مقتل عمال المطبخ المركزي العالمي.. ملاحقة اسرائيلية حوّلت قافلة مساعدات إلى هدف عسكري

- ‎فيعربي ودولي

في مطلع إبريل 2024، قُتل 7 من العاملين في منظمة «المطبخ المركزي العالمي» في ثلاث غارات إسرائيلية متتالية استهدفت مركباتهم على طريق رفح جنوب قطاع غزة، رغم أن تحرك القافلة كان منسقًا مسبقًا مع الجيش الإسرائيلي، في واقعة أثارت إدانات وغضبًا دوليين واسعين.

وكان الضحايا من جنسيات مختلفة، بينهم مواطنون من بريطانيا وأستراليا وبولندا والولايات المتحدة، إلى جانب فلسطيني، فيما تحولت الواقعة إلى واحدة من أبرز القضايا التي كشفت تعقيدات التنسيق بين الجيش الإسرائيلي والمنظمات الإنسانية العاملة في القطاع خلال الحرب.

وتكشف تقارير وتحقيقات لاحقة، من بينها تقرير لصحيفة «الغارديان» وتقييم أسترالي للواقعة، عن سلسلة من الأخطاء في نقل المعلومات وتحديد هوية القافلة، انتهت باستنتاج عسكري خاطئ بأن عناصر من حركة حماس استولوا على شحنة المساعدات، قبل أن تتحول مركبات العاملين الإنسانيين إلى أهداف لنيران الطائرات المسيّرة.

 

مهمة إنسانية منسقة مع الجيش الإسرائيلي

بحسب ما أوردته «الغارديان»، كان الجيش الإسرائيلي مشاركًا في التخطيط لعملية إيصال المساعدات الغذائية، في وقت كانت فيه الحرب على قطاع غزة قد دخلت شهرها السادس، بينما أدى إغلاق المعابر البرية إلى تفاقم أزمة الغذاء في القطاع.

وكانت المنظمة قد استقبلت شحنة بحرية تزن نحو 200 طن من الأرز والدقيق ومصادر البروتين، وهي الثانية من نوعها، وتضمنت مواد غذائية تكفي لإعداد أكثر من مليون وجبة.

وجرى التنسيق بشأن عملية التسليم على مدى أيام بين «المطبخ المركزي العالمي» والجيش الإسرائيلي، فيما كان ضابط إسرائيلي موجودًا على الرصيف الساحلي لمتابعة سير العملية.

وبعد الانتهاء من تفريغ الشحنة حدث تأخير في الحصول على الموافقة الأمنية النهائية التي تسمح لثماني شاحنات مستأجرة ومركبتي مرافقة تابعتين للمنظمة بمغادرة الرصيف. وعندما تحركت القافلة ليلًا باتجاه الجنوب، بدأت طائرات مسيّرة إسرائيلية في مراقبتها.

 

خلل في نقل المعلومات

كانت الطائرات المسيّرة تابعة للواء «ناحال»، لكن التقرير الأسترالي أشار إلى أن تفاصيل مهمة المساعدات التي جرى تنسيقها مسبقًا لم تصل بصورة كاملة إلى اللواء ومشغلي الطائرات المسيّرة.

ونقل التقرير عن مستشار خاص كلّفته الحكومة الأسترالية بتقييم القضية أن المعلومات المتعلقة بمهمة «المطبخ المركزي العالمي» لم تُنقل من المستويات العليا في القيادة الجنوبية إلى اللواء المسئول عن المنطقة.

وهذا الخلل في الاتصالات كان أحد العوامل الرئيسية التي سبقت عملية الاستهداف، بعدما بدأت القوات الموجودة ميدانيًا في بناء تصور مختلف عن طبيعة القافلة التي تتحرك أمامها.

 

حراس مسلحون أشعلوا الشكوك

في مركز استقبال تابع للمنظمة، كان عدد من الرجال المحليين المتعاقد معهم للعمل حراسًا في انتظار القافلة، وكان أحدهم على الأقل يحمل سلاحًا.

ورغم أن الاستعانة بعناصر أمن محليين لم تكن أمرًا غير مألوف في عمليات توزيع المساعدات داخل غزة، فإن استخدام مرافقين مسلحين كان يتعارض مع سياسة «المطبخ المركزي العالمي».

وتقول المنظمة إنه لم يكن واضحًا لماذا جرى الاستعانة بحراس مسلحين في تلك الليلة، بينما أشارت الرواية الإسرائيلية إلى أن ذلك حدث بسبب تأخر مغادرة القافلة، وأن الأمر لم يكن منسقًا مع الجيش.

وتحدثت روايات عن وجود ما بين رجلين وأربعة مسلحين في الموقع، كما أظهرت، بحسب الروايات المتداولة، لقطات التقطتها طائرة مسيّرة أحدهم وهو يصعد فوق إحدى الشاحنات ثم يطلق عيارًا ناريًا في الهواء. لكن هذه المشاهد، بحسب التحقيقات اللاحقة، لعبت دورًا أكبر بكثير مما تستحقه في تشكيل التقييم العسكري.

 

استنتاج خاطئ: "حماس استولت على القافلة"

خلص ضباط لواء «ناحال» ومشغلو الطائرات المسيّرة إلى أن ما يجري قد يكون عملية استيلاء على قافلة المساعدات من جانب حركة حماس.

وبحسب الرواية الإسرائيلية الرسمية، رصدت القوات مركبات تحيط بالشاحنات، واعتبرت أن طريقة تحركها تتطابق مع سيناريو سيطرة حماس على القافلة.

لكن هذا التقييم استند، وفق التحقيقات والتقارير اللاحقة، إلى افتراضات لم تكن مدعومة بما يكفي من المعلومات، فضلًا عن أن التواصل مع قيادة المنظمة لم يكن قد انقطع فعليًا.

وكانت النقطة الأهم أن القافلة واصلت طريقها ووصلت إلى مستودع «المطبخ المركزي العالمي» في دير البلح، حيث أُفرغت المساعدات، وهو ما كان من شأنه أن يقدم مؤشرًا واضحًا على أن القافلة لم تتعرض لعملية استيلاء أو تحويل قسري لمسارها.

 

اتصالات لم تُحتسب

لا تتضمن رواية المدعي العسكري الإسرائيلي للأحداث، التي استُخدمت لتبرير عدم اتخاذ إجراءات جنائية، إشارة واضحة إلى الخلل في الاتصال بين إدارة التنسيق والارتباط التابعة للجيش الإسرائيلي واللواء الذي كان يتولى السيطرة على المنطقة. وتقول الرواية الإسرائيلية إن محاولات أفراد الجيش الاتصال بالمنظمة لم تنجح.

لكن مصادر في «المطبخ المركزي العالمي» والتقرير الأسترالي يشيران إلى أن الاتصال كان قائمًا، وأن المقر الرئيسي للمنظمة في الولايات المتحدة تواصل مع موظفيها الموجودين في غزة.

كما أبلغ موظف المنظمة الموجود على الأرض زملاءه بأن الحراس لم تكن بحوزتهم سوى «بنادق مزيفة»، وأكدت المنظمة للجيش الإسرائيلي أنها لم تفقد الاتصال بالقافلة وأنها لم تتعرض للاختطاف. ومع ذلك، استمر التقييم العسكري في الاتجاه نحو اعتبار القافلة هدفًا محتملًا.

 

من الشك إلى "التجريم"

بعد وصول الشاحنات إلى المستودع، بقي موظفو المنظمة والحراس المحليون بالقرب من المركبات نحو عشر دقائق.

وبحسب الروايات التي تناولت الواقعة، اعتبر رئيس أركان لواء «ناحال»، العقيد في الاحتياط نوحي مندل، أن موظفي المنظمة «يختلطون» بعناصر مسلحة من حماس.

وهنا دخلت آلية عسكرية تُعرف بـ«التجريم» في عملية تحديد الأهداف، وهي آلية تتيح لقادة الميدان مساحة واسعة في تقييم الأشخاص والمركبات بناءً على ما يعتبرونه مؤشرات مرتبطة بالنشاط العسكري.

وقال مندل إن ما حدث كان «تجريمًا» جرى، بحسب اعتقاده، وفق القواعد، مضيفًا أن وجود رجال مسلحين واختلاطهم بأفراد آخرين كان بالنسبة إليه دليلًا كافيًا على وجود صلة بحماس.

لكن المنظمة اعتبرت لاحقًا أن اعتبار نشاطها الإنساني نشاطًا معاديًا استنادًا إلى هذه المؤشرات يمثل أمرًا بالغ الخطورة، خصوصًا في ظل غياب أدلة مباشرة على تورط العاملين الإنسانيين في أي نشاط عسكري.

 

حقيبة تتحول إلى سلاح

وتشير روايات ضباط إسرائيليين ومصادر اطلعت على تسجيلات الطائرات المسيّرة إلى أن أحد المشغلين رصد حقيبة توضع داخل إحدى سيارات المنظمة، واعتقد أنها قد تكون سلاحًا.

لكن التحليل اللاحق للتسجيل، بحسب المصادر التي نقلت عنها «الغارديان»، لم يظهر وجود ما يُثبت أن الحقيبة كانت تحتوي على سلاح أو تمثل تهديدًا.

وتشير هذه التفاصيل إلى أن عملية تحديد الأهداف لم تعتمد فقط على معلومات خاطئة بشأن هوية القافلة، وإنما تضمنت أيضًا تفسيرات ميدانية لمشاهد عادية باعتبارها مؤشرات على نشاط مسلح.

 

انفصال المجموعات.. ثم قرار العودة

بعد مغادرة مستودع المنظمة في دير البلح، انقسمت المركبات إلى مجموعتين. فقد اتجهت مركبات «المطبخ المركزي العالمي» غربًا نحو الساحل، بينما اتجهت المركبة التي تقل أفراد الأمن المحليين شمالًا، وكان الجيش الإسرائيلي، وفق التقرير الأسترالي، على علم بانفصال المجموعتين.

وتتبعت إحدى الطائرات المسيّرة مركبة الأمن المتعاقد معه محليًا لنحو ثلاث دقائق، حتى وصلت إلى مستودع آخر، حيث شوهد ما يصل إلى أربعة مسلحين وهم يترجلون من المركبة ويدخلون المبنى.

وبحسب التقرير الأسترالي، جرى وقف استهدافهم بسبب ضيق الوقت المتاح قبل دخولهم المستودع. لكن الشكوك التي تشكلت حول القافلة الأصلية لم تختفِ.

 

ثلاث غارات خلال أربع دقائق

في نحو الساعة 11 مساءً، غادر موظفو «المطبخ المركزي العالمي» المستودع متجهين غربًا نحو الساحل. وبسبب التأخير الذي طرأ على الجدول الزمني، قررت المنظمة العودة مباشرة إلى مقر الإقامة في رفح بدلًا من العودة إلى مركز الاستقبال كما كان مخططًا.

وعند انعطاف المركبات جنوبًا على الطريق الساحلي، تعرضت المركبات الثلاث لغارات إسرائيلية متتالية بفواصل زمنية قصيرة.

كانت المركبة الأولى مدرعة، ونجا شخصان من الاستهداف وانتقلا إلى المركبة الثانية، وهي مدرعة أيضًا. وبعد استهداف المركبة الثانية، نجا شخصان وانتقلا إلى المركبة الثالثة، التي لم تكن مدرعة.

لكن المركبة الثالثة تعرضت بدورها للقصف، ولم ينجُ أحد من ركابها. وخلال نحو أربع دقائق، قُتل العاملون السبعة في المنظمة.

 

تبريرات إسرائيلية محل جدل

بعد الواقعة، قدمت الرواية الإسرائيلية تفسيرات متعددة لقرار الاستهداف. فقد قال المدعي العسكري الإسرائيلي إن موظفي المنظمة كانوا قد انحرفوا عن المسار الذي جرى تنسيقه مسبقًا مع الجيش، وهو ما عزّز، وفق الرواية الرسمية، الاعتقاد بأن عناصر من حماس سيطروا على القافلة.

لكن التقرير الأسترالي خلص إلى أن تغيير المسار لم يكن معلومًا للقوات في وقت اتخاذ قرار إطلاق النار، وبالتالي لم يكن عاملًا في قرار الاستهداف.

كما تضمنت الرواية الإسرائيلية حديثًا عن تجاهل ضباط ميدانيين لأمر بوقف استهداف القوافل الإنسانية، بينما نفى مندل وصول مثل هذا الأمر إلى اللواء.

وقال مندل إن هذا التوجيه «لم يحدث قط»، مؤكدًا أن اللواء لم يتلقَّ، بحسب قوله، تعليمات عملياتية بوقف الضربات.

 

لم أخطط لقتل عمال الإغاثة

وفي معرض دفاعه عن قراراته، قال مندل إنه لم يخطط لقتل عمال الإغاثة، لكنه أضاف أنهم، من وجهة نظره، «لم يكونوا أبرياء» بسبب اعتقاده بوجود صلة بينهم وبين عناصر حماس. واستند في ذلك إلى رؤيته أنهم كانوا بالقرب من رجال مسلحين ويتحدثون معهم ويتواجدون في المكان نفسه.

لكن هذه الرؤية تطرح سؤالًا جوهريًا حول الحدود التي يمكن أن تصل إليها عملية الاشتباه في مناطق الحرب، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بعاملين إنسانيين يتحركون ضمن مهمة سبق تنسيقها مع الجيش.

فمجرد وجود موظفي إغاثة بالقرب من حراس محليين مسلحين لا يثبت، بحد ذاته، مشاركتهم في نشاط عسكري، وهو ما يجعل الخطأ في تحديد الهوية أكثر خطورة عندما تكون النتيجة ضربة جوية.

 

سبعة قتلى وأسئلة لم تُغلق

قُتل في الغارات السبعة من العاملين في «المطبخ المركزي العالمي»، من بريطانيا وأستراليا وبولندا وفلسطين والولايات المتحدة.

ورغم مرور الوقت، لا تزال الواقعة تثير أسئلة حول آليات التنسيق بين الجيش الإسرائيلي والمنظمات الإنسانية، وكيفية نقل المعلومات من المستويات القيادية إلى القوات العاملة ميدانيًا، والمعايير المستخدمة في تحديد الأهداف.

وتكشف تفاصيل القضية، كما أوردتها التقارير والتحقيقات، عن سلسلة مترابطة من الأخطاء: معلومات لم تصل إلى الوحدة الميدانية، وحراس مسلحون أثاروا الشكوك، وافتراض بأن القافلة تعرضت للاستيلاء، وعدم احتساب الاتصالات التي أكدت استمرار المهمة الإنسانية، ثم تفسير مشاهد عادية باعتبارها مؤشرات عسكرية.

وفي النهاية، تحولت مهمة كانت تستهدف إيصال الغذاء إلى المدنيين إلى عملية قتل راح ضحيتها سبعة من عمال الإغاثة.

وتزداد خطورة الواقعة في سياق الحرب المستمرة على قطاع غزة، حيث يعتمد ملايين المدنيين على المساعدات الإنسانية في ظل تدهور الأوضاع الغذائية والمعيشية.

وبحسب بيانات وزارة الصحة في غزة التي أوردتها المادة، بلغ عدد الفلسطينيين الذين استشهدوا منذ 7 أكتوبر 2023 حتى 2 سبتمبر الحالي 73,470، فيما بلغ عدد المصابين 174,540، معظمهم من الأطفال والنساء.

وتبقى قضية «المطبخ المركزي العالمي» مثالًا صارخًا على المخاطر التي تواجه العمل الإنساني في غزة، وعلى الثمن الباهظ الذي يمكن أن ينتج عن أخطاء تحديد الهوية والاتصال واتخاذ القرار في ساحة حرب.