القضاة هم الحصن الأهم في منظومة العدالة في أي نظام، وأي خلل يصيب هذه المنظومة معناه أن هذا النظام انتشر فيه الظلم، والظلم يأذن بخراب العمران والزوال السلطان، منظومة العدالة تحت حكم الانقلاب مختلة تقضي بأشد الأحكام على أصحاب الحقوق، وتطلق سراح المجرمين المحسوبين عليها.
أخلت نيابة أمن الدولة العليا يوم الاثنين 6 أبريل 2026، سبيل نائب رئيس محكمة النقض القاضي محمد سلامة، والذي ألقت هيئة الرقابة الإدارية القبض عليه يوم الأحد 5 أبريل الجاري، على خلفية اتهامه باستغلال النفوذ ومحاولة رشوة أحد القضاة للتأثير على حكم قضائي.
تعود الواقعة إلى شكوى رسمية تقدم بها أحد قضاة محكمة النقض وليد إبراهيم الشامية في الأسبوع الأول من مارس الماضي.
تضمنت الشكوى اتهامات مباشرة للقاضي محمد سلامة بمحاولة التوسط لديه في إحدى القضايا المنظورة أمام المحكمة، مقابل منفعة مادية، عبر وسطاء من المحامين، بحسب أربعة مصادر هم نائب لرئيس محكمة النقض وعضو مجلس القضاء الأعلى، واثنان من نواب رئيس محكمة النقض، وقاضٍ بدرجة رئيس محكمة استئناف القاهرة، جار للقاضي المذكور، تحدثوا وطلبوا عدم ذكر أسمائهم.
وأشارت المصادر إلى أن الشكوى التي قدمها القاضي بمحكمة النقض لم تكن مجرد بلاغ عابر، بل تضمنت تفاصيل دقيقة حول محاولات تواصل جرت معه، بهدف التأثير على مسار طعن على حكم في قضية آثار منظورة أمام الدائرة التي يعمل بها بهدف تبرئة المتهمين، وهو ما اعتبره مساسًا مباشرًا باستقلال القضاء ونزاهة الأحكام.
وبعد رفع الشكوى إلى مجلس القضاء الأعلى، الذي تعامل معها بدرجة عالية من الجدية، خاصة في ظل حساسية موقع المشكو في حقه، كونه يشغل منصبًا رفيعًا داخل محكمة النقض، أعلى جهة قضائية في البلاد.
وقرر مجلس القضاء الأعلى، بعد فحص الشكوى وما تضمنته من مؤشرات، رفع الحصانة القضائية عن القاضي محمد سلامة، وهو إجراء لا يتم اللجوء إليه إلا في حالات نادرة تتطلب وجود دلائل قوية تستدعي التحقيق.
وجاء رفع الحصانة بعد الاطلاع على معلومات أولية مؤكدة، وتسجيلات تم توثيقها، يُعتقد أنها ترصد وقائع تواصل واتفاقات بين القاضي وعدد من المحامين، بشأن التوسط في القضية محل الشكوى، بخلاف تواصل القاضي مع زميله مقدم الشكوى.
الرقابة الإدارية تسلمت القضية
أخطر مجلس القضاء الأعلى عقب رفع الحصانة هيئة الرقابة الإدارية، التي باشرت بدورها إجراءاتها، وقامت بتوثيق الوقائع محل الاتهام من خلال وسائل فنية، أكدت – وفق المصادر وجود معلومات تشير إلى أن الهيئة أعدت مأمورية لضبط المتهم، بعد استصدار الأذون القانونية اللازمة، بالتنسيق مع الجهات القضائية المختصة.
وفي صباح يوم الأحد الماضي، تحركت قوة من "الرقابة الإدارية" إلى مدينة المنصورة بمحافظة الدقهلية، حيث يقيم القاضي محمد سلامة.
وتمت عملية القبض داخل العقار السكني الذي يقيم به، وسط انتشار أمني مكثف، وصفه أحد الجيران – وهو قاض يسكن في نفس البرج – بأنه "كان مشهدًا مرعبًا".
اُقتيد القاضي محمد سلامة عقب القبض عليه إلى مقر هيئة الرقابة الإدارية بالقاهرة، وخضع لتحقيقات مطولة استمرت لساعات، تم خلالها مواجهته بما أسفرت عنه التحريات والتسجيلات.
وفي اليوم التالي، الإثنين، عُرض على نيابة أمن الدولة العليا، التي باشرت التحقيق معه رسميًا، وواجهته بالأدلة الفنية، والتي تضمنت بحسب المصادر تسجيلات توثق اتفاقات تتعلق بالحصول على رشوة مقابل استغلال النفوذ.
ولم تقتصر الواقعة على القاضي وحده، إذ أكدت المصادر أنه تم ضبط ثلاثة محامين على صلة بالواقعة، وهم: حازم منصور، ومحمود الشركي، وعبد الله عاشور، وذلك للاشتباه في توسطهم في عرض رشوة مقابل التدخل في القضية.
وتشير المعلومات إلى أن المحامين الثلاثة كانوا طرفًا في الاتفاق محل التحقيق، وأن دورهم تمثل في التنسيق مع القاضي لنقل طلبات موكليهم، والسعي للحصول على حكم براءة عبر التأثير على الدائرة المختصة.
الاستقالة أو الحبس
خَيّر مجلس القضاء الأعلى، وبالتنسيق مع الجهات المعنية، القاضي محمد سلامة، إما الاستمرار في التحقيقات، وما قد يترتب عليها من حبسه احتياطيًا، موضحا أن هذا النوع من الخيارات سبق تطبيقه في حالات مشابهة عديدة، خاصة عندما يتعلق الأمر بقضاة يشغلون مناصب رفيعة، تجنبًا لتداعيات مؤسسية أوسع.
وبحسب المعلومات، فقد اختار المستشار محمد سلامة تقديم استقالته من منصبه كنائب لرئيس محكمة النقض، وهو ما ترتب عليه إخلاء سبيله من سراي النيابة مساء الإثنين الماضي، إلى جانب المحامين الثلاثة، في انتظار ما ستؤول إليه الإجراءات لاحقًا، وتشير المصادر إلى أن قرار إخلاء السبيل لا يعني بالضرورة انتهاء الملف بشكل كامل.
قضاة فاسدون " قضاة لا يخافون الله"
واقعة سلامة ليست الأولى من نوعها، بل تأتي ضمن سلسلة وقائع سابقة شهدت اتهام قضاة بارزين بتلقي رشاوي أو استغلال نفوذهم للتأثير على أحكام قضائية، في قضايا أثارت جدلًا واسعًا داخل الأوساط القانونية والرأي العام.
وبحسب مصادر قضائية مطلعة، فإن السنوات الأخيرة شهدت عدة قضايا بارزة تورط فيها قضاة في اتهامات تتعلق بالرشوة، خاصةً في قضايا جنائية واقتصادية كبرى.
ففي شهر نوفمبر 2025، على سبيل المثال، أُحيل قاض بارز بمحكمة الجنايات إلى المحاكمة الجنائية، على خلفية اتهامه بتلقي رشاوي مالية ضخمة من متهمين في قضايا خطيرة، مقابل إصدار أحكام بالبراءة أو تخفيف العقوبات.
القضية حملت رقم 17963 لسنة 2025 جنايات التجمع الأول، ومقيدة برقم 5210 لسنة 2025 جنايات أمن الدولة العليا، وضمت 11 متهمًا، يتصدرهم القاضي ياسر محمد عبده الوصيف، الرئيس بمحكمة استئناف الإسكندرية، ورئيس الدائرة الثانية عشرة بمحكمة جنايات دمنهور.
شملت الاتهامات في هذه القضية، تلقي مبالغ مالية تجاوزت المليون جنيه، من متهمين في قضايا شديدة الخطورة، من بينها القتل العمد، والاتجار بالمخدرات، والاغتصاب، والاستيلاء على المال العام.
وتعد هذه القضية نموذجًا مختلفًا عن الواقعة الحالية، إذ تشير المصادر إلى أن القاضي المتهم حينها رفض تقديم استقالته، مفضلًا خوض مسار التحقيق والمحاكمة حتى نهايته، وهو ما أدى إلى تحريك الدعوى الجنائية، دون اللجوء إلى أي تسويات إجرائية.
ومن بين أبرز القضايا التي لا تزال حاضرة في الذاكرة القضائية، قضية القاضي سامي محمود علي عبد الرحيم، المعروف إعلاميًا بـ"قاضي الإرهاب"، والذي شغل منصب قاض بمحكمة استئناف الإسماعيلية، وترأس دوائر قضائية أصدرت أحكاما بارزة في قضايا ذات طابع سياسي وجنائي.
ففي 21 أغسطس 2022، أصدرت محكمة جنايات بورسعيد حكمًا بإدانته في قضية فساد كبرى تضمنت عدة وقائع رشوة، بعد ثبوت تلقيه مبالغ مالية وهدايا عينية من متهمين كانوا يمثلون أمام دائرته، مقابل منحهم أحكامًا بالبراءة.
وحصل القاضي على 16 مليون جنيه من تجار مخدرات وسلاح مقابل الحكم ببراءتهم في قضية جلب وتهريب، بخلاف 17 جنيه ذهب و4 هواتف محمولة من أحد المتهمين، و6 ملايين جنيه من مهربين مقابل أحكام بالبراءة.
كما كشفت التحقيقات عن وقائع أكثر خطورة، تمثلت في ضبط بندقية آلية محظور تداولها بحوزته، إلى جانب مواد مخدرة (حشيش وأفيون)، أثناء القبض عليه.
وقضت المحكمة حينها بمعاقبته بالسجن بإجمالي 24 سنة، وغرامات مالية بلغت 3 ملايين و610 آلاف جنيه، موزعة على عدة اتهامات، من بينها الرشوة، وحيازة سلاح ناري بدون ترخيص، وحيازة مواد مخدرة.
وتُوفي القاضي داخل محبسه بتاريخ 7 سبتمبر 2024، بعد أن أصبح الحكم الصادر ضده نهائيًا.