطار قانوني لتوقيف أحمد ناصر والإجراءات القانونية المتعلقة به مدان أم ضحية إلى مواجهة سياسية أوسع، تتعلق بعلاقة هولندا بجماعة الإخوان المسلمين وموقفها من المعارضة المصرية في الخارج.

لكن المواد المتاحة لا تتضمن ردًا رسميًا هولنديًا يثبت أو ينفي الاتهامات الواردة في هذه التصريحات، كما لا تتضمن تفاصيل قضائية كافية لتحديد أسباب توقيف أحمد ناصر أو التهم الموجهة إليه.

تعبئة رسمية بوقفة أمام السفارة الهولندية

مع تصاعد التغطية الإعلامية، تداولت حسابات معارضة أنباء عن تنظيم وقفة أمام السفارة الهولندية في القاهرة للمطالبة بالإفراج عن أحمد ناصر، ورفع لافتات تتهم هولندا برعاية الإرهاب.

ورأى حزب تكنوقراط مصر أن الوقفة جاءت في إطار تحرك منظم من جانب السلطة، وكتب عبر حساب @egy_technocrats: "النظام ينظم ويُخرج وقفة احتجاجية أمام السفارة الهولندية في وسط القاهرة للمطالبة بالإفراج عن أحمد ناصر، وتم رفع لافتات تتهم هولندا بالإرهاب، بينما نفس النظام منع أي تظاهرة أمام سفارة الكيان المحتل أثناء قصف غزة".

https://x.com/egy_technocrats/status/2109692037117214837

 

وفي الاتجاه نفسه، كتب هيثم أبوخليل، عبر حساب @haythamabokhal1: "سيذكر التاريخ، بكل اندهاش وتعجب شديدين، أنه سُمِح بوقفة احتجاجية وإن كانت مُعَلَّبة ومُعَدَّة مسبقاً ضد هولندا ووصفها بالإرهـاب أمام سفارتها في قلب القاهرة، في حين لم يُسمَح بوقفة واحدة أمام سفارة الاحتلال طوال فترة الإبادة في غزة والمستمرة بالقطاعي حتى اليوم! #غزة #هولندا".

https://x.com/haythamabokhal1/status/2109661869422047650

 

ويضع أبوخليل المقارنة بين الوقفة أمام السفارة الهولندية والقيود التي يقول "إنها فُرضت على احتجاجات التضامن مع غزة في صلب انتقاده، معتبرًا أن السماح بالاحتجاج في الحالة الأولى، مقابل منع احتجاجات في الحالة الثانية، يكشف تفاوتًا في التعامل مع التعبير السياسي".

البيانات الأمنية

 

وزارة الداخلية الهولندية، يبدو أنها صاغت بيانا بحسب البيانات الأمنية المتبعة في داخلية السيسي، (بتخيل ناشطين) وجاء فيه: "نفى مصدر أمني صحة ما تم تداوله على عدد من الصفحات التابعة للعناصر المناوئة بمواقع التواصل الاجتماعي، بشأن الادعاء بقيام الأجهزة الأمنية الهولندية باختطاف أحد المواطنين المصريين وإخفائه قسريًا لمدة خمس ساعات كاملة.".

وأضاف: "وأكد المصدر أن تلك الادعاءات عارية تمامًا من الصحة جملةً وتفصيلًا، وأن حقيقة الواقعة تتمثل في قيام الأجهزة الأمنية المختصة بضبط المذكور في إطار الإجراءات القانونية المتبعة.".

ويستعير المنشور لغة البيانات الأمنية المصرية، في محاولة ساخرة لقلب الأدوار ومقارنة طريقة تناول توقيف أحمد ناصر في هولندا بالصياغات التي تستخدمها السلطات المصرية في نفي الاتهامات الموجهة إليها.

هل أصبحت المظاهرات جريمة في مصر فقط؟

ركزت مجموعة من التدوينات المعارضة على التناقض الذي ترى أنه قائم بين السماح بالوقفة أمام السفارة الهولندية والقيود المفروضة على احتجاجات أخرى داخل مصر.

وكتبت رانيا الخطيب، عبر حساب @ElkhateebRania: "يتكلم كأن المظاهرات جريمة وبيحملهم المسئولية، هي المظاهرات بقى مسموح بها في مصر ولا ضد هولندا بس هو اللي مسموح ؟".

https://x.com/ElkhateebRania/status/2109709150133645720

 

أما مصطفى فوزي، عبر حساب @mostfawzy8، فكتب: "يعني هولندا بقت إخوان؟ وعايزة تقف ضد نهضة مصر وتتسبب في خرابها ؟ كل ده عشان واحد بلطجي مسرحينه وفاكرين أن كل الدول خرابة زي المخروبة تلعبوا فيها براحتكوا طيب مسمحتش بوقفة زي دي قدام الكيان النجس لدعم غزة ليه؟ حبستوا عيال صغيرة رفعوا لافتة دعم ليه؟ الناس بره عندهم قانون مش عزبة عسكر".

 

https://x.com/mostfawzy8/status/2109698398630871297

 

وفي تعليق آخر، كتبت ريري محمد، عبر حساب @NNcy4577: "نظام السيسي مشغل الإعلاميين عشان البرص ده، والبلد غرقانة في الأزمات والغلاء ده غير ملف خطير زي ملف سد النهضة والكارثة اللي هنبقى فيها بسبب المياه وفي الآخر بيكلم عن ده عشان اتقبض عليه في هولندا ياولاود الو$خة".

https://x.com/NNcy4577/status/2109707403591549021

 

ويذهب هذا التعليق إلى أن التركيز الإعلامي على قضية أحمد ناصر يصرف الانتباه، بحسب رأي صاحبته، عن الأزمات الاقتصادية والملفات الاستراتيجية التي تواجه مصر. كما كتب حساب @masryanoo_82: "العر$ خدام العر$ ما بيعملهاش مع أي مصري يتقبض عليه خارج مصر حتي لو كان مظلوما، لكن عشان اللي اتقبض عليه عر$ فالعر$ بلغ العر$ يتصل بوزير خارجية هولندا ويتوسل له أنه يفرج عن العر$ صاحب العر$".

https://x.com/masryanoo_82/status/2109757490405822636

 

وكتب حساب   @Sugarman2023: "أيوه ملك هولندا هو المرشد العام للإخوان ما تبطلوا هطل بقى".

https://x.com/Sugarman2023/status/2109746371771400215

 

انتقاد سياسي وحقوقي

وهاجم المجلس الثوري المصري الوقفة التي قال: "إنها نُظمت للمطالبة بالإفراج عن أحمد ناصر"، وكتب عبر حساب @ERC_egy:"كل مؤيدات #السيسي حالتهم صعبة كده يا جماعة وهو ده مستواهم الثقافي والأدبي بره وجوه، الفيديو من مظاهرة أمام السفارة المصرية في #هولندا للإفراج عن المجرم البلطجي #احمد_ناصر، الدفاع عن البلطجية المجرمين أصحاب السوابق يليق بكم، والدفاع عن الأحرار الأبرياء في سجون العسكر يليق بنا".

https://x.com/ERC_egy/status/2109690663168012662

 

من جهته، كتب الحقوقي بهي الدين حسن، عبر حساب @BaheyHassan: "قد تكون مصر الدولة العربية الوحيدة (وربما في العالم) التي تسجن من يتضامن مع فلسطين، مع ذلك فإن المسؤولين الأذكياء يتوهمون أن المصريين والعالم يمكن أن يصدقوا أن ذلك التجمهر أمام السفارة الهولندية بالقاهرة هو تعبير حر من شعب مقموع حتي النخاع، لا يستطيع وقف سجن وتعذيب حتي الصحفيين!".

الإجراءات القانونية وهولندا

وفي سلسلة تدوينات، طرح حساب @aserasorat، تحت اسم «باب زويلة بالحجز»، أسئلة بشأن الإجراءات القانونية التي يُفترض أن يخضع لها أحمد ناصر في هولندا، مقارنة بما وصفه بأوضاع المعتقلين في مصر.

وجاء في المنشور:

هل الشرطة قبضت على المواطن المصري وهم بالزي الرسمي و لا لابسين مدني؟؟ هل الشرطة قبضت على المواطن المصري و اختفى؟؟ و لا معروف مكان احتجازه؟؟ هل الشرطة سمحت للمواطن المصري بالقيام بمكالمته التليفونية المتاحة له قانونا(في كل دول العالم بما فيها مصر) مع محاميه؟؟ هل الشرطة الهولندية تعدت بالضرب على المواطن؟؟ شتمته؟؟ عذبته؟؟ علقته؟؟ كهربته؟؟ اقتحمت مقر إقامته؟؟ خدت حد من أهله؟؟ لفقت له محضرا؟؟ حطت المواطن في الحجز و أنكرت وجوده؟؟

وأضاف:

بعد ما تجاوب عن الأسئلة دي مع نفسك كده يا عم المؤيد و عم المعارض، قارن حالة المواطن المؤيد المقبوض عليه في هولندا بأي حالة تختارها من ٦٠ ألف حالة اعتقال هنا في مصر، قارن إجاباتك و تعرف الحقيقة من غير ما أقولها لك.

ويقوم هذا الطرح على المقارنة بين الضمانات الإجرائية في هولندا والانتهاكات التي يقول صاحب المنشور إنها تقع في مصر، لكنه لا يثبت وحده تفاصيل المعاملة التي تلقاها أحمد ناصر، كما أن رقم المعتقلين المذكور يظل منسوبًا إلى ناشر المنشور.

عمر جابر والتهديدات

في تدوينة مطولة، تناول أنس حبيب، عبر حساب @AnasHabib98، قضية أحمد ناصر من زاوية مختلفة، مستعرضًا ما قال إنها وقائع سابقة تتعلق بناصر وشخص آخر يُعرف باسم مانفيلا(يبدو أنه المعتقل السابق في لندن أحمد عبدالقادر كيدو) .

واستهل حبيب منشوره بالقول: "للي مش عارف فكارتيلا و مانفيلا كانوا برضوا هددوا لاعب كرة القدم المشهور عمر جابر قبل كده بالقتل عشان على حسب ادعاءهم إن عمر جابر مدهمش عمولة تمن صفقة انتقال، عيل سكالّية عربجية.

وبحسب رواية حبيب، حرر عمر جابر محضرًا في أكتوبر 2020 اتهم فيه الشخصين بتهديده بالقتل وإيذاء أسرته وخطف أطفاله عبر رسائل على تطبيق واتساب، إذا لم يدفع مبلغ تسعة ملايين جنيه و185 ألف دولار، باعتبارها عمولة على انتقاله إلى نادي لوس أنجلوس الأمريكي.

وأضاف حبيب أن عمر جابر كان قد ذكر أنه قدم لهما مساعدات مالية، لكنهما اعتبرا الأموال حقًا مستحقًا لهما مقابل مساعدتهما السابقة له.

وقال حبيب: "إن عمر جابر تنازل عن القضية في مارس 2021، متسائلًا عما إذا كان التنازل قد حدث نتيجة ضغوط سياسية أو ابتزاز، دون أن يقدم في المنشور دليلًا يحسم سبب التنازل".

ثم ربط حبيب هذه الرواية بخلافاته الشخصية، قائلًا:

الولا كارتيلا و مانفيلا بقالهم سنة و نصف شغالين تهديد لي و لأسرتي بأبشع و أشنع التهديدات و التشهير، و طبعًا حادثة الاعتداء في شهر مايو دي لوحدها قصة.

وأضاف:

كل ده يؤكد أن العيال دي فاجرة و مش لاقية قانون و دولة محترمة تلمهم، لا بالعكس ديه بتحاول تقدمهم للمجتمع كنموذج، عشان كده كانوا فاكرين إنهم يقدروا يعملوا الشويتين بتوع الزرايب بتوعهم دول هنا.

واختتم منشوره بلهجة حادة تجاه أحد الأشخاص الذين هاجمهم، معتبرًا أن ما حدث في هولندا يمثل نهاية لمرحلة من الإفلات من المحاسبة.

https://x.com/AnasHabib98/status/2109735836917039266/photo/1

 

وفي تدوينة أخرى مؤرخة في 8 ديسمبر، تناول أنس حبيب إدراج اسمه واسم شقيقه على قوائم الإرهاب المصرية، وسخر من القرار، معتبرًا أنه لن يؤدي بالضرورة إلى النتائج التي تستهدفها السلطات خارج البلاد.

وكتب: "عاجل، السيسي حط اسمي أنا وأخويا على قوائم الإرهاب " مضيفا "يا جماعة حد يقول للمتخلف المتعاص إنه الهبل بتاع إدراج على قوائم الإرهاب والعته ده محدش بيأخذ بيه في أي مكان محترم ضحكتوا علينا العالم والله..".

ثم شرح تصوره لكيفية تعامل الدول الأوروبية مع التصنيفات المصرية، (وهو المطلوب في حالتنا لنعرف كيف تتعامل هولندا مع البلاغات) قائلًا: "لما تيجي تبعت لأوروبا أو لهولندا مثلًا تقولها الشخص ده إرهابي عندنا وده حكم قضائي هما بيكون عندهم رد واحد، الشخص ده ارتكب عنف ضد مدنيين في سبيل ابتزاز الدولة أو شخص ما لتحقيق أهداف سياسية ولا لا؟".

وتابع: "فلما أنت تقولهم إن أنا إرهابي بحكم كام قاضي عرة لا يمثلوا القضاء المصري ولا يشرفوه، ساعتها أنت بتخليهم يركزوا معاك ويشوفوا أفعالك مع الشعب عندك "قتل، تعذيب، اعتقال، تهجير إلخ اللي يصنف على إنه فعلًا إرهاب".

ويطرح حبيب حجة سياسية وقانونية مفادها أن إدراج شخص على قوائم الإرهاب المصرية لا يعني تلقائيًا أن السلطات الأوروبية ستتبنى التصنيف نفسه، وأن الدول المعنية ستنظر في طبيعة الأفعال المنسوبة إليه وأدلتها.

التصعيد والتعاون الإماراتي

وبغض النظر عن اتصال بدر عبد العاطي بوزير خارجية هولندا، يبقى التأثير المالي هو العنصر المهم، حيث وردت أخبار تؤخذ بعين الاعتبار ل"بحث" وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد مع وزير الخارجية الهولندي سبل التعاون بين البلدين، بالتزامن مع تصريحات إعلامية مصرية تصف هولندا بأنها تدعم الإرهاب أو جماعة الإخوان المسلمين.

 

وتطرح المقارنة سؤالًا عن مدى اتساق الخطاب السياسي والإعلامي المتداول ليس فقط مع طبيعة العلاقات الدبلوماسية القائمة بين دول المنطقة وهولندا بل علاقات ما "تحت الترابيزة".

وبينما تحركت خارجية السيسي، وفق المعلومات المتداولة، للمطالبة بالإفراج عن ناصر، ووصفت شخصيات إعلامية هولندا بأنها تدعم الإرهاب وتوفر الحماية لعناصر من جماعة الإخوان المسلمين، شهدت القضية تعبئة عبر مواقع التواصل ووقفة أمام السفارة الهولندية في القاهرة.

وتكشف هذه المواجهة، في مجملها، عن صراع على صورة النظام المصري في الخارج، وعن استخدام قضية فردية في سجال أوسع بشأن المعارضة وحرية التعبير والعلاقات الدبلوماسية.