منذ عام 2013 المشهد الإعلامي في مصر يشهد تحولات واسعة، تمثلت في إحكام السيطرة على المؤسسات الإعلامية والصحفية، سواء عبر الإدارة المباشرة أو من خلال كيانات اقتصادية وإعلامية مقربة من الدولة، الأمر الذي انعكس بشكل واضح على طبيعة الأداء الإعلامي ومستوى التنوع والمنافسة داخل الساحة الصحفية والإعلامية.
وخلال السنوات الماضية، خضعت الصحف القومية والمؤسسات الإعلامية الرسمية لرقابة مشددة، بالتوازي مع تراجع واضح في مستوى المحتوى المهني والتأثير الجماهيري، وهو ما انعكس في انخفاض معدلات التوزيع والمشاهدة، إلى جانب تفاقم الأزمات المالية وارتفاع حجم الديون، في ظل غياب خطط تطوير حقيقية تعيد لهذه المؤسسات دورها وتأثيرها التاريخي.
وفي محاولة لمعالجة الأزمة، طرحت الدولة مبادرات لتطوير الإعلام الرسمي، شملت المؤسسات الصحفية القومية واتحاد الإذاعة والتلفزيون "ماسبيرو"، غير أن التسريبات المتعلقة بمقترحات التطوير أثارت جدلاً واسعاً، خاصة مع طرح أفكار تتعلق بتحويل المؤسسات الصحفية القومية إلى شركات مساهمة ودمج بعض المؤسسات الكبرى، وهو ما اعتبره منتقدون تمهيداً لخصخصة تدريجية لهذه المؤسسات التاريخية.
ويستند هذا الطرح إلى الأزمة المالية المتفاقمة التي تعانيها المؤسسات الصحفية، إذ تواجه ديوناً ضخمة للبنوك وهيئة التأمينات الاجتماعية، في وقت تعاني فيه من ضعف الإيرادات وتراجع التأثير الجماهيري، ما دفع بعض الأصوات للمطالبة بإعادة هيكلة شاملة تتضمن تقليص النفقات ودمج الكيانات الخاسرة.
لكن معارضين لهذه التوجهات يرون أن الأزمة لم تكن نتيجة طبيعية لتراجع الصحافة الورقية فقط، بل جاءت أيضاً نتيجة اختيارات إدارية غير مهنية، وغياب الكفاءات الصحفية، وتراجع هامش الحرية، إلى جانب توقف التعيينات داخل المؤسسات الصحفية لسنوات طويلة، ما أدى إلى ضعف نقل الخبرات المهنية للأجيال الجديدة.
ويؤكد هؤلاء أن المؤسسات الصحفية القومية لعبت لعقود دوراً محورياً في تشكيل قوة مصر الناعمة، وكانت بمثابة المدرسة التي خرجت أجيالاً من الصحفيين والإعلاميين الذين ساهموا في تطوير الصحافة العربية، كما مثلت أحد أهم أدوات التأثير الثقافي والسياسي المصري في المنطقة.
كما يثير الحديث عن دمج المؤسسات الصحفية أو نقل مقارها التاريخية مخاوف من استهداف الأصول العقارية المملوكة لها، خاصة أن العديد من هذه المؤسسات يمتلك مقرات وأصولاً ذات قيمة كبيرة في قلب القاهرة، وهو ما يدفع البعض للاعتقاد بأن البعد الاقتصادي والعقاري أصبح حاضراً بقوة في خطط إعادة الهيكلة.
ويشير منتقدو السياسات الحالية إلى أن تراجع أداء الصحافة لا يرتبط فقط بالتحول العالمي نحو الإعلام الرقمي، إذ نجحت مؤسسات ومنصات إعلامية عديدة في تحقيق انتشار واسع عبر الإنترنت، بينما فشلت المواقع التابعة للمؤسسات القومية في استعادة جمهورها، ما يعكس – بحسب رأيهم – أزمة إدارة ومحتوى أكثر من كونه أزمة وسيلة نشر.
وفي المقابل، ترى جهات مؤيدة لخطط التطوير أن استمرار الوضع الحالي بات مستحيلاً اقتصادياً، وأن إعادة الهيكلة أصبحت ضرورة لضمان بقاء المؤسسات الإعلامية، سواء عبر الدمج أو تحديث الإدارة أو البحث عن مصادر تمويل واستثمار جديدة.
وبين دعوات التطوير ومخاوف الخصخصة، تبقى المؤسسات الصحفية والإعلامية المصرية أمام تحدٍّ مصيري يتعلق بمستقبل دورها المهني والثقافي، وقدرتها على استعادة ثقة الجمهور والحفاظ على مكانتها التاريخية كأحد أبرز أدوات القوة الناعمة المصرية.