“مستقبل مصر” يرفع رسوم تصدير الأرز 20%ويشعل الأسعار محليًا.. من المستفيد من فتح الأسواق الخارجية؟

- ‎فيتقارير

بينما يواجه المصريون موجات متلاحقة من ارتفاع أسعار السلع الغذائية الأساسية، يستعد جهاز «مستقبل مصر للتنمية المستدامة» لاستئناف تصدير الأرز إلى الأسواق الخارجية، بعد توقف استمر نحو شهر بسبب اضطرابات الملاحة الإقليمية، بالتزامن مع رفع رسوم التصدير بنسبة 20%، وارتفاع أسعار الأرز الأبيض في السوق المحلية بنحو 500 جنيه للطن.

ويثير هذا التحرك تساؤلات بشأن أولويات السياسة الاقتصادية لحكومة المنقلب السفيه ، السيسي، ومدى انعكاس التوسع في تصدير المحاصيل الاستراتيجية على الأسعار المحلية، فضلًا عن طبيعة الدور الذي بات يلعبه جهاز «مستقبل مصر» في إدارة تجارة السلع الزراعية، بعدما حصل على صلاحيات تصدير الأرز الذي ظل خاضعًا للحظر لسنوات طويلة.

وتأتي الخطوة في وقت تتزايد فيه المخاوف من تأثير تصدير جزء من الإنتاج المحلي على استقرار الأسعار، خاصة أن الأرز يمثل أحد المكونات الرئيسية للغذاء في مصر، بينما تواجه الأسر ضغوطًا معيشية متصاعدة نتيجة ارتفاع تكاليف الغذاء والخدمات وتراجع القوة الشرائية.

استئناف التصدير بعد شهر من التوقف

كشف تاجران في سوق الأرز المصري، في تصريحات لموقع «المنصة»، عن استعداد جهاز «مستقبل مصر للتنمية المستدامة» لاستئناف عمليات تصدير الأرز، عقب توقف دام نحو شهر، نتيجة اضطرابات حركة الملاحة المرتبطة بالتوترات الجيوسياسية في المنطقة.

وبحسب المصادر، قرر الجهاز رفع رسوم التصدير من 100 دولار إلى 120 دولارًا للطن، بزيادة تبلغ 20%، بالتزامن مع تحركات صعودية في أسعار الأرز داخل الأسواق المحلية.

وكانت الشركات المصرية قد تقدمت، منتصف الشهر الماضي، بطلبات لتصدير نحو 100 ألف طن من الأرز، غير أن الكميات التي تمكن الجهاز من تصديرها لم تتجاوز 25 ألف طن، بما يعادل ربع الطلبات المقدمة.

ويعكس هذا التراجع حجم التأثير الذي أحدثته اضطرابات الملاحة الإقليمية على حركة الصادرات المصرية، بعدما تسببت التوترات في تعطيل شحنات كانت تستهدف أسواقًا عربية وخارجية.

ومع اتجاه حركة الشحن إلى التعافي، تسعى الشركات إلى استكمال تعاقداتها الخارجية والاستفادة من الطلب المتزايد على الأرز المصري.

120 دولارًا للطن.. رسوم جديدة على المصدرين

قال تاجر وعضو بشعبة الأرز في اتحاد الصناعات المصرية: "إن الأسواق الخارجية تشهد طلبًا ملحوظًا على الأرز المصري، خاصة في المغرب وسوريا وعدد من الدول العربية، وهو ما يوفر فرصًا للشركات المحلية لزيادة صادراتها خلال الفترة المقبلة."

وأوضح المصدر، الذي طلب عدم نشر اسمه، أن شركته تستعد حاليًا لتصدير شحنة تبلغ نحو ألفي طن من الأرز عبر جهاز «مستقبل مصر»، مقابل سداد رسوم تصدير تبلغ 120 دولارًا عن كل طن.

وبذلك تصل الرسوم المستحقة على الشحنة وحدها إلى نحو 240 ألف دولار، دون احتساب تكاليف الشحن والنقل والتأمين وغيرها من المصروفات المرتبطة بعملية التصدير.

وتسلط هذه الأرقام الضوء على حجم الرسوم التي يجري تحصيلها من الشركات الراغبة في دخول الأسواق الخارجية من خلال الجهاز.

كما تطرح تساؤلات بشأن الأسس التي تُحدد بموجبها تلك الرسوم، وأوجه استخدام حصيلتها، ومدى تأثيرها على القدرة التنافسية للأرز المصري مقارنة بالمنتجات المطروحة من الدول المنافسة.

ولم تتضمن المعلومات المتاحة تفاصيل بشأن إجمالي الحصيلة التي حصل عليها الجهاز من رسوم تصدير الأرز منذ فتح الباب أمام الشركات، أو كيفية توزيع العوائد الناتجة عن هذه العمليات.

رسوم متقلبة وغياب الاستقرار

لم تكن الزيادة الأخيرة في رسوم تصدير الأرز هي الأولى من نوعها، إذ شهدت الرسوم تغيرات متلاحقة خلال الفترة الماضية.

وقال نائب رئيس شعبة الأرز السابق باتحاد الصناعات، مصطفى السلطيسي: "إن رسوم التصدير بدأت عند مستوى 150 دولارًا للطن، قبل أن تنخفض إلى 100 دولار خلال الشهر الماضي، ثم ترتفع مجددًا إلى 120 دولارًا حاليًا."

وتكشف هذه التغيرات عن تذبذب تكلفة التصدير بالنسبة للشركات، وهو ما قد يؤثر على قدرتها على وضع خطط تجارية مستقرة أو إبرام تعاقدات طويلة الأجل مع المستوردين الخارجيين.

فالشركات التي تتعامل مع الأسواق الدولية تحتاج إلى وضوح في تكاليف التشغيل والرسوم المفروضة على الصادرات، حتى تتمكن من تحديد أسعارها النهائية والمنافسة في الأسواق المستهدفة.

ويثير تكرار تعديل الرسوم خلال فترة قصيرة تساؤلات بشأن وجود آلية معلنة لتحديد قيمتها، ومدى ارتباطها بتطورات الأسعار العالمية أو حجم المعروض المحلي أو احتياجات السوق المصرية.

ارتفاع الأسعار محليًا رغم فائض الإنتاج

بالتزامن مع الاستعداد لاستئناف التصدير، شهدت أسعار الأرز في الأسواق المحلية ارتفاعات جديدة، رغم الحديث عن وجود فائض سنوي في الإنتاج يصل إلى نحو 900 ألف طن.

وبحسب مصطفى السلطيسي، ارتفعت أسعار الأرز الأبيض بنحو 500 جنيه للطن، لتتراوح حاليًا بين 19 ألفًا و24 ألفًا و500 جنيه، وفقًا للنوع والجودة.

كما صعد سعر طن الأرز الشعير رفيع الحبة إلى 13 ألفًا و700 جنيه، مقارنة بنحو 13 ألف جنيه خلال الأسبوع الماضي، بزيادة بلغت 700 جنيه للطن.

في المقابل، استقر سعر طن الأرز الشعير عريض الحبة عند مستوى 15 ألف جنيه.

وأرجع السلطيسي الزيادات الأخيرة إلى ارتفاع الطلب على الشراء خلال الفترة الماضية.

غير أن تزامن صعود الأسعار مع الاستعداد لاستئناف التصدير يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن التأثير المحتمل لتوجيه كميات إضافية من الإنتاج إلى الأسواق الخارجية على حجم المعروض المحلي.

ورغم عدم وجود بيانات تثبت أن التصدير هو السبب المباشر وراء الارتفاعات الأخيرة، فإن زيادة الطلب الخارجي قد تصبح عامل ضغط إضافيًا على الأسعار إذا لم تتوافر آليات تضمن استمرار تدفق الكميات الكافية إلى السوق المصرية.

وتزداد أهمية هذه المخاوف بالنظر إلى أن الأرز ليس سلعة ثانوية بالنسبة للأسر المصرية، وإنما أحد المكونات الأساسية للغذاء اليومي، ما يجعل أي زيادة في أسعاره عبئًا إضافيًا على ميزانيات المواطنين.

900 ألف طن فائضًا.. لمن تكون الأولوية؟

تقدر الكميات الفائضة من إنتاج الأرز المصري بنحو 900 ألف طن سنويًا، وهو ما تستند إليه التوجهات الرسمية الرامية إلى إعادة فتح باب التصدير والاستفادة من الطلب الخارجي.

وتسعى الحكومة إلى تصريف جزء من هذا الفائض عبر جهاز «مستقبل مصر»، بعد موافقة وزير الاستثمار والتجارة الخارجية محمد فريد صالح على تمديد فترة تصدير الأرز من خلال الجهاز حتى نهاية العام المقبل.

ومن الناحية الاقتصادية، يمكن أن يساهم تصدير الفائض في توفير موارد من النقد الأجنبي، وفتح أسواق جديدة أمام المنتج المصري، ودعم الشركات العاملة في تجارة الحبوب.

لكن هذه المكاسب المحتملة تظل مرتبطة بمدى دقة تقديرات الفائض، وحجم المخزون المتاح للاستهلاك المحلي، وقدرة الأسواق على استيعاب الطلب دون حدوث ارتفاعات حادة في الأسعار.

كما تبرز الحاجة إلى توضيح كيفية احتساب الفائض السنوي، وما إذا كانت تقديراته تراعي الاستهلاك الفعلي للأسر، واحتياجات المصانع والمضارب، والمخزون الاستراتيجي اللازم لمواجهة أي اضطرابات محتملة.

وتطرح التطورات الأخيرة معادلة اقتصادية حساسة، تتمثل في تحقيق عائد من تصدير الفائض دون تحميل المستهلك المحلي تكلفة إضافية نتيجة ارتفاع الأسعار.

"مستقبل مصر".. بوابة إلزامية لتصدير الأرز

يمثل إسناد عمليات تصدير الأرز إلى جهاز «مستقبل مصر للتنمية المستدامة» تحولًا لافتًا في إدارة أحد المحاصيل الزراعية الاستراتيجية.

فبعد سنوات من حظر التصدير، أصبحت الشركات الراغبة في الوصول إلى الأسواق الخارجية تمر عبر الجهاز، وتتحمل الرسوم التي يحددها مقابل تنفيذ عمليات التصدير.

ويمنح هذا الترتيب الجهاز دورًا محوريًا في تنظيم حركة صادرات الأرز، بما يثير تساؤلات حول حدود صلاحياته، ومدى إتاحة الفرص أمام الشركات المختلفة، وآليات الرقابة على الرسوم والعوائد.

كما يفتح النقاش بشأن تأثير تركيز عمليات التصدير في جهة واحدة على المنافسة داخل القطاع، خاصة في ظل التغيرات المتكررة في قيمة الرسوم المفروضة على الشركات.

ولا تعني إدارة الصادرات عبر جهة مركزية بالضرورة حدوث اختلال في السوق، لكنها تجعل الشفافية في تحديد الرسوم والإجراءات ومعايير الموافقة على الشحنات أمرًا ضروريًا لضمان تكافؤ الفرص.

وتتزايد أهمية هذه المسألة مع اتساع الدور الاقتصادي لجهاز «مستقبل مصر» في إدارة مشروعات وأصول وأنشطة زراعية وتجارية، بما يستدعي وضوحًا أكبر بشأن علاقته بالقطاع الخاص وآليات خضوع أنشطته للرقابة والمساءلة.

من حظر التصدير إلى فتح الأسواق الخارجية

تكتسب عودة تصدير الأرز أهمية خاصة بالنظر إلى التحول الذي شهدته السياسة الحكومية تجاه هذا المحصول خلال السنوات الماضية.

ففي عام 2016، أصدرت وزارة التجارة والصناعة القرار رقم 722 لسنة 2016، الذي حظر تصدير الأرز، في إطار توجه رسمي استهدف الحفاظ على الموارد المائية وضبط إدارة محصول يُعد من المحاصيل كثيفة الاستهلاك للمياه.

وجاء القرار في ظل تصاعد المخاوف المصرية من محدودية الموارد المائية، والتحديات المرتبطة بسد النهضة الإثيوبي وتأثيراته المحتملة على الأمن المائي المصري.

واستمر العمل بسياسة تقييد التصدير لسنوات، قبل أن تجدد الحكومة ومصلحة الجمارك الحظر في فبراير 2025.

لكن السماح لاحقًا بالتصدير من خلال جهاز "مستقبل مص" يعكس تحولًا في آلية إدارة الملف، من الحظر الواسع إلى إتاحة التصدير عبر قناة محددة.

ويثير هذا التحول تساؤلات بشأن المعايير التي استندت إليها الحكومة في تغيير سياستها، وما إذا كانت قد أجرت تقييمًا جديدًا للتوازن بين الاحتياجات المائية والإنتاج الزراعي والطلب المحلي وفرص التصدير.

كما يعيد النقاش حول مدى اتساق التوسع في تصدير محصول كثيف الاستهلاك للمياه مع استمرار التحديات التي تواجه الأمن المائي المصري.

موسم الحصاد وتأثيره على السوق

تأتي التطورات الأخيرة بالتزامن مع اقتراب نهاية موسم حصاد الأرز في مصر، الذي يبدأ عادة خلال أغسطس ويستمر حتى نهاية أكتوبر.

وتبدأ زراعة المحصول في مايو من كل عام، بينما تدخل الكميات الجديدة الأسواق تدريجيًا عبر المضارب اعتبارًا من نوفمبر.

ويعني ذلك أن الفترة المقبلة قد تشهد زيادة في المعروض المحلي مع بدء طرح المحصول الجديد، وهو ما يمكن أن يساهم في تهدئة الأسعار إذا توافرت الكميات المناسبة واستقرت تكاليف التداول.

لكن حجم التأثير سيظل مرتبطًا بعدة عوامل، من بينها مستويات الإنتاج الفعلية، وحجم الطلب المحلي، والكميات المخصصة للتصدير، فضلًا عن سلوك التجار والمضارب في تخزين المحصول وطرحه بالأسواق.

ومن ثم، فإن استئناف التصدير في هذا التوقيت يضع الجهات المسؤولة أمام اختبار يتعلق بقدرتها على تحقيق التوازن بين تشجيع الصادرات ومنع حدوث ضغوط سعرية جديدة على المستهلكين.

مكاسب التصدير وأعباء المستهلك

تؤكد المؤشرات المتاحة وجود فرص أمام الأرز المصري في عدد من الأسواق العربية، خاصة المغرب وسوريا، وهو ما قد يدعم نشاط الشركات المصدرة ويعزز تدفقات النقد الأجنبي.

لكن في المقابل، فإن ارتفاع الأسعار المحلية بالتزامن مع استئناف التصدير يثير مخاوف من أن تتحقق المكاسب التجارية على حساب المستهلك، إذا أدى خروج كميات إضافية من المحصول إلى تقليص المعروض أو زيادة الضغوط على الأسعار.

وتبرز هنا مجموعة من الأسئلة التي لم تتضح إجاباتها بعد: ما حجم الكميات التي سيسمح الجهاز بتصديرها حتى نهاية العام؟ وما الأسس التي تحكم تعديل رسوم التصدير؟ وكيف يجري التصرف في حصيلتها؟ وما الضمانات التي تحول دون انتقال تأثير زيادة الطلب الخارجي إلى أسعار الأرز داخل الأسواق المصرية؟

كما يبقى السؤال الأهم متعلقًا بأولويات السياسة الاقتصادية: هل تستهدف الحكومة تعظيم عوائد التصدير فقط، أم تضع استقرار أسعار الغذاء وحماية القدرة الشرائية للمواطنين في مقدمة حساباتها؟

وفي ظل استمرار الضغوط المعيشية، لا تبدو القضية مجرد قرار تجاري يتعلق بتصدير محصول زراعي، وإنما اختبارًا لطبيعة إدارة الموارد والسلع الاستراتيجية في مصر، ومدى قدرة السياسات الحكومية على تحقيق التوازن بين مصالح المصدرين واحتياجات المواطنين.

وبين رسوم تصدير ارتفعت إلى 120 دولارًا للطن، وأسعار محلية تواصل الصعود، وفائض إنتاج يقدر بمئات الآلاف من الأطنان، يبقى التحدي الحقيقي هو ضمان ألا تتحول فرص تصدير الأرز إلى مصدر جديد لزيادة الأعباء على موائد المصريين، بينما تتوسع صلاحيات جهاز «مستقبل مصر» في إدارة أحد أهم المحاصيل الغذائية في البلاد.