هل يُنهي قانون الإجراءات الجنائية الجديد سنوات الحبس الاحتياطي.. أم يفتح الباب لـ”التدوير”؟

- ‎فيتقارير

مع اقتراب دخول قانون الإجراءات الجنائية الجديد ، بنظام الانقلاب العسكرى الدموى ،حيز التنفيذ مطلع أكتوبر المقبل، تعود قضية المحبوسين  احتياطياً لفترات طويلة إلى واجهة المشهد، باعتبارها أحد أبرز الاختبارات العملية للتعديلات التي أقرها القانون رقم 174 لسنة 2025، وما تضمنته من خفض للحد الأقصى لمدد الحبس الاحتياطي وتوسيع نطاق البدائل المتاحة أمام جهات التحقيق والمحاكم.

وتزامن ذلك مع رسالة مفتوحة وجهها عدد من المعتقلين ، في سجونالمنقلب السفاح السيسى، قالوا فيها إن بعضهم أمضى سنوات خلف القضبان، وإن آخرين يعانون أوضاعاً صحية صعبة، مطالبين بإعادة النظر في أوضاعهم مع بدء تطبيق القانون الجديد، والإفراج عمن تجاوزت مدد حبسهم الحدود التي يحددها التشريع.

وأعرب الموقعون على الرسالة عن ترحيبهم بإقرار قانون الإجراءات الجنائية الجديد، معتبرين أنه يستهدف تعزيز حقوق الإنسان، مؤكدين موقفهم المؤيد للدولة المصرية في القضية الفلسطينية ورفض التهجير وإعادة التوطين.

وطرحت  الرسالة في الوقت نفسه سؤالاً قانونياً محورياً: هل يؤدي دخول القانون الجديد حيز التنفيذ إلى إعادة النظر تلقائياً في أوضاع المحبوسين احتياطياً في القضايا القائمة، أم أن الحدود الجديدة للمدد ستطبق فقط على حالات الحبس التي تبدأ بعد الأول من أكتوبر؟

 

خفض مدد الحبس الاحتياطي

وبموجب المادة 124 من قانون الإجراءات الجنائية الجديد، لا يجوز أن تتجاوز مدة الحبس الاحتياطي خلال مرحلة التحقيق الابتدائي وسائر مراحل الدعوى الجنائية أربعة أشهر في الجنح، و12 شهراً في الجنايات، و18 شهراً إذا كانت العقوبة المقررة للجريمة هي السجن المؤبد أو الإعدام.

وفي حالات محددة مرتبطة بالطعن على أحكام بالإعدام أو السجن المؤبد، يمكن أن تمتد المدة إلى عامين بقرار من محكمة الجنايات المستأنفة أو محكمة النقض.

ويمثل ذلك خفضاً للحدود القصوى مقارنة بالقواعد السابقة، التي كان بموجبها يمكن أن تصل مدة الحبس الاحتياطي إلى ستة أشهر في الجنح، و18 شهراً في الجنايات، وسنتين في الجرائم المعاقب عليها بالمؤبد أو الإعدام.

كما وسع القانون الجديد نطاق بدائل الحبس الاحتياطي، من ثلاثة بدائل إلى سبعة، من بينها إلزام المتهم بعدم مغادرة نطاق جغرافي محدد، ومنعه من الاتصال بأشخاص محددين، ومنع حيازة الأسلحة في حالات معينة، إلى جانب استخدام وسائل التتبع الإلكترونية متى توافرت شروط تطبيقها.

وتري الرئاسة إن التعديلات تستهدف جعل الحبس الاحتياطي إجراءً أخيراً، والحد من اللجوء إليه، وتعزيز ضمانات حقوق المتهمين، فضلاً عن إدخال بدائل جديدة للحبس.

ويلزم القانون بعرض أوراق القضية على النائب العام بصورة دورية كلما انقضت ثلاثة أشهر على الحبس أو على آخر عرض لها، لاتخاذ الإجراءات التي تكفل إنهاء التحقيق.

 

"التدوير".. الاختبار الأصعب

لكن خفض مدد الحبس الاحتياطي لا يُنهي وحده الجدل حول مصير آلاف المحبوسين، إذ تتركز الانتقادات الحقوقية على مدى القدرة على تطبيق الحدود الجديدة عملياً، خصوصاً في القضايا التي أمضى أصحابها بالفعل مددًا طويلة خلف القضبان.

وسبق أن انتقدت مؤسسة حرية الفكر والتعبير القانون الجديد، رغم إقرارها بخفض مدد الحبس وزيادة بدائله، معتبرة أن التشريع لم يحسم بصورة كافية مشكلة ما يعرف بـ"التدوير"، أي إعادة إدخال الشخص في قضايا جديدة بما قد يؤدي عملياً إلى استمرار احتجازه لفترات أطول.

ويُحذر حقوقيون من أن معالجة المدد القانونية دون معالجة آليات التطبيق قد تجعل خفض الحد الأقصى للحبس الاحتياطي أقل تأثيراً على أرض الواقع، إذا أمكن استمرار احتجاز الشخص من خلال اتهامات أو قضايا جديدة.

 

تشريع للانتهاكات

ويرى ناصر أمين، المحامي والحقوقي ومدير المركز العربي لاستقلال القضاء والمحاماة ، أن القانون الجديد لا يُعالج جوهر الأزمة المتعلقة بضمانات العدالة الجنائية.

وقال إن القانون، من وجهة نظره، "جاء ليُشرّع الانتهاكات والخروقات التي كانت تحدث للقانون العام"، معتبراً أن ذلك يمتد إلى مختلف مراحل الإجراءات الجنائية، بدءاً من القبض على المتهم، مروراً بالتحقيق والمحاكمة، وصولاً إلى تنفيذ الأحكام.

ووصف أمين الأمر بأنه "كارثة كبيرة" بالنسبة للنظام القضائي، معتبراً أن بعض الإجراءات التي كانت تُمارس بصورة استثنائية أو مخالفة للضمانات الدستورية أصبحت، بحسب رؤيته، مغطاة بنصوص تشريعية.

وانتقد في الوقت نفسه تقديم خفض مدة الحبس الاحتياطي وإضافة بدائل جديدة باعتبارهما إنجازاً كافياً، مؤكداً أن جوهر المشكلة يرتبط بكيفية ممارسة النيابة العامة والقضاء لاختصاصاتهما ومدى اعتماد الحبس الاحتياطي على أدلة وقرائن جدية.

وشدد على أن الحبس الاحتياطي يجب ألا يتحول إلى قاعدة، وأن اللجوء إليه ينبغي أن يرتبط بضرورات التحقيق والأدلة المتوافرة، داعياً إلى تطبيق فعلي لقواعد المحاكمة العادلة والمعايير الدولية المتعلقة بالحرية الشخصية.

 

ثلاثة شروط لتفعيل البدائل

ويحدد أمين ثلاثة شروط رئيسية، يرى أنها ضرورية حتى تتحول بدائل الحبس الاحتياطي من نصوص قانونية إلى ممارسة فعلية. وأول هذه الشروط، بحسب رأيه، وجود قضاء مستقل وعادل يطبق البدائل ويفضلها على الحبس متى لم تتوافر ضرورة تستدعي الاحتجاز.

وتابع أما الشرط الثاني فيتمثل في وجود سياسة واضحة تهدف إلى تقليل اللجوء إلى الحبس الاحتياطي، بدلاً من التعامل معه باعتباره الإجراء الأساسي. ويرتبط الشرط الثالث بتغيير ما وصفها بـ"الفلسفة الأمنية"، معتبراً أن استمرار التعامل مع المعارضة والاختلاف في الرأي من خلال القبض والحبس سيحد من فاعلية أي بدائل ينص عليها القانون. ويرى أمين أن ضمانات القانون الجديد لن تكون كافية ما لم يصاحبها تغيير حقيقي في طريقة تطبيق قواعد العدالة الجنائية.

 

الممعتقلون ينتظرون الإجابة

وفي ظل اقتراب موعد تطبيق القانون، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً بالنسبة للمحبوسين احتياطياً منذ سنوات: هل ستتم مراجعة أوضاعهم فور دخول التشريع الجديد حيز التنفيذ، أم سيظل كل ملف خاضعاً للإجراءات القائمة وقت بدء الحبس؟

وتكتسب الإجابة أهمية خاصة بالنسبة لمن تجاوزت مدد احتجازهم بالفعل الحدود التي يضعها القانون الجديد، إذ يمكن أن تحدد كيفية تطبيق القانون على القضايا القائمة حجم التأثير الفعلي للتعديلات على أوضاع هؤلاء.

ومن هنا، لا يتعلق الاختبار فقط بما ورد في نصوص القانون، وإنما أيضاً بآليات انتقال النظام القانوني القديم إلى الجديد، ومدى انعكاس التعديلات على أشخاص يقضون بالفعل فترات طويلة رهن الحبس الاحتياطي.

 

الاختفاء القسري.. ملف موازٍ

وبالتزامن مع اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري، الذي يوافق 30 أغسطس، عاد ملف الاختفاء القسري إلى الواجهة أيضاً. وطالبت رابطة أهالي المعتقلين  «فدا» سلطات الانقلاب  بالكشف الفوري عن مصير أشخاص تقول إنهم تعرضوا للاختفاء، مؤكدة أن أسر مختفين واصلت البحث عن ذويها في أقسام الشرطة وأماكن الاحتجاز والسجون والمستشفيات ومراكز الطب الشرعي، من دون الحصول على معلومات كافية عن أماكن وجودهم أو مصيرهم.

وقالت الرابطة، في بيان صدر في لندن، إن أكثر من 20 ألف مصري مروا خلال السنوات الـ13 الماضية بتجربة الاختفاء القسري لفترات متفاوتة، قبل أن يظهروا لاحقاً أمام النيابات أو داخل السجون.

وطالبت بالكشف عن مصير من لا يزالون مجهولي المكان، وتمكين الأسر من لقاء ذويهم إذا ثبت أنهم على قيد الحياة، وتسليم رفات من ثبتت وفاتهم.

وفي أحدث أرقام متاحة، قالت حملة "أوقفوا الاختفاء القسري" التابعة للمفوضية المصرية للحقوق والحريات، في تقرير نشرته في أغسطس 2025، إنها وثقت تعرض 4828 شخصاً للاختفاء القسري منذ إطلاق الحملة عام 2015، بينهم 185 سيدة.

وأشارت الحملة إلى أن نحو 400 شخص كانوا لا يزالون مختفين وقت نشر التقرير، بينما ظهر الآخرون في أغلب الحالات أمام النيابة، ولا سيما نيابة أمن الدولة العليا.

 

اختبار جديد للعدالة الجنائية

وبين خفض مدد الحبس الاحتياطي، وتوسيع البدائل، والجدل حول "التدوير"، وصولاً إلى ملف الاختفاء القسري، يدخل قانون الإجراءات الجنائية الجديد اختباراً عملياً يتجاوز حدود النصوص التشريعية. فنجاح التعديلات لن يُقاس فقط بعدد المواد التي تغيرت أو السنوات التي خُفضت من الحد الأقصى للحبس الاحتياطي، وإنما بقدرتها على إنهاء الاحتجاز المطول، وضمان المراجعة القضائية الفعلية، ومنع التحايل على الحدود القانونية من خلال إعادة تدوير الاتهامات.

ومع اقتراب الأول من أكتوبر، يظل السؤال الأهم: هل تتحول التعديلات الجديدة إلى تغيير فعلي في حياة المحبوسين احتياطياً، أم تبقى الضمانات الجديدة محكومة بالآليات والممارسات التي طالما أثارت انتقادات حقوقية؟