الإغلاق المبكر للأنشطة التجارية ..”تخفيف أحمال الكهرباء” ترشيد أم إدارة أزمة مزمنة؟

- ‎فيتقارير

في ظل تصاعد الضغوط على أسواق الطاقة عالميًا وتزايد انعكاسات التوترات الجيوسياسية على تكلفة الإمدادات، جرى تداول تصريحات منسوبة لحكومة نظام السيسى ، برئاسة مصطفى مدبولي ، تتحدث عن حزمة إجراءات واسعة لترشيد استهلاك الكهرباء، في خطوة أثارت جدلًا حول دلالاتها وحدود جدواها الاقتصادية والاجتماعية.

وبينما تُطرح هذه الإجراءات باعتبارها “حلولًا مؤقتة” قابلة للتمديد وفق تطورات الأزمة، فإن طبيعتها توحي باتجاه متكرر نحو إدارة الأزمات عبر سياسات تقشفية سريعة، بدلًا من معالجة جذور اختلالات قطاع الطاقة أو تنويع مصادره بشكل أكثر استدامة.

 

وتشير التفاصيل المتداولة إلى أن الحزمة المقترحة قد تشمل:

  • تقليص إنارة الشوارع واللوحات الإعلانية بشكل ملحوظ.
     

  • فرض إغلاقات مبكرة للأنشطة التجارية، بما في ذلك المطاعم والمقاهي والمولات.
     

  • تقليص ساعات العمل داخل الحي الحكومي مع التوسع في العمل من المنزل.
     

  • دراسة تطبيق نظام العمل عن بُعد يومًا أو يومين أسبوعيًا في بعض القطاعات.
     

ويُنظر إلى هذه التوجهات على أنها محاولة مباشرة لخفض الاستهلاك في المدى القصير، لكنها في المقابل تطرح تساؤلات حول أثرها على النشاط الاقتصادي اليومي، خاصة في القطاعات الخدمية التي تعتمد على ساعات الذروة الليلية، إضافة إلى انعكاساتها المحتملة على معدلات النمو وحركة السوق.

كما يربط الخطاب الرسمي المتداول هذه الإجراءات بارتفاع أسعار الطاقة والتوترات الإقليمية، غير أن هذا التفسير قد لا يكون كافيًا لتبرير اللجوء المتكرر إلى حلول تنظيمية تمس نمط الحياة والعمل، دون تقديم رؤية أكثر شمولًا لإصلاح هيكلي طويل الأمد في قطاع الطاقة.

 

التفنيد والتحليل

ما الذي تعكسه البيانات والتقارير الدولية؟

تشير مراجعة عدد من التقارير الصادرة عن مؤسسات إعلامية وتحليلية دولية إلى أن أزمة الكهرباء في مصر لم تكن حالة طارئة منفردة، بل نمط متكرر امتد عبر أكثر من عام، حيث سُجلت اضطرابات وانقطاعات ملحوظة في 2023، قبل أن تعاود الظهور مجددًا في الفترة اللاحقة، بما يعكس استمرار نفس الضغوط الهيكلية دون معالجة جذرية حاسمة.

وتذهب هذه التقارير إلى أن تكرار الأزمة بهذا الشكل يشير إلى أن التعامل معها ظل في إطار “إدارة الأعراض” أكثر من كونه إصلاحًا جذريًا لمنظومة الطاقة، إذ تتكرر نفس الإشكالات المتعلقة بتوازن العرض والطلب، وكفاءة إدارة الأحمال، ومرونة البنية التحتية في مواجهة فترات الذروة.

وفي هذا السياق، أشارت تقارير لوكالة رويترز خلال 2023 إلى أن انقطاعات الكهرباء ارتبطت حينها بنقص إمدادات الغاز الطبيعي وارتفاع الطلب في أوقات الذروة، وهو ما كشف محدودية القدرة التشغيلية على تلبية الاستهلاك المتزايد.

https://www.reuters.com/ar/business/2ZVATTKAMFJUBDCSHUXN3YNF6I-2023-08-07/

 

كما أوضحت تقارير BBC أن الأزمة لم تكن مرتبطة بعامل واحد عابر، بل بمجموعة من الضغوط التشغيلية والاقتصادية المتداخلة، ما يجعل عودتها لاحقًا مؤشرًا على أن المعالجات السابقة لم تنجح في إحداث تحول هيكلي مستدام داخل قطاع الطاقة، بل اكتفت بتهدئة مؤقتة سرعان ما تتكشف محدوديتها مع تجدد نفس الظروف.

https://www.bbc.com/arabic/articles/cpwy4nwx23po

 

هل الأزمةمستمرةفعلاً؟ 

تشير مؤشرات وتحليلات في قطاع الطاقة إلى أن أزمة الكهرباء في الدول المعتمدة على الغاز الطبيعي، ومنها مصر، لا تُعامل عادة كأزمة قصيرة الأجل قابلة للحل السريع، بقدر ما تعكس حالة ضغط ممتدة على منظومة الإنتاج والاستهلاك.

وتُظهر بيانات ومراجعات صادرة عن مؤسسات دولية، من بينها البنك الدولي، أن قطاع الكهرباء في مصر يظل معتمدًا بدرجة كبيرة على الغاز الطبيعي كمصدر رئيسي لتوليد الطاقة، ما يجعله شديد الحساسية لتقلبات الأسعار العالمية وتغيرات الإمدادات، فضلًا عن النمو المستمر في الطلب المحلي على الكهرباء وتحديات توسع البنية التحتية بالشكل الكافي لمواكبة هذا الطلب .

وفي هذا السياق، يرى التحليل الطاقي أن الاعتماد المتكرر على أدوات مثل “ترشيد الاستهلاك” أو “إجراءات مؤقتة لإدارة الأحمال” لا يعكس بالضرورة معالجة جذرية للاختلالات الهيكلية، بقدر ما يشير إلى استمرار الضغط على المنظومة وغياب انتقال كامل نحو حلول توسعية طويلة الأمد تشمل تنويع مصادر الطاقة وتعزيز كفاءة الإنتاج.

https://www.worldbank.org/en/results/2023/03/14/reliable-and-affordable-access-to-clean-energy-for-2-25-million-households-in-egypt

 

الخلاصة

تشير المعطيات الدولية وسياق سياسات الطاقة في مصر إلى أن الإجراءات المنسوبة لعام 2026، في حال تطبيقها بصيغ مشابهة، تندرج ضمن إطار إدارة الطلب على الكهرباء أكثر من كونها معالجة جذرية لاختلالات قطاع الطاقة.

ويُفهم من تكرار هذا النمط من السياسات عبر فترات زمنية مختلفة أن الضغوط الهيكلية على المنظومة لا تزال قائمة، وأن الاستجابة الرسمية تميل إلى حلول تنظيمية قصيرة الأجل تعتمد على تقليص الاستهلاك وضبط الأحمال، بدلًا من الانتقال إلى إصلاحات إنتاجية وبنيوية أوسع.

وفي هذا السياق، يعكس استمرار اللجوء إلى هذه الأدوات أن أزمة الطاقة لا تُدار بوصفها ملفًا انتهى حله، بل كحالة ضغط ممتدة تتأثر بتقلبات الأسواق العالمية للطاقة وبالتوازنات الداخلية، ما يجعل الحلول المطروحة أقرب إلى التخفيف المؤقت منها إلى المعالجة المستدامة.