لا تزال حكومة العسكر تلتزم الصمت حيال ترحيل السلطات التونسية رجل أعمال مصري يدعى محمد السماحي، الشهير بجاسوس السيسي، وذلك في أعقاب متابعة نشاطاته لمدة طويلة وتوقيفه بشبهة ارتباطه بأوساط استخباراتية مصرية وسعودية وإماراتية تستهدف زعزعة استقرار التجربة التونسية، والتمهيد لانقلاب جديد على المسار الديمقراطي الذي جاء ثمرة لثورة الياسمين.
وسبق أن أكد رئيس المنظمة الوطنية لمكافحة الفساد في تونس، ماهر زيد، أن السماحي مرتبط بشبكة دعم وتمويل “إماراتية- سعودية- مصرية”، تضخ حاليا الكثير من الأموال بغرض إحداث فتنة في تونس، والتأثير على مسار انتخابات الرئاسة المقبلة، مؤكدا أن الإمارات والسعودية ضختا أموالا كثيرة لرجل الأعمال المصري المُرحّل؛ على أمل ضرب استقرار تونس خلال المرحلة الراهنة.
ويعد عضو البرلمان رضا شرف الدين، المتهم بإيواء السماحي، من المرشحين للانتخابات الرئاسية التونسية المرتقبة، ومن أبرز المشاركين في رأسمال قناة “التاسعة”، التي شهدت تزايد التمويلات بشكل لافت أخيرا، بعد أن كانت تعاني من شبح الإفلاس في الربيع الماضي، وهو ما مكنها من انتداب “نجوم” صحفية محلية.

شبكة السماحي
ونشرت شبكة “المدونين الأحرار”، عبر حسابها الرسمي على موقع “فيسبوك”، نقلاً عن “الصحبي العمري”، أحد المنشقين عن حركة النهضة، قوله: إن “وكيل جمهورية تونس، بشير العكرمي، هو من أمر بترحيل المصري المتهم بالتجسس لصالح أجهزة الاستخبارات السعودية والإماراتية والمصرية، وإيقاف الملاحقات ضده”.
وأشارت الشبكة إلى أن “الأجهزة الأمنية في تونس كشفت شبكة جواسيس يديرها السماحي، وعثرت أثناء مداهمتها لمنزله في سوسة على تسجيلات صوتية وصور لسهرات ولقاءات خاصة تضم العديد من الوجوه المعروفة في المشهد العام في تونس، منها حافظ قائد السبسي، وسفيان طوبال، وفاطمة طليقة الإعلامي علاء الشابي”.
وفي يونيو الماضي، كشفت تقارير إخبارية فرنسية عن مخطط للانقلاب في تونس بتدبير من وزير الداخلية الأسبق، لطفي براهم، بالتنسيق مع مسئولين في دولة الإمارات. وذكرت التقارير أن اجتماعًا سريًّا شهدته مدينة “جربة” جمع براهم بمدير الاستخبارات الإماراتية، وقتها، بعد عودته من اجتماع جمع الفرقاء الليبيين في باريس في 29 مايو 2018.

“نداء تونس”
السماحي، والذي على الأرجح هو ضابط متستر وراء أعمال التجارة والبيزنس، تركّز نشاطه في مدينة سوسة التونسية منذ عدة أشهر تحت غطاء المال والأعمال. وقالت مصادر تونسية ومصرية متطابقة: إن “السماحي كان مقيما في سوسة بضيافة عضو مجلس نواب الشعب عن حزب نداء تونس، رضا شرف الدين، وعُرف عنه ارتباطه بشبكة علاقات متشعبة مع نواب وسياسيين تونسيين مقربين من الرئاسة التونسية، من بينهم الناصر عمار، ووليد المهيري، وحافظ قائد السبسي، وسفيان طوبال، وأنس الحطاب”.
وما يؤكد أن السماحي ضابط مخابرات مصري، أن بداية ظهوره الاقتصادي في مصر كانت في مجال الأغذية والملابس، قبل أن يتجه لاحقا إلى الاستثمار العقاري”، كما كان ضيفا دائما في اللقاءات التي نظمها جهاز الاستخبارات العامة لرجال الأعمال المصريين بشأن تلبية احتياجات السوق، وتوفير المخزون من السلع الغذائية، في أعقاب انقلاب 30 يونيو2013، حين مرت الأسواق المصرية بمراحل من الاضطرابات”.
كما يرتبط السماحي بعلاقات وثيقة مع المسئولين في دولة الإمارات، إذ افتتح مقرًا إداريًّا لشركته في إمارة دبي، في الفترة التالية لانقلاب العسكر على الرئيس محمد مرسي.
السلطات التونسية احتجزت السماحي قبل أن تقوم بترحيله عقب التحقيق معه باتهامات متنوعة، بعضها يتعلق بالإقامة وممارسة أنشطة غير مشروعة، إذ كانت الوحدات الأمنية في محافظة سوسة تتابع تحركات رجل الأعمال المصري منذ نحو ثمانية أشهر، إلى أن رُحل أخيرًا إلى بلاده بإذن من وكيل الجمهورية التونسية.
جاسوس الثورات المضادة
من جانبه يرى الناشط التونسي، الصحبي العمري، أن المعطيات لدى الأمن التونسي دقيقة، وتثبت أن زرع السماحي كان عبارة عن عملية استخباراتية، خصوصا بعد حجز تسجيلات صوتية وصور توثق العديد من اللقاءات حول شبكة تورطت فيها وجوه معروفة في المشهد التونسي”.
وأوضح أن “هناك مراهنات على شخصية سياسية في تونس من جهة الساحل، وهذه الشخصية تحظى بثقة كبيرة من رئيس الدولة” (الباجي قائد السبسي). وبحسب العمري فإن التحقيقات الأولية أظهرت أن خلف رجل الأعمال المصري أجهزة استخبارات مصرية وسعودية وإماراتية، تهدف إلى الإطاحة برئيس الحكومة التونسية، يوسف الشاهد، مع الإشارة إلى أن إطلاق سراح السماحي بعد التحقيق معه تزامن مع زيارة الشاهد إلى السعودية، وربما بلغه هذا المخطط، لكنه قد يكون اختار إغلاق الملف.
وأضاف العمري أنه “رغم اعتراف السماحي بعلاقاته مع شخصيات وسياسيين تونسيين، وبمهمته في تونس، إلا أنه أطلق سراحه بأوامر عليا”.
تأتي هذه التطورات في ظل التزام المؤسسات الرسمية في تونس الصمت حيال هذه الأحداث الخطيرة التي تؤكد مساعي تحالف الثورات المضادة للتأثير في المشهد التونسي مع قرب انتخابات الرئاسة والبرلمان نهاية العام المقبل 2019م، في ظل مؤشرات تؤكد تفوق حركة النهضة التونسية ذات المرجعية الإسلامية على نداء تونس، الذي شهد انشقاقات حادة خلال المرحلة الماضية وتراجعت شعبيته بصورة كبيرة.