شهدت الأسواق المصرية في مطلع فبراير 2026 موجة غير مسبوقة من ارتفاع أسعار الدواجن، حيث وصلت أسعار الفراخ البيضاء إلى ما بين 105 و120 جنيهًا للكيلو، مقارنة بـ70 جنيهًا فقط في ديسمبر الماضي. هذه القفزة التي تجاوزت 70% أثارت جدلًا واسعًا حول أسبابها، خاصة مع الإعلان عن اتفاق ثلاثي بين وزارتي الزراعة والتموين وجهاز "مستقبل مصر" لاستيراد دواجن مجمدة وطرحها بالمنافذ قبل شهر رمضان.
وجاء الخبر الذي أُعلن عن الاتفاق الثلاثي خلال اجتماع ضم وزير الزراعة بحكومة الانقلاب علاء فاروق، ووزير التموين بحكومة الانقلاب شريف فاروق، ورئيس جهاز مستقبل مصر العميد بهاء الغنام، ليُظهر أن الدولة تتعامل مع أزمة الدواجن كملف أمني واقتصادي في آن واحد.
وجاء وجود جهاز "مستقبل مصر" إلى جانب وزارتي الزراعة والتموين ليعكس أن الملف لم يعد مجرد قضية إنتاج محلي، بل أصبح جزءًا من منظومة الأمن الغذائي التي تُدار عبر مؤسسات سيادية.
وهذا يعزز فكرة أن الجيش أصبح لاعبًا اقتصاديًا مباشرًا في قطاعات مدنية، وهو ما يثير جدلًا حول طبيعة الاقتصاد المصري ومستقبل القطاع الخاص.
وارتفاع أسعار الدواجن إلى 120 جنيهًا للكيلو ليس مجرد أزمة عرض وطلب، بل هو انعكاس لهشاشة صناعة الدواجن المحلية واعتمادها على الأعلاف المستوردة، إضافة إلى غياب التخطيط لمواسم الاستهلاك المرتفع مثل رمضان
استعدادات رمضان
وجاء الاتفاق الذي أُعلن عنه لهدف معلن بتعزيز المعروض وضبط الأسواق مع اقتراب شهر رمضان، الذي يشهد عادةً زيادة كبيرة في الطلب على السلع الغذائية الأساسية، وفي مقدمتها الدواجن، الاتفاق ينص على استيراد كميات كبيرة من الدواجن المجمدة ومجزءاتها من عدة دول، لضمان تنوع مصادر الإمداد واستدامة توافر السلعة، على أن تصل الشحنات الأولى قبل رمضان وتُطرح بأسعار مخفضة عبر منافذ الجهات الثلاث المنتشرة في مختلف المحافظات.
العائد على الجيش
وفي الوقت ذاته ينافس جهاز "مستقبل مصر" من جوانب الزراعة (زراعة واستيراد القمح – ومزارع الأسماك – الإشراف على البحيرات- والمليون ونصف فدان) كأحد الأذرع الاقتصادية التابعة للقوات المسلحة، جهاز الخدمة الوطنية، وبالتالي فإن دخوله في ملف استيراد الدواجن يفتح بابًا واسعًا للنقاش حول العائد المالي.
فالاستيراد يتم بالدولار، وهو ما يعني أن الجهاز يحصل على امتيازات في توفير العملة الصعبة، بخلاف الشركات الخاصة (إلا التي تدور في فلك المصالح مع القوات المسلحة مثل شركة الجميل) ثم يطرح الدواجن في السوق بأسعار يحددها بالتنسيق مع الوزارات.
والعائد المباشر يتمثل في أرباح الاستيراد والبيع، بينما العائد غير المباشر هو تعزيز نفوذ الجهاز في سوق الغذاء، ليصبح لاعبًا رئيسيًا في ضبط الأسعار أو التحكم فيها، هذا الدور يثير انتقادات من جانب بعض خبراء الاقتصاد الذين يرون أن تدخل الجيش في قطاعات مدنية مثل الدواجن يُضعف المنافسة ويُقصي القطاع الخاص.
الصناعة الوطنية
واستيراد الدواجن المجمدة يُنظر إليه من زاويتين متناقضتين، من جهة، هو حل سريع لأزمة ارتفاع الأسعار ونقص المعروض، خاصة في مواسم مثل رمضان، ومن جهة أخرى، يُعتبر ضربة لصناعة الدواجن المحلية التي تعاني أصلًا من ارتفاع تكاليف الأعلاف والطاقة والتمويل. دخول كميات كبيرة من الدواجن المستوردة بأسعار أقل يضغط على المنتجين المحليين، ويُضعف قدرتهم على المنافسة، ما قد يؤدي إلى خروج بعض المزارع الصغيرة من السوق، هذا الوضع يعكس هشاشة صناعة الدواجن في مصر، التي تتأثر بشكل كبير بأي تغير في أسعار الأعلاف أو الطلب الموسمي.
لماذا تهتز الصناعة ؟
وتعاني صناعة الدواجن في مصر من عدم الاستقرار الهيكلي، ففي مواسم مثل رمضان أو الأعياد، يرتفع الطلب بشكل مفاجئ، بينما لا تكون هناك خطط إنتاجية مرنة تستوعب هذه الزيادة. النتيجة هي ارتفاع الأسعار بشكل مبالغ فيه، ما يفتح الباب أمام تدخل الدولة عبر الاستيراد أو طرح منتجات عبر منافذها، اتحاد الدواجن والغرف التجارية أكد أن الزيادات الأخيرة "غير مبررة"، لكنها في الواقع تعكس ضعف قدرة الصناعة على التخطيط طويل الأجل، إضافة إلى اعتمادها الكبير على الأعلاف المستوردة التي ترتبط أسعارها بتقلبات الدولار.
فرصة الاكتفاء الذاتي
أضاع انقلاب الثالث من يوليو 2013 على الرئيس الشهيد محمد مرسي فرصة تاريخية للشعب المصري في تحقيق شعارات ثورة يناير المتمثلة في العيش والحرية والعدالة الاجتماعية، وجد المصريون أنفسهم أمام سلطة انقلابية تستكمل ما تردد نظام مبارك في تنفيذه، عبر التفريط في حقوق المواطن الأساسية، وقد تجلت رؤية مرسي حين شدد على ضرورة الاعتماد على الذات في إنتاج الغذاء والدواء والسلاح باعتبارها ركائز الاستقرار والتنمية وضمان الإرادة الوطنية.
في ظل هذه الأوضاع، ظهرت في 2019 قضية "دجاجة السيسي" القادمة من البرازيل، حيث استوردت شركات الجيش دواجن مجمدة بأسعار منخفضة للغاية، لا تتجاوز 19 جنيهًا للفرخة الواحدة وفقًا للأسعار المعلنة من الحكومة البرازيلية، مع حصول المستوردين على إعفاءات ضريبية وجمركية.
وهذا الاستيراد حظي بتغطية إعلامية واسعة، لكنه أعاد إلى الأذهان مواقف مرسي المستقلة التي أثارت استنفار الحكومات الغربية، وأكدت أن الانقلاب جاء ليقطع الطريق على تجربة سياسية مختلفة.
وتصاعد الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي بشأن تدمير صناعة الدواجن المحلية، خاصة بعد أزمة الأعلاف التي أدت إلى إعدام كميات كبيرة من الكتاكيت وخروج مزارع عديدة من السوق.
ورغم تبريرات الاستيراد بأنه يهدف إلى تحقيق التوازن بين العرض والطلب، فإن الشارع المصري اعتبره خطوة إضافية في ضرب الصناعة الوطنية.
ومع إعلان حكومة السيسي عن طرح الفراخ المجمدة المستوردة من البرازيل، تصدّر هاشتاج #الفراخ_المجمدة مواقع التواصل الاجتماعي، حيث شكك كثير من المستخدمين في سلامتها الصحية والشرعية، واعتبروا هذه الخطوة بمثابة نهاية لصناعة الدواجن الوطنية، الجدل ارتبط أيضًا بسياسة الحكومة في منع دخول الأعلاف عبر الموانئ، ما أدى إلى أزمة خانقة للمزارع المحلية، بينما سمحت في الوقت نفسه باستيراد الدواجن المجمدة، وهو ما أثار سخرية واسعة على السوشيال ميديا.
المعلقون رأوا أن الحكومة تبرر عجزها عن توفير الدولار لاستيراد الأعلاف، لكنها توفره بسهولة لاستيراد عشرات آلاف الأطنان من الدواجن المجمدة، بل وتمنحها إعفاءات جمركية كما حدث في أبريل 2022 وأكتوبر الماضي. هذا التناقض دفع كثيرين إلى القول: إن "ما يجري ليس مجرد فشل اقتصادي، بل مخطط لتدمير الصناعة الوطنية التي كانت توفر فرص عمل لمئات الآلاف من المصريين".
النقاش على المنصات الرقمية اتجه أيضًا إلى فكرة "السبوبة"، حيث أشار ناشطون إلى الفارق الكبير بين سعر شراء الطن من البرازيل الذي لا يتجاوز 470 دولارًا، وسعر البيع في السوق المحلية الذي يصل إلى أضعاف ذلك، بما يعني أرباحًا هائلة للجهات المستوردة، البعض اعتبر أن هذه الأرباح تصب في جيوب مؤسسات سيادية على حساب المواطن البسيط، فيما دعا آخرون إلى مقاطعة الفراخ المجمدة وتركها "تعفن" في المخازن كنوع من المقاومة الشعبية.
