بعد موجات الغلاء الفاحش… الطبقة الوسطى في ذمة الله

- ‎فيتقارير

منذ أن جيء بالجنرال عبدالفتاح السيسي ليحكم مصر بالحديد والنار في أعقاب انقلاب عسكري دموي منتصف 2013، وهو يشهر سلاحه في وجه الطبقتين الفقيرة والمتوسطة، بقرارات عشوائية أفضت إلى موجات متتابعة من الغلاء الفاحش الذي فاق قدرات معظم أبناء الطبقة الوسطى على الصبر والتحمل.

وكان قرار التعويم في نوفمبر 2016، ثم قرارات رفع الوقود 4 مرات خلال السنوات الأربع الماضية وكذلك رفع أسعار خدمات الكهرباء والمياه وتذاكرة المترو والمحمول وتعريفة الركوب ما أدى إلى رفع أسعار جميع السلع والخدمات الأخرى كل هذه القرارات أجهزت فعليا على الطبقة الوسطى حتى سقط معظمها تحت خط الفقر في مشهد مأساوي شديد الألم على أولئك المتعفيين الذين يبكون بحرقة ويتحملون كل هذا الألم وكرامتهم تحول دون أن يمدو ا أيديهم إلى غيرهم كرامة وتعففا.

وكان البنك الدولي قد رفع مؤخرا تقديراته لمستوى خط الفقر من “1,3” دولار للفرد يوميا إلى “1,9” دولار ، ما يعني آن دخل الأسرة المكونة من 5 أفراد يتوجب أن يكون أكبر من 5 آلاف جنيه شهريا حتى يتم احتسابهم من الطبقة الوسطى؛ وبذلك يدخل ملايين المصريين في حزمة الفقراء ما يرفع معدلات الفقر إلى أكثر من 50% منذ قرارات التعويم في 2016م.

انهيار تام

وفقا لمراقبين فإن حزمة الحماية الاجتماعية التي قررتها الحكومة مؤخرا لا تشمل سوى 20% فقط هم موظفو القطاع الحكومي بينما يبقى 80% من المصريين هم أصحاب المهن الحرة والقطاع الخاص خارج مظلة الحماية الاجتماعية رغم هشاشتها وعدم توازنها مع معدلات الغلاء والتضخم.

وكان تقرير دولي قد أشار سابقاً إلى أن مصر شهدت أكبر معدل في انهيار الطبقة الوسطى خلال الـ15 عاماً الأخيرة، مع توقعات بازدياد معدل هذا الانهيار بسبب الإجراءات التقشفية التي تبنتها الحكومة منذ 2016 في إطار برنامج ما يسمى بـ “الإصلاح الاقتصادي”، حيث قامت بتعويم الجنيه ورفع الدعم عن كثير من السلع والخدمات.

ووفقاً لتقرير بنك كريدي سويس عن ثروة الطبقة الوسطى في الفترة من عام 2000 حتى 2015، فقد تقلصت الطبقة المتوسطة في مصر بأكثر من 48%، لينخفض عددها من 5.7 ملايين شخص بالغ في عام 2000، إلى 2.9 مليون بالغ في 2015، يمثلون الآن 5% فقط من إجمالي البالغين، ويستحوذون على ربع ثروة المصريين.

وتنافس مصر على صدارة العالم في تقدير الطبقة المتوسطة 4 دول، وهي الأرجنتين واليونان وروسيا وتركيا، بحسب التقرير، لكن معدلات تآكل الطبقة المتوسطة في الدول الأربع ما زالت بعيدة عن الحالة المصرية، بفارق ملحوظ يصعب تضييقه، خاصة بعد الإجراءات التقشفية الأخيرة في مصر.

ويُعرّف كريدي سويس الطبقة المتوسطة بأنها الطبقة التي تمتلك من الأصول ما يجعلها صامدة أمام التغيرات الاقتصادية، وهي مُعرضة بشكل أقل لخطر الفقر.

مصر الأخرى

وتحت عنوان “حواري وفيلات”، نشرت مجلة الإيكونوميست هذا الأسبوع موضوعاً عن أزمة الإسكان في الشرق الأوسط، تحدث فيه الكاتب عما يراه السائر في شوارع القاهرة، وتحديداً في التجمعات السكانية الجديدة من قصور وفيلات فخمة، أغلبها محاط بمساحات كبيرة من الحدائق، وبداخل بعضها حمامات سباحة، وهو ما جعله يتذكر ضواحي كاليفورنيا، خاصة بعد أن اطلع على أسمائها. ولفت نظره إحدى لافتات الإعلان عن مشروع سكني، جاء فيها “أهلاً بكم في الناحية الفضلى من الحياة”.

ووصف الكاتب النصف الثاني من رحلته، حيث سلك الطريق الدائري على ما يبدو في طريقه للعودة إلى محل إقامته، وقال إن الطريق كان محفوفاً بالبيوت المبنية بالطوب الأحمر، والتي لم يتم الانتهاء من تشطيب أغلبها، حيث تظهر الأعمدة الخرسانية بلونها، بينما تبرز بقايا القضبان الفولاذية فوق أسطحها. وعلق مؤكداً أن “الناحية الفضلى من الحياة تبدو بعيدة جداً”.

وفي مقاله بعنوان «انهيار الطبقة الوسطى في مصر»، يؤكد المحلل الاقتصادي شريف عثمان أن «الدخول التي كانت بالكاد تكفي تسيير الأمور لم تعد قادرة على تلبية الاحتياجات الأساسية للأسرة المصرية، من مسكن ومأكل ومواصلات وتعليم وصحة، وتمتلئ مواقع التواصل الاجتماعي بأمثلة لتكلفة الحد الأدني من مصاريف الانتقال، مع تناول وجبات رخيصة، تتجاوز في أغلب الأحيان ما يحصل عليه المواطن المصري من راتب، ويستحيل معها التفكير في أي نفقات إضافية تتعلق بالاحتياجات الطبيعية للمواطن.

ويتساءل عثمان: «فماذا فعلت الحكومة؟ وهل تفكر في محاولة إيجاد حلول لمساعدته؟ أم تتركه أيضاً للجهود الذاتية؟ ألا تدرك الحكومة أن عدم وجود بدائل أمام المواطنين يدفعهم للتورط في الفساد وغيره من الجرائم من أجل الحصول على المال؟ وماذا سيحدث عندما يحتاج المواطن لمصاريف إضافية للعلاج مثلاً؟».

ويرد الخبير الاقتصادي على ذلك بقوله « لقد اختارت الحكومة الحل السهل، المتمثل في اقتراض مبالغ ضخمة، داخلياً وخارجياً، لحل أزماتها المالية. لم تنزعج الحكومة من التحذيرات من تضخم الدين ومن ارتفاع تكلفة خدمته، حتى بعد تجاوز تلك التكلفة نصف ما يتم تحقيقه من إيرادات، وهو ما ترتب عليه تقليص ما يتم توجيهه للانفاق على الصحة والتعليم والصرف الصحي».

ويختم الكاتب محذرا «بناء عليه، فإن الحكومة مطالبة بالعمل على مساعدة المواطن لإيجاد حلول، وإلا فإنها تدفعه نحو الفساد والانحلال الأخلاقي، وتشجع على زيادة التسرب من التعليم. لا يمكن للحكومة، حتى لو لم تكن هي المتسببة فيما وصلنا إليه الآن، أن تتخلى عن المواطنين، لأن نتيجة ذلك بالتأكيد ستكون كارثية، وستقضي على ما تبقى من الدولة المصرية، وقديماً قال أبو ذر الغفاري “عجبت لمن لا يجد قوت يومه، كيف لا يخرج على الناس شاهراً سيفه».