على امتداد السنوات الماضية، تعاظم حضور خطاب حقوقي ومعارض يحمّل السلطة المصرية مسؤولية استخدام القضاء والأجهزة الأمنية كسلاح سياسي لإسكات المنتقدين. غير أن التطورات الأخيرة المتعلقة بالناشط المصري المقيم في أوروبا أنس حبيب، وما رافقها من ملاحقات طاولت أسرته داخل البلاد، فتحت الباب أمام تساؤلات أوسع حول مدى انتقال القمع من الداخل إلى الخارج، وكيف تحوّل النقد السياسي في عهد المنقلب السفاح عبد الفتاح السيسي إلى جريمة عابرة للحدود، وفق توصيف منظمات حقوقية.
هذا التحقيق يقدّم قراءة موسّعة لمشهد يتداخل فيه القانون بالأمن والدبلوماسية، ويكشف آليات الضبط السياسي التي تُتهم السلطة باستخدامها لإحكام السيطرة على المجال العام، مستهدفاً كل من يرفع صوته داخل مصر أو خارجها.
أولاً: إحالات بالجملة… قضاء يتحرك في الاتجاه ذاته
في منتصف عام 2025، أعلنت نيابة أمن الدولة العليا إحالة 50 مواطناً إلى محكمة الجنايات، بينهم ناشطون ومحامون ومعارضون، وذلك في القضية رقم 1282 لسنة 2024.
الملفت في هذه الإحالة، التي وصفتها منظمات حقوقية بأنها "انتقامية"، أنها جاءت غيابياً بحق عدد من المتهمين المقيمين في الخارج، وعلى رأسهم الناشط أنس حبيب، الذي اكتسب شهرة متصاعدة عبر منصات التواصل.
اتهامات سياسية بغطاء قانوني
تتضمن أوراق القضية تهم “قيادة وتمويل جماعة أُسست على خلاف القانون” و“ممارسة سياسات مناهضة للدولة” — وهي عبارات درج القضاء على استخدامها في قضايا النشطاء والمعارضين، بحسب تقارير حقوقية.
وترى الشبكة المصرية لحقوق الإنسان أن الإحالة الجماعية من دون تحديد موعد للمحاكمة أو إتاحة الضمانات القانونية للمتهمين تمثل “نقطة جديدة في مسار توظيف القضاء لتصفية الخصوم السياسيين”.
ثانياً: أنس حبيب… صوت رقمي يربك الدولة
من معارضة عبر الشاشة إلى مواجهة في الشارع الأوروبي
برز اسم أنس حبيب كأحد الأصوات الشبابية المعارضة التي تعتمد على المحتوى المرئي المباشر، موجهاً انتقادات حادة للسلطات المصرية في ملفات حقوق الإنسان والاقتصاد. ومع ازدياد متابعيه وانتشار مقاطع فيديوه، تحوّل إلى هدف معلن لآلة الهجوم الإعلامي الرسمي والرقمي في الداخل.
حادثة لاهاي: الشرارة التي أفزعت القاهرة
بلغ نشاط حبيب ذروته في يوليو/تموز 2025، حين أقدم على إغلاق بوابات السفارة المصرية في لاهاي بهولندا بسلاسل حديدية، في خطوة رمزية احتجاجاً على ما وصفه بـ"استمرار غلق معبر رفح".
ورغم أن الشرطة الهولندية تعاملت مع الحادثة باعتبارها "وقفة احتجاجية غير مرخصة"، فإن أصداءها وصلت القاهرة سريعاً، وسط تقارير عن "انزعاج رسمي" من الانتشار الواسع للفيديو الذي ظهر فيه حبيب.
ثالثاً: العقاب بالوكالة… عندما يُهاجَم المعارض في أهله
اعتقال خاله… رسالة أبعد من التهمة
بعد يوم واحد فقط من الحادثة، اعتقلت قوات الأمن المصرية خال حبيب، مختار طايل (68 عاماً)، من منزله بمحافظة البحيرة. وبحسب شهادات حقوقية، جرى احتجازه خمسة أيام من دون سند قانوني قبل عرضه على نيابة أمن الدولة.
تقول منظمات حقوقية إن اعتقال أفراد من أسرة ناشط معارض بالخارج يدخل ضمن ما تسميه “سياسة العقاب بالوكالة”، حيث يُستخدم أقارب المعارضين كورقة ضغط لإجبارهم على التراجع أو الصمت.
إدراج ابن شقيقه… تمدد القضية
لم يقف الأمر عند الخال. فقد تم إدراج عمر مختار، ابن طايل، ضمن القضية نفسها، وجرى التحقيق معه لاحقاً، رغم عدم وجود نشاط سياسي معروف له. وفي أغسطس/آب 2025، صدر قرار بتمديد حبسهما، ما أثار موجة انتقادات حول "انتقام جماعي" من عائلة حبيب.
رابعاً: مطاردة عبر الحدود… بروكسل، لاهاي، والقاهرة
في أكتوبر/تشرين الأول 2025، وجدت السلطات البلجيكية نفسها وسط مشهد متوتر تزامن مع زيارة السيسي لبروكسل.
فقد أوقفت الشرطة البلجيكية أنس حبيب وشقيقه بناءً على بلاغات إعلامية تتعلق بـ"المراقبة والتهديد". لم تُثبت الاتهامات، لكنّ التوقيف شكّل حلقة جديدة في سلسلة الضغوط العابرة للدول التي تحاصر نشاط حبيب.
تحركات دبلوماسية وقانونية في هولندا
بالتوازي، تحركت جهات أمنية مصرية عبر القنوات الدبلوماسية لمنع حبيب من الاقتراب من السفارة في لاهاي. ورغم أن الإجراءات اتخذت تحت عنوان "حماية البعثات الأجنبية"، يعتبرها معارضون محاولة لتجريم أي نشاط احتجاجي خارج مصر.
خامساً: قراءة في المشهد… قمع يتجاوز حدود الجغرافيا
يعكس هذا الملف تعقيداً متزايداً في طريقة تعامل الدولة المصرية مع المعارضة. فبينما كانت الملاحقات سابقاً محصورة داخل الحدود، تظهر الوقائع الحالية ميلاً متنامياً إلى:
استهداف المعارض في الخارج عبر القنوات القانونية والدبلوماسية.
ملاحقة أفراد أسرته داخل البلاد للضغط عليه.
استخدام القضاء الاستثنائي في قضايا سياسية تُغلّف بتهم فضفاضة.
توسيع التجريم ليشمل التعبير الرقمي والنشاط الاحتجاجي حتى لو وقع خارج الأراضي المصرية.
ويرى حقوقيون أن هذا النهج يجعل من النقد السياسي مخاطرة تمتد آثارها إلى نطاق عائلي وإقليمي ودولي، ويعكس حساسية النظام الشديدة تجاه الأصوات التي تتخطى حدود السيطرة المحلية وتصل إلى الساحة الأوروبية.
خاتمة: دولة تخشى الصوت الحر
تكشف قضية أنس حبيب عن صورة أوضح لنظام يرى في الكاميرا والهاتف والمنصة الرقمية خطراً يفوق التنظيمات والأحزاب، في زمن بات فيه أي صوت قادر على الانتشار والوصول إلى جمهور واسع خلال دقائق.
وبينما تستمر الإجراءات القضائية والأمنية ضد حبيب وعائلته، يتسع النقاش في الأوساط الحقوقية حول السؤال الجوهري:
هل تحوّل النقد في مصر إلى جريمة عابرة للحدود؟
وإلى أين يمكن أن يصل منسوب الترهيب السياسي في بلد يعاقَب فيه المواطن داخل حدود بلده… وذووه خارجها؟