أثارت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن خطة الولايات المتحدة للسيطرة على جزيرة جرينلاند موجة قلق واسعة في أوروبا، حيث حذرت الدنمارك من أن السيطرة الأمريكية على جرينلاند قد تعني نهاية حلف شمال الأطلسي (الناتو) بصيغته الحالية.
فيما أكدت استطلاعات رأي أن غالبية سكان جرينلاند يعارضون بشدة سيطرة الولايات المتحدة على الجزيرة، في حين تؤيد أغلبية كبيرة منهم الاستقلال عن الدنمارك.
جاءت تصريحات ترامب بعد عملية عسكرية جريئة في فنزويلا، أدت إلى اعتقال السلطات الأمريكية للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته.
قاعدة عسكرية
يشار إلى أن جرينلاند تستمد أهميتها الكبرى من موقعها الجغرافي، إذ تقع بين المحيط المتجمد الشمالي والمحيط الأطلسي الشمالي، وتوجد على أراضيها قاعدة عسكرية أمريكية متخصصة في الدفاع الصاروخي ويُقدَّر عدد الجنود الأمريكيين المتمركزين هناك بنحو 150 جنديًا بشكل دائم، بعد أن كان العدد يقارب 6000 جندي خلال فترة الحرب الباردة .
ويقع معظم الإقليم داخل الدائرة القطبية الشمالية، وهي منطقة تشهد تنافسًا متزايدًا بين القوى الكبرى على النفوذ العسكري والتجاري.
ويمنح التحكم في جرينلاند الولايات المتحدة موقعًا استراتيجيًا على ممر بحري حيوي يربط الأطلسي بالقطب الشمالي، في وقت يؤدي فيه تغير المناخ إلى ذوبان الجليد وفتح طرق ملاحة كانت مغلقة سابقًا، وفقًا لصحيفة " نيويورك تايمز".
ممر جيوك
وتقع الجزيرة التي يبلغ عدد سكانها نحو 57 ألف نسمة، بالقرب من طرق الشحن القطبية الناشئة، حيث يفتح الذوبان السريع للجليد المجال أمام تقليص كبير في زمن الرحلات بين آسيا وأوروبا.
كما تقع جرينلاند ضمن ما يُعرف بـ"فجوة جرينلاند، آيسلندا، المملكة المتحدة" أو "ممر جيوك"، وهي نقطة اختناق بحرية استراتيجية تربط القطب الشمالي بالمحيط الأطلسي.
من الناحية الاقتصادية، تحتوي جرينلاند على مخزونات ضخمة من المعادن النادرة، المستخدمة في تصنيع البطاريات والهواتف المحمولة والمركبات الكهربائية وغيرها من التقنيات المتقدمة، وهي سوق تهيمن عليه الصين عالميًا.
وتشير تقديرات إلى أن السيطرة على جرينلاند قد تمكّن الولايات المتحدة من الاستحواذ على نحو خُمس هذه المعادن عالميًا، إذ تضم الجزيرة قرابة 1.5 مليون طن من النيوديميوم والديسبروسيوم والتيربيوم.
النفط والغاز
ويُنظر إلى ذلك بوصفه وسيلة لتقليل اعتماد واشنطن على الصين، التي تسيطر على 90% من سلاسل الإمداد العالمية للمعادن الأرضية النادرة.
ويقول العلماء إن أجزاء من الجرف القاري لجرينلاند قد تحتوي على رواسب كبيرة من النفط والغاز، غير أن حكومة جرينلاند تخلت عن طموحاتها النفطية عام 2021، بسبب المخاطر البيئية وضعف الجدوى التجارية.
كما اتخذت الجزيرة خطوات قانونية للحد من أنشطة التعدين المدمرة للبيئة، من بينها حظر تعدين اليورانيوم في العام نفسه، وهي إجراءات يمكن إلغاؤها في حال سيطرت الولايات المتحدة على الإقليم.
روسيا والصين
فى المقابل لم يُبدِ ترامب أي تراجع عن موقفه، بل صعّد البيت الأبيض من حدة التوترات معلنًا أن الرئيس وفريقه يدرسون مجموعة من الخيارات لضم الإقليم الدنماركي المتمتع بالحكم الذاتي إلى الولايات المتحدة، بما في ذلك خيار القوة العسكرية .
وشدد ترامب على الأهمية الاستراتيجية لجرينلاند، قائلًا إن الجزيرة باتت محاطة بسفن روسية وصينية، وإن الولايات المتحدة بحاجة إليها من منظور الأمن القومي.
وأكد أن جرينلاند تمثل ركيزة أساسية للأمن القومي الأمريكي، مشيرًا إلى أن الدنمارك لا تنفق ما يكفي على حمايتها، وأن امتلاك الولايات المتحدة للجزيرة ضروري لمنع روسيا أو الصين من بسط نفوذهما عليها.
القبة الذهبية
ويرى محللون أن جرينلاند قد تمثل قاعدة انطلاق مهمة لتعزيز الوجود الدفاعي الأمريكي، وموقعًا محتملاً لنشر صواريخ اعتراض، في إطار مشروع "القبة الذهبية"، أحد أبرز سياسات إدارة ترامب الدفاعية.
ويُعد هذا النظام، الذي أُطلق في مايو من العام الماضي وتُقدَّر تكلفته بمليارات الدولارات، خطة طموحة تهدف إلى حماية الولايات المتحدة من مختلف أنواع الهجمات الصاروخية، وغالبًا ما يُقارن بنظام "القبة الحديدية" الصهيوني.
المصالح التجارية
فى هذا السياق قال أوتو سفيندسن الباحث المشارك في برنامج أوروبا وروسيا وأوراسيا بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) في واشنطن، إن الولايات المتحدة تمتلك قاعدة إنذار مبكر في شمال غرب جرينلاند لأسباب وجيهة، موضحًا أن أقصر مسار لصاروخ باليستي روسي باتجاه الولايات المتحدة القارية يمر عبر جرينلاند والقطب الشمالي.
وأضاف سفيندسن أن القاعدة التي تضم مطارًا نشطًا وميناء لعبت دورًا محوريًا في مراقبة الغواصات الروسية التي تعبر ما يُعرف بممر "جيوك".
وأشار إلى أن جرينلاند تقع عند تقاطع مسارين ملاحيين محتملين عبر القطب الشمالي، هما الممر الشمالي الغربي وطريق البحر العابر للقطب الشمالي موضحا أنه مع تزايد جدوى هذين الطريقين بفعل تغير المناخ، تتعزز المصالح التجارية في المنطقة، ما يرفع من القيمة الاستراتيجية لجرينلاند في سياق الأمن القومي.