ضمن سياسات التوحش الرأسمالي وتخلي الدولة عن مسؤوليتها الاجتماعية تجاه مواطنيها، وخاصة الفقراء وسكان العشوائيات، وجهت وزارة التنمية المحلية بحكومة الانقلاب خطابات لقاطني 3126 وحدة سكنية بمناطق السكن البديل للعشوائيات، لطردهم قبل نهاية شهر سبتمبر الجاري لعدم التزامهم بسداد قيمة إيجار الوحدات السكنية.
ألزمت الوزارة السكان المقيمين في الوحدات السكنية بسداد المستحقات المالية خلال أيام لوقف إجراءات الطرد الفوري، بشرط التوقيع على تعهد يلزم المتأخرين بموافقتهم المسبقة على إخلاء الوحدات السكنية في حالة تكرار عدم دفع الإيجارات في التوقيتات المطلوبة من الإدارات التابعة لها بالمحافظات.
وبَررتْ الوزارة قرارات الطرد بأنها جاءت التزامًا بتعليمات رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي، التي أقرها خلال اجتماعه الأول بمجلس المحافظين نهاية أغسطس الماضي، والذي شَدد فيه على ملاحقة المتأخرين عن سداد الإيجارات أو قيمة حق الانتفاع بالوحدات السكنية التي نفذتها الحكومة لصالح الأُسر التي حصلت على وحدات سكنية بالمناطق البديلة للسكن في العشوائيات.
وتناست الحكومة أنها احتالت كل سكان العشوائيات حين أزالت مناطقهم القريبة من مراكز العواصم والمدن عُنوة، ثم قامت ببيع تلك الأراضي بمليارات الجنيهات للمستثمرين الإماراتيين والخليجيين، واستفادت من تلك الأراضي تجاريًا وماليًا، بينما قدمت تعويضات زهيدة للسكان لا تكفي لشراء غرفة واحدة في أي مكان، ونقلت بعضهم إلى مساكن بديلة في قلب الصحراء، ليتفاجؤوا بأنها حق انتفاع وعليهم دفع إيجارات شهرية، في حين أن بيوتهم المزالة كانت مِلكًا حُرًا لا يدفعون عليه شيئًا.
60 منطقة بديلة
وتسبب قرار الوزارة في حالة هلع بين سكان 60 منطقة سكنية بديلة، أقيمت من بين 268 منطقة عشوائية بمحافظات القاهرة، والإسكندرية، والجيزة، ودمياط، والدقهلية، تَولت الحكومة تطويرها بدعم من المجتمع المدنيّ خلال الفترة من 2014 إلى 2023، وقد شمل ذلك بناء 236 ألف وحدة سكنية بتكلفة 318 مليار جنيه.
من بين هذه المناطق، منطقة الأسمرات بالمقطم، حيث حصل سُكانها على حق الانتفاع بها مقابل رسم شهري قدره 350 جنيهًا، فُرض عليهم منذ بداية تنفيذ مشروع تطوير العشوائيات التي كانوا يقيمون فيها بمناطق السيدة زينب وعين الصِيرة بالقاهرة.
نكوص الحكومة عن وعودها
ويأتي عدم التزام السكان بدفع الإيجارات في مواعيدها كرد فِعل على نكوص الحكومة عن وعودها لهم، والتي بدأت منذ اللحظات الأولى لاستلامهم الوحدات.
فقد تم إخطارهم من قِبل المسؤولين عند خروجهم من بيوتهم القديمة بأن الدولة ستكافئهم بمنازل بديلة مُزودة بفرش وأدوات كهربائية تُغنيهم عن حمل أمتعتهم، إلا أنهم فوجئوا بأن تلك المعدات لا تناسب الحد الأدنى للإقامة، بالإضافة إلى صغر حجم الوحدة.
ويشكوا سكان تلك المناطق من الفقر المدقع، حيث تم نقلهم من وسط المدن، حيث كانت توجد أعمالهم وأنشطتهم التي يعتمدون عليها في معيشتهم، ولم يتمكنوا من تدبير معيشتهم أو إيجاد وظائف جديدة بالقرب من أماكن سكنهم الجديدة.
بل إن كثيرًا منهم يعتمدون على الإعانات التي تأتيهم من الجمعيات الخيرية.
كما أن تعسف الحكومة في طلب طرد السكان المتأخرين عن الدفع ترافق مع دعوات من بعض المواطنين لعدم دفع الإيجارات والفواتير الحكومية، احتجاجًا على ارتفاع أسعار الكهرباء والمياه والغاز، وإلزام كل وحدة بتركيب عدادات مسبقة الدفع لكل الخدمات، مما أضاف تكاليف باهظة على كاهل السكان.
الحكومة سمسار جشع
ويأتي هذا التعسف الحكوميّ في الوقت الذي استفادت فيه الحكومة من المساكن التي أُخرجوا منها، حيث قامت ببيع أرض عين الصِيرة لشركة إماراتية حولتها إلى منتجع سياحي كبير، يُباع فيه المتر بعشرات الآلاف من الجنيهات.
أما في أرض السيدة زينب، فقد أعادت الحكومة عددًا محدودًا من السكان إلى وحدات جديدة، بينما انتقل الباقون للسكن في مساكن بجبل المقطم، وبِيعت المحلات بملايين الجنيهات، دون أن يستفيد الأهالي إلا بوحدات ضيقة بعيدة عن أعمالهم ولا تتوافر بها فرص عمل كافية.
هذا الوضع دفع الناس إلى تركها والسكن فوق أسطح المنازل في المناطق القديمة، وفق شهادات سكان المناطق العشوائية.
نزلة السِمان
وفي منطقة نزلة السِمان الجديدة، القريبة من أهرامات الجيزة، كان المشهد مختلفًا، حيث نقلت الحكومة السكان قسرًا منذ عامين من بيوتهم الواسعة المحيطة بالأهرامات إلى وحدات سكنية لا تزيد مساحتها عن 80 مترًا.
أغلب المنقولين لم يدفعوا قيمة الإيجارات بسبب تعدد الجهات المسؤولة عن الموقع الجديد؛ فتارة تكون الوحدات السكنية تابعة لهيئة التنمية العمرانية، وأخرى لمدينة 6 أكتوبر القديمة، وأخيرًا استقرت تبعيتها لجهاز مدينة حدائق أكتوبر الجديدة.
انتقل كثير من سكان نزلة السمان إلى السكن المحدد من قبل الحكومة، بعد أن وجدوا التعويض النقدي عن وحداتهم المملوكة لهم بالوراثة الذي لا يتجاوز 150 ألف جنيه، بينما كان سعرها السوقي حينها يفوق 700 ألف جنيه، بالإضافة إلى فرق المساحة.
علاوةً على سوء التعامل الحكوميّ، الذي لا يستطيع تحمله أو مواجهته أحد من السكان أو الأهالي، وسط رغبة جامحة من الحكومة للسيطرة على كل المنطقة المحيطة بالأهرامات بدعوى التطوير، بينما يتم بيعها لمستثمرين إماراتيين وخليجيين.
ويستغرب كثير من المراقبين من تشدد الحكومة المفاجئ مع غير الملتزمين بدفع الإيجارات، رغم أنها لم تلتزم بوعودها بصرف مستحقات الناس في مواعيدها أو تعويضهم بأماكن مناسبة.
يُشار إلى أن مشروع حي نزلة السِمان الجديدة تحول الشهر الماضي إلى “كومبوند سياحي” لبيع الوحدات المستحقة للمنقولين قسرًا، في مزاد للقطاع الخاص، بسعر 1.6 مليون جنيه للوحدة، مما حرم باقي المتضررين من حقهم في سكن نظيف قريب من بيوتهم القديمة وأعمالهم والمواصلات العامة.
وهكذا تضيق الحكومة على الشعب المصري من كل جهة، من غاز وكهرباء ومياه ومواصلات وسكن وسلع غذائية وحذف من الدعم ونقص في الأدوية وشح في المرتبات وانهيار في العملة وتأجير للمستشفيات الحكومية.