ارتفاع قياسي للدين الخارجي ..كيف عمّق السيسي أزمة الاقتراض ورسّخ هيمنة العسكر على مفاصل الاقتصاد ؟

- ‎فيتقارير

تواصل الديون الخارجية لمصر تسجيل مستويات غير مسبوقة، في وقت تتراجع فيه قدرة الدولة على السداد دون اللجوء إلى قروض جديدة، ما يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول أسباب الإصرار الرسمي على سياسة الاقتراض المكثف، رغم التحذيرات المتكررة من المؤسسات الدولية وخبراء الاقتصاد.

 

وبحسب بيانات حديثة، ارتفع الدين الخارجي لمصر إلى نحو 163.7 مليار دولار بنهاية سبتمبر 2025، في مقابل 152.9 مليار دولار في يونيو 2024، بينما باتت خدمة الدين تلتهم أكثر من 50% من إجمالي مصروفات الموازنة العامة للعام المالي 2025–2026، ما يضع الاقتصاد المصري في دائرة مفرغة من الاقتراض لسداد الاقتراض.

 

اقتصاد الدولة في مواجهة اقتصاد الجيش

 

 يرى مراقبون أن أحد أبرز العوامل المفسّرة لهذا المسار يتمثل في توسّع الدور الاقتصادي للمؤسسة العسكرية، التي باتت تهيمن على قطاعات استراتيجية، من الإنشاءات والطاقة إلى التعدين والذهب، في ظل غياب الشفافية والرقابة البرلمانية.

 

ففي الوقت الذي تُطالب فيه الحكومة القطاع الخاص بتحمّل أعباء الإصلاح الاقتصادي، تتمتع شركات تابعة للجيش بإعفاءات ضريبية وجمركية، وتُمنح امتيازات حصرية في مشروعات كبرى، من بينها استغلال مناجم الذهب، التي تدر عوائد بمئات الملايين من الدولارات سنوياً، دون أن تنعكس بشكل واضح على الخزانة العامة للدولة.

 

احتكار الموارد وتآكل السيادة المالية

هذا التمدد خلق ما يصفه اقتصاديون بـ "اقتصاد موازٍ"، يمتلك أصولاً واحتياطيات تتجاوز في بعض الأحيان إمكانيات مؤسسات مدنية كاملة، ما أضعف قدرة الدولة على تعظيم مواردها، وقلّص من فرص المنافسة العادلة، وأبعد الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي تشترط بيئة اقتصادية شفافة.

في المقابل، تعتمد الحكومة على قروض خارجية جديدة من الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي لسد فجوات التمويل، وهو ما يعني عملياً ترحيل الأزمة إلى الأجيال المقبلة، بدل معالجة جذورها المتمثلة في هيكل الاقتصاد ذاته.

 

أزمة هيكلية لا مالية فقط

 اللافت أن الأزمة لم تعد أزمة سيولة مؤقتة، بل تحوّلت إلى أزمة هيكلية، حيث تُستخدم القروض في سداد فوائد وأقساط ديون سابقة، لا في مشروعات إنتاجية قادرة على توليد عوائد مستدامة، في ظل غياب فصل واضح بين دور الدولة الاقتصادي ودور المؤسسة العسكرية.

وفي ظل هذا المشهد، تبدو مصر عالقة بين ديون تتراكم، واقتصاد رسمي عاجز، واقتصاد موازٍ يتمتع بالامتيازات، ما يطرح سؤالاً مركزياً: هل يمكن إنقاذ الاقتصاد المصري دون إعادة تعريف دور الجيش في النشاط الاقتصادي، وإخضاعه لقواعد الشفافية والمساءلة ذاتها التي تُفرض على باقي مؤسسات الدولة؟