بعد نحو ثلاثة أعوام من استشهادهم تحت أنقاض برج التاج وسط مدينة غزة، عادت أسماء أكثر من 100 شهيد إلى الواجهة من جديد، لكن هذه المرة محمولين في أكفان بعد انتشال رفاتهم من تحت الركام.
وشيَّع أهالي قطاع غزة، اليوم الخميس، رفات الشهداء الذين تمكنت طواقم الدفاع المدني من انتشالها خلال الأيام الماضية، بعد عمليات بحث استمرت 17 يومًا، بالتعاون مع اللجنة المصرية.
وبحسب ما نقلته مراسلة الجزيرة نور خالد، تضم قائمة الشهداء 47 طفلًا و32 امرأة، فيما تواصلت عمليات البحث لاستخراج ما تبقى من رفات الضحايا الذين دفنهم القصف تحت أنقاض البرج.
20 قنبلة على البرج ومحيطه
وتعود المأساة إلى 25 أكتوبر 2023، عندما قصف جيش الاحتلال برج التاج، الذي كان يضم عائلات ونازحين لجأوا إليه بعدما اعتقدوا أن المنطقة تمثل مكانًا أكثر أمانًا.
وبحسب مراسلة الجزيرة، أُلقيت نحو 20 قنبلة على البرج وفي محيطه، بينما أشارت إلى تقرير للأمم المتحدة قدر مساحة المنطقة التي طالها التفجير بنحو 5700 متر مربع.
ولم يكن القصف استهدافًا لمكان خالٍ؛ فقد كان البرج يضم عائلات كاملة وأشخاصًا نزحوا من مناطق أخرى بحثًا عن الأمان، لتتحول البناية خلال لحظات إلى كتلة من الركام تُخفي تحتها عشرات الضحايا.
ومن بين الذين قضوا في الهجوم 37 شخصًا من عائلة شرف وحدها، بينهم الصحفية دعاء شرف وابنها، إضافة إلى 15 آخرين من عائلة المحلاوي، وفق ما أوردته مراسلة الجزيرة.
وهكذا امتدت آثار القصف إلى أجيال متعددة داخل العائلات نفسها، في مشهد يعكس حجم الخسارة التي خلفتها الغارات على المباني السكنية في القطاع.
17 يومًا من البحث تحت الركام
لم تكن عملية انتشال الرفات سهلة، إذ افتقد الدفاع المدني المعدات اللازمة للتعامل مع كميات الركام الضخمة، إلى جانب استمرار النشاط العسكري الإسرائيلي في المنطقة خلال الفترة السابقة.
وبعد مرور سنوات على القصف، بدأت طواقم الدفاع المدني خلال الشهر الماضي عمليات البحث واستخراج الرفات، واستمرت عمليات الانتشال على مدار 17 يومًا.
وقبل تشييع الشهداء إلى مقبرة الشيخ رضوان، عقد الدفاع المدني مؤتمرًا صحفيًا للحديث عن عمليات البحث وانتشال الرفات. وخلال المؤتمر، تحدثت تغريد الحناوي عن ابنتها عالية، التي قالت إنها استشهدت مع أبنائها الأربعة في المجزرة.
وبالنسبة لعائلات الضحايا، لا تمثل عملية انتشال الرفات نهاية البحث فحسب، وإنما لحظة استعادة جثامين ظل مصيرها مجهولًا لسنوات، وإتاحة الفرصة لدفنها وفق ما تريده العائلات.
المرة الرابعة لتشييع أعداد كبيرة من الرفات
وتعد هذه المرة الرابعة التي يشيع فيها سكان القطاع أعدادًا كبيرة من الشهداء بعد انتشال جثامينهم أو رفاتهم من تحت الأنقاض خلال الفترة الماضية.
ففي غزة، لم تنتهِ المأساة بانتهاء القصف على كثير من المناطق، إذ لا تزال عمليات البحث عن الضحايا مستمرة تحت المباني المدمرة، وسط نقص كبير في المعدات والآليات الثقيلة القادرة على إزالة الركام.
وبحسب مراسلة الجزيرة، لا يزال نحو 8 آلاف شهيد لم يتم انتشال رفاتهم حتى الآن، في ظل عجز كبير في المعدات التي تحتاجها طواقم الدفاع المدني لمواصلة عمليات البحث.
عائلات اختفت من السجل المدني
ولا تتوقف آثار الحرب عند عدد الضحايا الذين يتم الإعلان عنهم في كل غارة، إذ خلفت عمليات القصف واسعة النطاق في غزة ظاهرة وصفت بأنها "إبادة للعائلات"، بعدما فقدت عائلات بأكملها عددًا كبيرًا من أفرادها خلال الهجمات.
وفي حالة برج التاج، لم تكن الخسارة فردًا أو فردين من كل أسرة، بل امتدت إلى آباء وأمهات وأطفال وأشقاء وأقارب، لتجد بعض العائلات نفسها أمام غياب جيل كامل أو أكثر.
وتكشف عمليات انتشال الرفات بعد سنوات حجم المأساة الممتدة تحت أنقاض غزة؛ فحتى بعد مرور وقت طويل على القصف، لا تزال عائلات تنتظر معرفة مصير ذويها، بينما تواصل فرق الدفاع المدني البحث وسط إمكانات محدودة وركام يغطي مساحات واسعة.
دفن متأخر.. وذاكرة لا تنتهي
في مقبرة الشيخ رضوان، حمل أهالي غزة رفات أكثر من 100 شهيد إلى مثواهم الأخير، بعد سنوات ظل خلالها هؤلاء الضحايا تحت الأنقاض.
لكن مراسم التشييع لم تكن مجرد وداع متأخر؛ فقد أعادت إلى الذاكرة تفاصيل واحدة من الهجمات التي أودت بحياة عائلات كاملة، وأظهرت أن آثار الحرب لا تنتهي بمجرد توقف القصف.
فخلف كل رفات انتُشلت اسمًا وقصة وعائلة، وخلف كل قبر جديد في غزة أسرة انتظرت طويلًا حتى تتمكن من دفن أحد أفرادها.
ومع استمرار وجود آلاف الشهداء تحت الأنقاض، تظل عمليات البحث والانتشال جزءًا من المشهد الإنساني في القطاع، في انتظار توفير المعدات والإمكانات التي تسمح لفرق الإنقاذ بالوصول إلى من بقي مصيرهم عالقًا تحت الركام.