حالة من الغضب والخوف من المستقبل تسود بين فئات الشعب المصري في ظل التصريحات الكاشفة عن حجم المشكلة التي تواجه المصريين في ظل فشل نظام الدكتاتور عبدالفتاح السيسي في إدارة البلاد على نحو صحيح؛ وكان وزير التموين بحكومة الانقلاب علي مصيلحي قد كشف أن الحكومة تجري محادثات مع الإمارات للحصول على تمويل بقيمة 400 مليون دولار لمساعدتها في شراء القمح من شركة الظاهرة الإماراتية، ، مضيفًا أن التمويل سيأتي من صندوق أبوظبي للتنمية عبر شرائح تبلغ قيمتها 100 مليون دولار، دون أن يحدد موعد إتمام هذا الاتفاق في حينه. واعتبر مغردون تصريح الوزير إشارة على وصول الحالة الاقتصادية لمراحل أكثر سوءاً، وأنها دليل على أن البلاد على مشارف الإفلاس. وكتب الحقوقي بهي الدين حسن: “حتى رغيف خبز المصريين، انتقل لبورصة التسول”.
و«الظاهرة» هي شركة إماراتية مملوكة للشيخ حمدان بن زايد آل نهيان ممثل الحاكم في المنطقة الغربية بأبو ظبي، وهي متخصصة في زراعة وانتاج الأعلاف وتوريدها إلى هيئة التحكم الإماراتية المسؤولة عن الأمن الغذائي للإمارات، وتستحوذ شركة الظاهرة في مصر على 116 ألف فدان موزعة بين توشكى وشرق العوينات والصالحية والنوبارية. وواجهت الشركة، في عام 2011، دعوى قضائية من المركز المصري للحقوق الاجتماعية والاقتصادية وذلك للحصول على حكم ببطلان العقد الخاص بمساحة 100 ألف فدان تملكها الشركة في توشكى باعتباره اهدارًا للمال العام وبيع للأراضي بغير ثمنها الحقيقي، حيث بيع الفدان بمبلغ 50 جنيهًا بينما بلغ متوسط سعره وقتها مبلغ 11 ألف جنيه، بحسب تقارير المركز، وأصدر مجلس الدولة وقتها فتوى ببطلان العقد، لكن لم تستكمل النيابة العامة التحقيق في القضية ليغلق الملف دون حكم.
اتفاق حكومة الانقلاب مع صندوق أبو ظبي يتزامن مع مشكلة ضخمة تواجه النظام العسكري في مصر تتمثل في شح الدولار من جهة وانسحاب روسيا من اتفاقية تصدير الحبوب الأوكرانية منذ الإثنين 17 يوليو 2023؛ الأمر الذي أدى إلى ارتفاع أسعار القمح عالميا بنحو 9%. فضلا عن انخفاض الكميات الموردة من القمح المحلي داخليًا، ما دفع الحكومة للتعاقد لاستيراد كميات من القمح في ظل نقص حاد في السيولة الدولارية تواجه مصر حاليًا، بما يؤثر على جميع الجهات بما فيها هيئة السلع التموينية. وبلغ إجمالي الديون المصرية للجانب الروسي 320 مليون دولار منها أكثر من 167 مليون دولار على هيئة السلع التموينية، وذلك بحسب خطاب من مدير إدارة التعاون الدولي وتنمية الصادرات الروسي إلى رئيس مجلس إدارة اتحاد مصدري الحبوب بوزارة الزراعة الروسية، وتحتاج الحكومة سنويًا تسعة ملايين طن من القمح لسد احتياجات منظومة الخبز المدعوم.
“4” أسباب وراء أزمة الحبوب
وإلى جانب شح الدولار في الأسواق المصرية من جهة، والانسحاب الروسي من اتفاق الحبوب عبر البحر الأسود من جهة أخرى؛ هناك أسباب أخرى تؤدي إلى تفاقم أزمة الحبوب، منها تحول شحنات القمح الروسي إلى الصين، التي تعاني من مشكلات في محصول القمح في الموسم الجاري. والسبب الرابع هو تداعيات الحرب في السودان. فقد أدت ظروف الحرب إلى قيام عدد من السودانيين بشراء الدقيق من المطاحن المصرية وتصديره إلى السودان مباشرة، ما قد يقلص المخزون المحلي من القمح في ظل ندرة الاستيراد بسبب أزمة العملة، وقِلة القمح المحلي المورد إلى وزارة التموين. أحد المصدرين أوضح: «نعرف إن فيه استهلاك كبير للقمح لما بنلاقي سعر الردة انخفض، وسعر الردة انخفض ألف جنيه للطن خلال شهر»، فيما أشار المصدر اﻵخر إلى أن الشهور الأخيرة شهدت تزايد طلب موردين سودانيين على الدقيق المصري بعض النظر عن جودته في ظل ظروف الحرب.
وحاولت الحكومة قبل بداية الموسم الحالي حث الفلاحين على توريد القمح، بعرضها سعرًا أعلى من السعر العالمي، لكن نقص واردات خامات الأعلاف دفع العديد من الفلاحين إلى الاحتفاظ بالقمح لاستخدامه كعلف للحيوانات، أو بيعه بمقابل أكبر إلى مصانع الأعلاف التي تعاني منذ أكثر من عام لتوفير خامات الأعلاف، في ظل أزمة الاستيراد. وكانت هيئة السلع التموينية تعاقدت، مطلع يونيو الماضي (2023)، على شراء 765 ألف طن قمح روسي لهذا الموسم، تُشحن بحد أقصى حتى منتصف يوليو، وذلك في مناقصة تراوح فيها سعر القمح ما بين 244.5 دولار و262.5 دولار للطن، وهو التعاقد الذي اعتمدت فيه «التموين» على قرض من المؤسسة الدولية الإسلامية لتمويل التجارة.
وتحتاج الحكومة سنويًا تسعة ملايين طن من القمح لسد احتياجات منظومة الخبز المدعوم، كانت تستورد غالبيتها عبر هيئة السلع التموينية، وتكتفي بشراء ثلاثة ملايين ونصف طن فقط من القمح المحلي لارتفاع سعره مقارنة بسعر القمح المستورد، فضلًا عن محدودية السعة الاستيعابية لصوامع التخزين. وهو ما تغيّر مع اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، العام الماضي، التي تسببت في زيادة أسعار القمح عالميًا بزيادة 48٪ مقارنة بسعره قبل الحرب، ما دفع الحكومة للمرة الأولى إلى تقليل اعتمادها على القمح المستورد الذي تجاوزت تكلفة شرائه الأسعار المحلية، واتجهت للقمح المحلي لتقليل فاتورة الاستيراد. لكنها للأسف فشلت في تشجيع الفلاحين على توريد المحصول والذين فضلوا الاحتفاظ به لبيعه للقطاع الخاص بسعر أعلى أو بيعه كعلف في ظل الارتفاع الجنوني في أسعار الأعلاف.