لم تعد الجرائم الأسرية في مصر حوادث فردية أو استثناءات صادمة، بل تحولت خلال ما يُعرف بـ"العشرية السوداء" التي أعقبت انقلاب يوليو إلى ظاهرة متصاعدة، تعكس انهياراً عميقاً في البنية الاجتماعية والنفسية للمجتمع، في ظل تدهور اقتصادي حاد، وغلاء أسعار خانق، وغياب شبه كامل لأدوار التوعية والدعم التي كانت تقوم بها المساجد والإعلام قبل أن يُحاصرها المنقلب السيسي وعصابته العسكرية.
وباتت البيوت، التي يُفترض أن تكون المساحة الأكثر أماناً، مسرحاً لجرائم قتل جماعي وتصفيات عائلية تتسم بوحشية غير مسبوقة، وتفوق في قسوتها كثيراً من الجرائم التي تقع في الفضاء العام.
بيانات المركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية تشير إلى تصاعد مقلق في الجرائم الأسرية، إذ ارتفع عددها من 320 جريمة عام 2015 إلى 650 جريمة عام 2019، في مسار تصاعدي حاد لم يقتصر على الكم فقط، بل شمل أيضاً نوعية الجرائم، من حيث التخطيط المسبق، واستهداف أكثر من فرد داخل الأسرة الواحدة، واستخدام وسائل قتل عنيفة.
وتؤكد مؤسسة "إدراك للتنمية والمساواة" هذا المنحى، موثقة نحو 1250 جريمة عنف أسري خلال عام واحد، ما يعني أن المعدلات تضاعفت قرابة أربع مرات خلال عقد، في مؤشر على تفكك داخلي عميق تعيشه الأسر المصرية.
القتل بديلاً عن الطلاق
مصادر قضائية مطلعة تؤكد أن الخلافات الأسرية التي كانت تُحل سابقاً بالانفصال أو الطلاق أو القطيعة، باتت تنتهي في عدد متزايد من القضايا بالقتل، وكأن العنف أصبح اللغة الأخيرة لحسم النزاعات داخل الجدران المغلقة.
وفي واحدة من أكثر القضايا صدمة، أحالت النيابة العامة رجلاً إلى المحاكمة بعد قتله أبناءه الأربعة وإلقائهم في مياه الملاحات غرب الإسكندرية، وذلك بعد عام من قتله زوجته ودفنها سراً، المتهم برر جريمته أولاً بضيق الحال والعجز عن الإنفاق، قبل أن يتراجع مدعياً الشك في سلوك زوجته، في نموذج فج يعكس كيف يتحول الفقر والقهر إلى عنف أعمى.
قضاء يتراجع ثم يتدارك
وفي الفيوم، ألغت محكمة الجنايات الاستئنافية حكماً ببراءة متهم بقتل نجله، وقضت بسجنه ست سنوات، بعد أن قبلت استئناف النيابة العامة التي طعنت على الحكم الأول لخطئه في تطبيق القانون، خاصة ما يتعلق بادعاء "الدفاع عن العرض"، القضية كشفت كيف يمكن لتفسيرات قانونية متساهلة أن تفتح الباب لتبرير القتل داخل الأسرة، قبل أن يُعاد تصحيحها تحت ضغط الوقائع.
إبادة أسرية ووصاية قاتلة
خلال عامي 2024 و2025 وبداية العام الحالي، شهدت مصر سلسلة جرائم هزت الرأي العام. في المنيا، دسّت زوجة أب مادة سامة في خبز قُدم لزوجها وأبنائه الستة، فماتوا جميعاً خلال ساعات، في واحدة من أبشع جرائم الإبادة الأسرية، انتهت بإعدام المتهمة بعد ثبوت التخطيط المسبق وسلامة قواها العقلية.
وفي الشرقية، قتل أب ابنته البالغة 17 عاماً خنقاً لإصرارها على فسخ خطوبتها واستكمال تعليمها، وفي الجيزة، قُتلت فتاة على يد ثلاثة من أقاربها لمعاقبتها على الزواج من دون علم الأسرة، رغم ثبوت شرعية الزواج، في جرائم تعكس استمرار مفاهيم مشوهة للوصاية والشرف.
الفقر والغضب والمخدرات
جرائم أخرى كشفت ارتباط العنف الأسري بالضغط الاقتصادي المباشر، في القليوبية، ذبح رجل زوجته ثم توجه لأداء صلاة الفجر، معترفاً لاحقاً بأن السخرية المستمرة من فقره فجرت غضبه المكبوت، وفي الجيزة، تركت أم أبناءها الثلاثة انتقاماً من زوجها، ما أدى إلى وفاة أحدهم وإصابة الآخرين بهزال شديد.
تقارير جنائية تؤكد أن الطعن والخنق يتصدران أدوات القتل داخل الأسرة، وأن المخدرات التخليقية، وعلى رأسها "الشبو"، حاضرة بقوة في جرائم قتل الأصول، مع تسجيل حالات كثيرة لمرتكبي جرائم بلا سوابق، ما يشير إلى تحولات سلوكية مفاجئة لا إلى إجرام تقليدي.
غياب الدعوة والإعلام.. فراغ قاتل
يرى مختصون أن هذا الانفجار لا يمكن فصله عن تغييب الدور الدعوي والتوعوي للمساجد، وتجفيف المنابر من أي خطاب اجتماعي أو أخلاقي فاعل، إلى جانب إعلام رسمي يروّج للإنجازات الوهمية ويتجاهل الأزمات اليومية للمواطنين، ما ترك الأسر وحدها في مواجهة الفقر والغضب والاضطرابات النفسية.
الدكتورة رشا محمد، أستاذة علم النفس، تشير إلى أن إنكار المرض النفسي ووصمه، وتفسير الاكتئاب والاضطرابات الحادة على أنها "ضعف إيمان"، يؤدي إلى انفجارات عنف غير متوقعة، فيما يحذر استشاري الطب النفسي الدكتور جمال فرويز من أن المجتمع لم يبلغ ذروة الظاهرة بعد، بل يعيش بدايتها، في ظل تآكل أخلاقي ونفسي متسارع وضغوط معيشية خانقة.
مجتمع يعتاد الدم
الأخطر، بحسب الخبراء، هو الاعتياد على العنف، حيث لم تعد الجرائم صادمة كما كانت، بل تُستهلك كأخبار عابرة، ما يفقد المجتمع حساسيته الأخلاقية تدريجياً، ومع تطبيع الغضب وغياب قنوات التفريغ الآمن، تبقى الأسرة الحلقة الأضعف والأقرب إلى الانفجار.
ويجمع المتخصصون على أن المواجهة الأمنية وحدها لا تكفي، وأن إنقاذ ما تبقى من المجتمع يبدأ بإعادة الاعتبار للصحة النفسية، ورفع الحصار عن أدوار التوعية الدينية والإعلامية، وتقديم دعم حقيقي للأسر المنهكة، قبل أن تتحول الجرائم الأسرية من ظاهرة صامتة إلى واقع يومي لا يثير حتى الدهشة.
