ليست المأساة الإنسانية في قطاع غزة مجرد فصل دامٍ من فصول الحرب ولا هي عارض طارئ يمكن اختزاله في نقص المؤن أو اضطراب سلاسل الإمداد، وإنما هي امتحان تاريخي لمشروعية النظام الدولي ذاته، حين تصبح حياة شعب بأكمله رهينة للقرار العسكري وتتحول الحقوق الأصيلة التي كفلتها الشرائع والمواثيق إلى امتيازات مشروطة تمنحها قوات الاحتلال الإسرائيلي أو تمنعها وفق مقتضيات حساباتها السياسية والأمنية. ولعل من المناسب أن نتساءل عن القيمة الفعلية لوقف إطلاق النار في غزة حين لا يزال الإنسان الفلسطيني يقاتل كل صباح ليحصل على رغيف، ويبحث كل مساء عن سقف يحمي أطفاله من البرد والمطر، وكأن الهدنة قد أوقفت بعض أدوات القتل وتركت أسباب الموت الأخرى تعمل في صمت.
وفي هذا السياق، تكشف أحدث المعطيات الأممية أن الأزمة تجاوزت حدود العوز الإنساني إلى ما يمكن وصفه بالتآكل المنهجي لمقومات البقاء. فقد أكد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشئون الإنسانية في تقريره الصادر في 22 تشرين الأول/أكتوبر 2026 أن نقص التمويل واستمرار القيود المفروضة على الإمدادات أخذا يعكسان التحسن المحدود الذي تحقق بعد إعلان وقف إطلاق النار. وتشير المعطيات إلى توقع انخفاض عدد المستفيدين من المساعدات الغذائية إلى أقل من مليون إنسان شهريا اعتبارا من تشرين الأول/أكتوبر، بعد تعليق توزيع الطرود الغذائية والطحين لنحو نصف مليون فلسطيني، فيما لا تزال الحصص المتاحة تغطي قرابة نصف الحد الأدنى من احتياجات السعرات الحرارية للإنسان.
تكشف أحدث المعطيات الأممية أن الأزمة تجاوزت حدود العوز الإنساني إلى ما يمكن وصفه بالتآكل المنهجي لمقومات البقاء
ومن هنا يمكن القول إن الجوع في غزة ليس أزمة إنتاج زراعي ولا نتيجة طبيعية لشح الموارد، وإنما حصيلة مركبة لتدمير البنية الاقتصادية وتقييد المعابر وانهيار القدرة الشرائية وتراجع التمويل الدولي، وهي عوامل تتضافر لتحويل المجتمع من مجتمع منتج إلى كتلة بشرية معلقة بمواعيد التوزيع وقوائم المستفيدين. وهنا لا بد من بيان أن أخطر ما في هذه المعادلة ليس فقدان الخبز وحده بل فقدان الاستقلال الإنساني؛ حين تصبح القدرة على إطعام الأسرة مرهونة برسالة هاتفية أو رمز إلكتروني أو قرار إداري لا يملك الجائع التأثير فيه.
ومن زاوية أخرى يكشف الشتاء المقبل وجها أشد قسوة من وجوه الإخفاق الدولي، فقد قدرت الأمم المتحدة حاجة 1.980 مليون إنسان إلى مساعدات الإيواء والمستلزمات المنزلية الأساسية، فيما يعيش نحو 950 ألف نازح في مواقع معرضة لمخاطر فيضانات متوسطة أو مرتفعة، بينهم أكثر من 400 ألف يواجهون مخاطر عالية، وتحتاج 280 ألف أسرة إلى مساعدات الإيواء الشتوي بينما تكفي الإمدادات المتاحة لتقديم دعم جزئي لنحو 18 في المئة منها فقط. ولتوضيح ذلك فإن الخطر لا يكمن في المطر وحده وإنما في تحويل الظاهرة الطبيعية إلى كارثة سياسية، بفعل منع أدوات الوقاية وإعاقة إدخال مواد البناء والخيام والمعدات اللازمة لإصلاح المساكن وشبكات التصريف. وقد ذهب الأمين العام للمجلس النرويجي للاجئين يان إيغلاند إلى توصيف بالغ الدلالة، حين اعتبر أن أزمة المأوى ليست كارثة طبيعية يستحيل تجنبها بل أزمة إنسانية من صنع البشر نتيجة عرقلة إدخال مساعدات الإيواء المنقذة للحياة.
وفي المقابل، تتسع دائرة الحرمان لتبلغ القطاع الصحي حيث لا تعمل سوى 47 في المئة من نقاط الخدمات الصحية بصورة كلية أو جزئية، مع استمرار النقص في أدوية الأمراض المزمنة ومستلزمات الجراحة والتشخيص والعلاج. وقد سجلت اليونيسف مقتل 351 طفلا منذ إعلان وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر 2025 حتى 22 تشرين الأول/أكتوبر 2026، وهو رقم يكشف المسافة الفادحة بين النص السياسي للهدنة وواقع الحماية المدنية. وفي ظل تلك الظروف يغدو المرض امتدادا للحرب بوسائل أخرى؛ حين يفقد المريض حقه في العلاج ويصبح الحصول على الدواء رهنا بقدرة المؤسسات الإنسانية على تجاوز القيود المفروضة على عملها.
ومن هذا المنطلق لا يجوز النظر إلى هذه الوقائع بمعزل عن الالتزامات الناشئة عن اتفاقية جنيف الرابعة ولا سيما المواد 55 و56 و59 المتعلقة بضمان الإمدادات الغذائية والطبية والصحة العامة وتيسير عمليات الإغاثة، كما أن المادة 33 تحظر العقوبات الجماعية، ولا تسقط هذه الالتزامات بمجرد إعلان هدنة أو إعادة توصيف العمليات العسكرية. وهنا يتعين التمييز بين المساعدة بوصفها عملا تطوعيا، وبين الإغاثة بوصفها التزاما قانونيا تفرضه قواعد القانون الدولي الإنساني على أطراف النزاع والسلطة القائمة بالاحتلال في نطاق مسؤولياتها الفعلية.
المجتمع الدولي الذي يملك القدرة على إحصاء الضحايا ولا يملك الإرادة الكافية لمنع أسباب سقوطهم، إنما يواجه أزمة في فاعلية منظومة الأمن الجماعي لا في وفرة المعلومات والتقارير
وفي ضوء ذلك فإن المجتمع الدولي الذي يملك القدرة على إحصاء الضحايا ولا يملك الإرادة الكافية لمنع أسباب سقوطهم، إنما يواجه أزمة في فاعلية منظومة الأمن الجماعي لا في وفرة المعلومات والتقارير. وبناء على ذلك فإن إنقاذ غزة لا يبدأ بمضاعفة بيانات التعاطف، وإنما بإقرار ضمانات تنفيذية ملزمة لفتح المعابر وتدفق المساعدات دون عوائق تعسفية وحماية المدنيين، واستعادة الخدمات الأساسية وتمويل الإيواء وإعادة الإعمار وفق معايير العدالة والشفافية وعدم التمييز. فلا معنى لشرعية دولية تكتفي بتوصيف الانتهاك ثم تعجز عن وقف استمراره، ولا قيمة لنظام قانوني تتفاوت فيه الحماية تبعا لموازين القوة والمصالح السياسية.
وفي ضوء المعطيات السابقة لا يستقيم الحديث عن سلام مع تجويع الإنسان، ولا عن استقرار فوق أنقاض الحقوق، ولا عن هدنة تمنع صوت المدافع وتترك الجوع والمرض والبرد يتناوبون على حياة الأبرياء. إن غزة لا تطلب من العالم إحسانا يتفضل به الأقوياء وإنما تطالبه بحقوق أقرها القانون وأوجبتها الإنسانية، وما لم ينتقل المجتمع الدولي من إدارة المأساة إلى إزالة أسبابها فسيظل وقف إطلاق النار اسما سياسيا لحالة لم تتوقف فيها الحرب على شروط الحياة ذاتها، وستبقى غزة شاهدا تاريخيا على أن أخطر ما يصيب العدالة ليس غياب النصوص التي تحمي الإنسان وإنما حضورها الكامل في المواثيق وغيابها الفادح ساعة الامتحان.