رصد مراقبون صعود الفاسدين وأصحاب النفوذ السلطوي منذ وصول النظام العسكري الحالي إلى السلطة في مصر عام 2013، وقد تشكّلت معه بنية حكم تعتمد على مركزية القرار، وتغوّل الأجهزة الأمنية، وتداخل المصالح بين السلطة السياسية والمؤسسة العسكرية.
ورأي المراقبون أن ما يحدث مؤشر على صراع داخل الدولة، فمع مرور السنوات تتكشّف طبقات متعددة من الفساد البنيوي الذي لم يعد مقتصراً على ممارسات فردية، بل أصبح جزءاً من آلية الحكم وإدارة الدولة.
والحقيقة بحسب محللين أنه منذ 2013 وحتى اليوم، لم يتغير جوهر النظام، بل تعمّق الفساد وتغلغل في مؤسسات الدولة كافة، وما تكشفه هذه القضايا ليس سوى جزء صغير من منظومة أكبر، تُدار فيها الدولة بمنطق الولاء لا الكفاءة، وبمنطق القوة لا القانون.
ومع استمرار الأزمات الاقتصادية والسياسية، يبدو أن بنية الفساد لم تعد مجرد عرض جانبي للنظام، بل أصبحت أحد أعمدته الأساسية.
والوقائع المتداولة أخيرا كشفت عن صورة أكثر وضوحاً لطبيعة هذا الفساد، سواء داخل المؤسسة العسكرية، أو في السلك الدبلوماسي، أو في الجهاز القضائي.
عماد حنا وسفارة خاصة
لم يقتصر الفساد على الداخل، فبحسب المراقبين ومنهم @GenZ002_eg امتد إلى السلك الدبلوماسي، كما تكشفه قضية السفير عماد حنا في هولندا، فالرجل، الذي يفترض أن يمثل الدولة المصرية، يواجه اتهامات متداولة باستغلال مقر السفارة – الذي يُعد أرضاً مصرية – في علاقات وسلوكيات مشبوهة، بما في ذلك ادعاءات بخيانة زوجية داخل مؤسسة سيادية.
هذه الوقائع، ــ إن صحت ــ ، تعكس حالة من الانهيار في معايير اختيار المسؤولين، حيث يبدو أن الولاء للنظام، أو “طول اللسان” كما يصفه البعض، بات معياراً أهم من الكفاءة أو النزاهة، وتحوّل السفارات إلى مساحات خاصة يعكس غياب الرقابة، وتراجع هيبة الدولة، وتغلغل الفساد في مؤسسات يفترض أنها تمثل مصر أمام العالم.
إمبراطورية المستشار محمد أبو الحسب
وتكشف قضية المستشار محمد أبو الحسب عن أخطر أشكال الفساد، لأنها تتعلق بجهاز يفترض أنه حارس العدالة، فالرجل، وفق ما نشرته عائشة السيد،@aishaalsayed9 لم يكن مجرد مستشار، بل قائداً لشبكة إجرامية معقدة تضم عصابات لسرقة الذهب والمقتنيات الثمينة، وغسيل أموال المخدرات، والإتجار فيها، إضافة إلى شبكات رشاوى داخل النيابة نفسها.
تضخمت ثروة أبو الحسب لتتجاوز 350 مليون جنيه، ما أثار شكوك بعض الضباط الذين حاولوا التحقيق، لكن “آلة الفساد” – كما توصف – كانت أسرع، فتم إيقافهم عن العمل.
وفي 2016، وبعد خلافات بين شركائه، اعتُقل شكلياً، لكنه لجأ إلى إحراق مستودع أحراز نيابة الهرم لمحو الأدلة، ورغم توجيه اتهام رسمي له، حصل لاحقاً على البراءة بعد تسوية خلافاته، ثم عاد لإدارة شبكته لثلاث سنوات أخرى.
وفي 2020، تم نقله إلى وظيفة غير قضائية، ليس كعقوبة، بل كعملية “غسيل سمعة” لحماية صورة المؤسسة القضائية، واليوم، يُقال إن ثروته تجاوزت 450 مليون جنيه، وإنه يستعد للهروب خارج البلاد.
صعود نفوذ اللواء شريف فكري
وأثارت التسريبات التي تحدث عنها الإعلامي محمد ناصر بحسب @egy_technocrats عن تصاعد نفوذ اللواء شريف فكري، رئيس المخابرات الحربية، جدلاً واسعاً، فالرجل، وفق ما يُتداول، بات يُنظر إليه كأحد أقوى الشخصيات داخل الجيش، مستفيداً من موقعه الحساس في جهاز يُعدّ من أهم مفاصل السلطة، بحكم دوره في مراقبة الضباط وتقييم الولاءات داخل المؤسسة العسكرية.
وتشير المعلومات إلى أن فكري يُوصف بأنه “رجل الإمارات الأول” داخل الجيش، في ظل علاقة وثيقة تربطه بمحمد بن زايد، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول حجم النفوذ الإقليمي في رسم ملامح السلطة داخل مصر.
كما يُقال إن فكري لا يخفي طموحه السياسي، ويستعد ليكون خياراً جاهزاً لخلافة السيسي إذا وصلت الأزمات الاقتصادية والسياسية إلى نقطة انسداد.
لكن هذا الطرح يصطدم بواقع أن السيسي بنى نظامه على تفكيك مراكز القوة داخل الدولة، ومنع أي شخصية عسكرية من امتلاك نفوذ مستقل، لذلك يرى مراقبون أن تداول اسم فكري يعكس حالة قلق داخل النظام من سيناريو ما بعد السيسي، أكثر مما يعكس وجود ترتيبات حقيقية للخلافة، فالنظام، كما يؤكد هؤلاء، لن يسمح بانتقال للسلطة خارج إطار إعادة إنتاجه لنفسه.
ووفق هذه التسريبات، فإن اللواء شريف فكري لا يُخفي طموحه السياسي، ويسعى لأن يكون خيارًا جاهزًا لتولي السلطة في حال وصول نظام السيسي إلى نقطة انسداد، سواء بفعل الضغوط الاقتصادية أو التوترات السياسية والأمنية المتصاعدة.
في المقابل، تطرح هذه المعطيات تساؤلات جوهرية حول مدى قدرة أي شخصية عسكرية، مهما بلغ نفوذها، على التحرك خارج إرادة السيسي، المعروف بإدارته الصارمة لمراكز القوة داخل الدولة، واعتماده سياسة إضعاف وتفكيك أي جناح قد يشكل تهديدًا محتملاً لبقائه في الحكم.
ويرى مراقبون أن طرح اسم شريف فكري في هذا التوقيت يعكس حالة قلق داخل دوائر السلطة من سيناريو ما بعد السيسي، أكثر مما يعكس حسمًا فعليًا لمسألة الخلافة، مؤكدين أن أي انتقال للسلطة داخل النظام القائم لن يكون إلا في إطار إعادة إنتاجه، لا تغييره بحسب محمد ناصر.
فساد لا يتغير بل يتوسع
ويرى محللون أن هذه الوقائع تكشف عن نمط متكرر لشخصيات نافذة داخل الجيش تمتلك طموحات سياسية وتستفيد من دعم خارجي ومسؤولون دبلوماسيون يتصرفون في مؤسسات الدولة كأنها ملكيات خاصة وقضاة ومسؤولون في النيابة يقودون شبكات فساد محمية من داخل النظام نفسه.
ويعتبرون أن هذا ليس فساداً فردياً، بل فساد بنيوي نابع من غياب الشفافية، وانعدام الرقابة، واحتكار السلطة، وتداخل المصالح بين الأجهزة الأمنية والاقتصادية والقضائية.
