سوء اختيار أم نقص تدريب .. لماذا يفشل المعلم فى أداء دوره بالمنظومة التعليمية؟

- ‎فيتقارير

 

إهانة بعض المعلمين أو القيادات التعليمية لتلاميذ المدارس على الملأ تكشف بعدا أساسيا مفقودا فى المنظومة التعليمية فى زمن الانقلاب وهو أن التربية تحتل أولوية ثم يليها التعليم …ومراعاة هذا البعد تتطلب منهجا يتضمن ضوابط ومعايير لاختيار المعلمين والمسئولين فى الحقل التعليمي بحيث تكون لديهم القدرة والمهارات لتربية التلاميذ على القيم الإيجابية.

والمعلّم ليس مجرد ناقل للعلم، بل هو نموذج سلوكى يتشكل على يديه وعى الطفل وشخصيته وهناك ممارسات كثيرة تفقد المعلّم قيمته، وتحول بينه وبين القيام بدوره المطلوب وهذا يعد عاملا  رئيسيا فى انهيار المنظومة التعليمية فى زمن الانقلاب .

 

دور محورى

حول هذه الأزمة أكد الخبير التربوى الدكتور مصطفى كامل، أن الحديث عن تطوير التعليم لا يمكن فصله عن جودة اختيار العناصر البشرية داخل المنظومة التعليمية، مشيرًا إلى أن اختيار المعلمين والمسئولين لا يقل أهمية عن اختيار المناهج الدراسية نفسها، نظرًا لدورهم المحورى فى تنفيذ العملية التعليمية وتحقيق أهدافها.

وشدد كامل فى تصريحات صحفية على أن منظومة اختيار المعلمين فى مصر بحاجة إلى إعادة نظر شاملة، حيث يعتمد القبول فى كليات التربية بشكل أساسى على المجموع الدراسى، بينما تأتى اختبارات القدرات والتقييمات النفسية والمقابلات الشخصية فى مرتبة ثانوية، وغالبًا ما تكون شكلية، وهو ما قد يسمح بمرور عناصر غير مؤهلة تربويًا أو نفسيًا للتعامل مع الطلاب.

وقال إن المعلّم الناجح لا يقتصر دوره على نقل المعرفة، بل يجب أن يمتلك مجموعة من المهارات والمعايير الأساسية، من بينها الثقافة العامة والاطلاع الواسع، والإلمام باستراتيجيات التعليم الحديثة التى تراعى الفروق الفردية بين الطلاب، إضافة إلى القدرة على ربط المناهج المختلفة ببعضها البعض، بما يحقق التكامل المعرفى ويساعد الطالب على توظيف ما يتعلمه فى حياته اليومية.

 

موقع الأب والمربى

وأشار كامل إلى أهمية الجانب الإنسانى والاجتماعى فى شخصية المعلّم، مؤكدًا أن المدرسة تمثل عالمًا مصغرًا يقضى فيه الطالب جزءًا كبيرًا من يومه، ما يجعل المعلّم فى موقع الأب والمربى والمرشد، وليس مجرد ناقل للمعلومة.

وطالب بأن يكون تدريب المعلمين على التعامل الإنسانى السوى مع الطلاب جزءًا أساسيًا من برامج التأهيل، من خلال مواقف تطبيقية واقعية داخل الأنشطة الصفية واللاصفية.

وأكد كامل أن للمدرسة دورًا رئيسيًا فى غرس قيم احترام الآخر ونبذ التنمّر، من خلال تفعيل لائحة الانضباط المدرسية بشكل عادل على جميع أطراف العملية التعليمية، سواء طلابًا أو معلمين أو إداريين، بما يضمن خلق بيئة تعليمية آمنة قائمة على الاحترام المتبادل وقبول الاختلاف دون تمييز أو سخرية.

وأوضح أن بناء منظومة تعليمية ناجحة يبدأ من الاهتمام بالإنسان قبل أى شيء، وأن تنشئة جيل يتمتع بالتوازن النفسى والاجتماعى، وقيم الاحترام والتقدير، من شأنها أن تسهم فى بناء مجتمع أكثر استقرارًا، بعيدًا عن الصراعات والمشكلات، وقادرا على التقدم والاستفادة من طاقاته البشرية بشكل إيجابى.

 

أولوية حقيقية

وقالت استشارى الصحة النفسية والعلاقات الأسرية الدكتورة نادية جمال، إن مسمّى «التربية والتعليم» ليس مجرد ترتيب لفظى، بل يعكس أولوية حقيقية، حيث تأتى التربية فى المقام الأول قبل التعليم، موضحة أن أى مسئول داخل هذه المنظومة تقع على عاتقه مسئولية تصحيح السلوكيات الخاطئة، وتوفير بيئة آمنة نفسيًا للطلاب، تحميهم من التعرض لأى إساءة .

وحذرت نادية جمال فى تصريحات صحفية من أن الإهانات العلنية التى يوجهها بعض المعلمين للطلاب أمام زملائهم قد تترك أثرًا نفسيًا عميقًا، يؤدى إلى كسر ثقة التلاميذ بأنفسهم ويجعلهم عرضة لمزيد من التنمّر من زملائهم.

 

تأهيل وتدريب

وأكدت داليا الحزاوى، مؤسس ائتلاف أولياء أمور مصر، أن هناك خللًا فى بعض أساليب التعامل التربوى داخل المدارس، مشددة على أن هناك حاجة ملحّة لإعادة تأهيل وتدريب القيادات التعليمية والمعلمين، ليس فقط على الجوانب الأكاديمية، ولكن على أساليب التعامل الإنسانى والتربوى السليم مع الطلاب، خاصة فى المراحل العمرية الحساسة.

وقالت داليا الحزاوى فى تصريحات صحفية : إن المواقف المسئية لبعض المعلمين والقيادات التعليمية قد تترك أثرًا نفسيًا سلبيًا على الطفل، يصل به إلى كراهية المدرسة أو النفور منها، خاصة إذا لم يتم التعامل مع الموقف باحتواء وتقدير لمشاعر التلاميذ.

وشددت على أن هناك فارقًا كبيرًا بين التوجيه التربوى السليم، الذى يُراعى الخصوصية والاحترام، وبين تعريض الطالب لموقف علنى قد يُسبب له أذى نفسيًا عميقًا، لافتة إلى أنه من الأفضل توجيه الطالب بشكل فردى، أو من خلال الأخصائى الاجتماعى، بما يحفظ كرامته ويجنبه الشعور بالإهانة أمام الآخرين.

وطالبت داليا الحزاوى بأن يكون الحفاظ على مشاعر الطلاب وكرامتهم أولوية قصوى لدى أى مسئول داخل المنظومة التعليمية.

ونصحت أولياء الأمور فى حال تعرض أبنائهم لمواقف تنمّر، سواء من زملائهم أو من داخل المدرسة بالاستماع للطفل بهدوء واحتوائه نفسيًا، دون التقليل من مشاعره، ثم التواصل مع إدارة المدرسة ومقابلة الأخصائى الاجتماعى لمعرفة تفاصيل الواقعة، والتأكد من اتخاذ الإجراءات اللازمة وفق لائحة الانضباط المدرسية، موضحة أنه فى حالة ما إذا كان المتنمّر أحد المعلمين، فيجب التقدم بشكوى رسمية إلى إدارة المدرسة أو الإدارة التعليمية، لضمان التحقيق فى الواقعة ومحاسبة المسئول، مع الاستمرار فى دعم الطفل نفسيًا وتعزيز ثقته بنفسه.