الحكومة تستبدل الدعم العيني بالنقدي.. والفقراء يخشون ضياع الأمان الغذائي

- ‎فيتقارير

طبقت مصر منظومة دعم المواطنين منذ الحرب العالمية الثانية، حيث كانت تقدم دعما حقيقيا للسلع الأساسية؛ مثل السكر وزيت الطعام والدقيق والاحتياجات الضرورية للمواطنين عن طريق بطاقات التموين، واستمرت الأمور علي هذا النهج حتي  ثورة الخامس والعشرين من يناير عام 2011، وبعدها تولي باسم عودة احد أبناء الثورة وزارة التموين، فاحدث فيها طفرة حقيقية،  فقد اصلح المنظومة كلها بتحسين مخصصات الدعم فقام بتحسين الخبز واقر منظومة تقنية للتوزيع العادل للخبز، ما زالت تعمل الي الان، وادخل تحسينات واضحة علي زيت الطعام  ومنظومة توزيع أسطوانات غاز الطهى، كل هذه التحسينات دون رفع للأسعار، وحافظ علي توفير السلع الغذائية في الحدود الامنة.

وحسب تصريحات رئيس الوزراء بنظام الانقلاب العسكرى  ووزير التموين، تعمل الحكومة حالياً على تنفيذ تحول تدريجي بتقديم دعم نقدي بدلاً من العيني بداية من العام المالي 2026-2027، ضمن خطة شاملة لإعادة هيكلة منظومة الحماية الاجتماعية.

يثيرهذا التحول، والمقرر تطبيقه تجريبياً خلال العام المالي المقبل، مخاوف واسعة لدى المواطنين؛ إذ يعتمد النظام الحالي على تقديم سلع غذائية، وعلى رأسها الخبز، بأسعار أقل بكثير من السوق عبر بطاقات إلكترونية يستفيد منها نحو 63 مليون مواطن لتوفير حد أدنى من احتياجاتهم الأساسية.

أمام أحد المخابز البلدية بحي "سيدي جابر" وسط الإسكندرية، تمسك السيدة عواطف (بائعة خضار، 55 عاماً) ببطاقتها الإلكترونية التي تحصل بموجبها على خمسة أرغفة يومياً وبعض السلع الأساسية، كأنها تمسك بآخر خيوط النجاة، بعد أن تقلص عدد السلع المدعومة تدريجياً ليقتصر على الخبز والسكر والزيت.

 وتعيل عواطف، أربعة أفراد، لذا فتحويل الدعم إلى "جنيهات في المحفظة" مقامرة غير مأمونة العواقب تحت ضغط الغلاء؛ وتقول بنبرة قلق: "الزيت الذي آخذه بـ25 جنيهاً من التموين، سعره في المحل المجاور بـ70 جنيهاً. إذا أعطتني الحكومة المال، فمن يضمن لي ألّا يرفع التاجر سعره في اليوم التالي؟"

في المقابل، تواجه مخاوف المستفيدين طموحاً حكومياً "تقنياً" يهدف إلى ترشيد الإنفاق وتقليل العبء عن الموازنة بطرح آليات تشمل صرف مبالغ نقدية مباشرة، أو تطبيق نظام شراء مشروط، بالاعتماد على قواعد بيانات محدثة وتظهر مسودة الموازنة الجديدة ضخامة التحدي؛ إذ قفزت مخصصات دعم السلع التموينية إلى نحو 178.3 مليار جنيه، بزيادة سنوية 11% تعكس ارتفاع تكلفة تدبير السلع عالمياً ومحلياً، وترى الحكومة أن التحول النقدي سيوفر المليارات الضائعة في حلقات التداول والهالك، ويقضي على مافيا السوق السوداء.

 

تحديات اقتصادية

لكن السؤال الذي يطرحه الخبراء: هل السوق المصرية مرنة لاستيعاب هذه السيولة؟ يقول خبير الاقتصاد وأستاذ التمويل، مدحت نافع، "التحول للدعم النقدي هو الحل الأمثل في الكتب الاقتصادية لأنه يحقق كفاءة الاستهداف ويمنح المواطن حرية الاختيار، لكن التحدي في الواقع المصري يكمن في دقة قواعد البيانات والوصول للمستحقين الحقيقيين"، مضيفا أن كفاءة الدعم النقدي تتطلب أخذ معدلات التضخم في الاعتبار، وربط المنظومة بمراجعة دورية لقيمتها، محذراً من أن التوسع فيه قد يكون أعلى وفراً للحكومة لكنه أقل منفعة للمستفيدين، مع ضرورة ضمان جاهزية المنظومة الرقمية لتحويل الأموال لحظياً دون أعطال تقنية.

يتزامن هذا التوجه مع تباطؤ طفيف في معدل التضخم السنوي ليصل إلى 14.9% في إبريل الماضي، وهو ما تعتبره الحكومة "ضوءاً أخضر" للبدء، بينما يحذر محللون من "التضخم الارتدادي"؛ إذ إنّ خروج مليارات الجنيهات مباشرة لجيوب المواطنين قد يرفع الطلب في السوق الحرة، فتتآكل قيمة الدعم قبل استعماله.

 ويقول الخبير الاقتصادي محمد رجب: "الدولة قطعت شوطاً في تحرير أسعار المحروقات والكهرباء، لكن رغيف الخبز والسلع الأساسية لها طبيعة خاصة تحتاج حماية اجتماعية يوفرها الدعم العيني بفضل ثبات قيمته"، مؤكدا أن الدعم النقدي الثابت في سوق متقلبة ستتراجع قوته الشرائية شهرياً، ما يتطلب "آلية تحريك تلقائي" ترتبط بمؤشر أسعار الغذاء، وهو ما يمثل عبئاً ثقيلاً على موازنة مصر.

 

البعد الاجتماعي للدعم

وتلفت الباحثة الاجتماعية، نجلاء عبد المنعم، إلى زاوية اجتماعية يغفلها التخطيط التقني؛ فالأسر البسيطة ترى في البطاقة التموينية ضمانة لوصول الغذاء للأطفال والنساء بعيداً عن ضغوط الإنفاق الأخرى للمعيل؛ وتحويلها لسيولة قد يُغري بإنفاقها على الديون أو الفواتير، ما يتسبب في تراجع مستويات التغذية، موضحة أن "الدعم العيني يفرض نمطاً استهلاكياً صحياً بالحد الأدنى (زيت، سكر، دقيق)، وفي حال تحوله لنقد معرض للتآكل السريع، قد تختار الأسر شراء سلع أقل قيمة غذائية لكي توفر المال لالتزامات أخرى، وتختتم الباحثة الاجتماعية بالإشارة إلى أن الحكومة تراهن على نجاح تجربة "تكافل وكرامة"، لكن الفارق هنا يكمن في "الحجم"؛ إذ يتسع النطاق ليشمل قطاع التموين الذي يخدم ثلثي الشعب.

وأضافت يتمثل التحدي التقني في ربط الرقم القومي بكارت صرف موحد، وضمان كفاءة شبكات الصرف الآلي ومنافذ الدفع الإلكتروني في قرى ونجوع الصعيد والدلتا، حيث لا تزال الثقافة النقدية التقليدية سائدة والخدمات البنكية ضعيفة.