تضع استغاثات أُسر الأطفال المصابين بالضمور العضلي، وحملات التبرع لجمع ملايين الجنيهات لشراء العلاج، ملف الرعاية الصحية في مصر أمام أسئلة تتجاوز حدود المرض نفسه: أين تنتهي مسؤولية الأسرة، وأين تبدأ مسؤولية الدولة؟ وكيف يمكن التوفيق بين الإعلان عن مبادرات رئاسية للعلاج على نفقة الدولة وبين استمرار ظهور حالات تستنجد بالرأي العام لتوفير دواء قد تتوقف عليه فرصتها في الحياة؟
وفي يونيو 2021، أعلن عبد الفتاح السيسي مبادرة لعلاج الأطفال المصابين بالضمور العضلي، وسط حديث عن تحمل الدولة تكاليف العلاج الباهظة، لكن المنشورات والشهادات الواردة في هذا الملف تعيد طرح أسئلة عن استمرارية المبادرة، ومعايير إتاحة العلاج، ومصير الحالات التي لم تحصل عليه، ومدى وضوح المعلومات المتعلقة بالأعداد المستفيدة والجرعات المتاحة.
مبادرة علاج الضمور العضلي
وأُطلقت المبادرة الرئاسية لعلاج الأطفال المصابين بالضمور العضلي الشوكي في يوليو 2021، في ظل ارتفاع تكلفة العلاج الجيني، الذي قُدرت تكلفة الجرعة الواحدة منه آنذاك بملايين الدولارات.
وفي 4 يوليو 2021، نُقل عن وزيرة الصحة المصرية هالة زايد أن المرحلة الأولى ستشمل علاج 10 أطفال من بين 32 حالة، مع الإشارة إلى آلية مستدامة للتعامل مع الحالات الأكبر سنًا.
وفي أغسطس 2021، أعلنت وزارة الصحة إطلاق مبادرة للكشف المبكر عن الأمراض الوراثية لدى حديثي الولادة، بالتوازي مع الجهود المتعلقة بعلاج الضمور العضلي الشوكي.
ثم أوردت الهيئة العامة للاستعلامات، في تحديث منشور بتاريخ 4 ديسمبر 2022، بيانات عن استقبال الحالات وتشخيصها وإحالتها للتقييم، منها تشخيص 413 حالة من حالات الحثل العضلي بعد الفحوص السريرية والجينية، وإحالة 95 حالة لاستكمال إجراءات التقييم، وحقن 28 طفلًا بالعلاج الجيني من بين نحو 4آلاف حالة تقدمت للمبادرة بأرقام تخص مراحل وفئات مختلفة!
أين تبدأ الأسئلة الرقابية؟
المشكلة التي تطرحها الاستغاثات ليست إنكار وجود المبادرة، بل المطالبة بكشف نتائجها الفعلية واستمراريتها. ومن حق المرضى وأسرهم أن يحصلوا على إجابات واضحة عن الأسئلة التالية:
- كم عدد الأطفال الذين شُخّصوا، وكم عدد الذين تلقوا العلاج فعلًا؟
- ما المعايير الطبية التي تحدد أولوية الحصول على العلاج؟
- ما مصير الأطفال الذين لم يحصلوا على الجرعات المتاحة ضمن برامج الإتاحة المجانية؟
- هل توجد ميزانية معلنة وخطة مستدامة لتوفير العلاج والمتابعة الطبية؟
- ما الإجراءات المتبعة لمنع تأخر التشخيص أو ضياع فرص العلاج بسبب البيروقراطية؟
هذه أسئلة تتعلق بالشفافية والمساءلة وحقوق المرضى، ولا تكفي للإجابة عنها الصور الرسمية أو الأخبار المتفرقة عن حالات ناجحة.
"مبادرة" والأسر تلجأ إلى التبرعات؟!
وأمام المرض الخطير نجد نمط متكرر: أسرة تعلن إصابة طفلها بمرض خطير، وتناشد المسؤولين توفير العلاج، ثم تبدأ حملة تبرعات شعبية لتجميع مبلغ قد يصل إلى عشرات الملايين من الجنيهات. إذ يطرج مراقبون السؤال: كيف تتحول حالات علاج الأطفال إلى حملات إنقاذ فردية، بينما توجد مبادرة معلنة للعلاج على نفقة الدولة؟
وأخيرا نشر (@MazidNews) استغاثة لمواطن يطالب بتوفير علاج أطفاله المصابين بالضمور العضلي، قائلًا "إن أسرته لا تجد من يصرف لها الدواء".
https://x.com/MazidNews/status/2098456540693012908
كما شارك فنانون في المطالبات مباشرة بعد إعلام "المبادرة" ففي 22 يونيو 2022، دعا الفنان محمد هنيدي (@OfficialHenedy) إلى مساعدة الطفلة رقية، موضحًا ضيق الوقت المتاح أمامها للحصول على العلاج.
وتناول الدكتور مصطفى جاويش (@drmgaweesh) حملة #أنقذوا_حياة_رقية، مشيرًا إلى جمع 2.2 مليون دولار لتغطية تكلفة الحقنة، واعتبر أن الحملة كشفت قصورًا في توفير العلاج ضمن المبادرة الرئاسية.
ولماذا يحتاج علاج طفل إلى حملة تبرعات شعبية واسعة، وما مدى إمكانية حصول الحالات المماثلة على العلاج عبر القنوات الحكومية؟
سيلين وعلي معتز.. ملايين الجنيهات في مواجهة المرض
وفي 21 أكتوبر 2022، نشرت منصة الجزيرة مصر (@AJA_Egypt) خبر نجاح أسرة الطفلة سيلين في استكمال مبلغ علاجها، بعد حملة تبرعات إلكترونية جمعت 40 مليون جنيه.
وفي 7 أغسطس 2025، نقل الحساب نفسه إعلان والد الطفل علي معتز اكتمال تكاليف علاج نجله، التي بلغت 106 ملايين جنيه.
أما في 13 أبريل 2023، فقد تناول الحساب مبادرة أهالي وقبائل مطروح لجمع 1.7 مليون جنيه لعلاج طفل مصاب بالضمور العضلي، بعد استغاثة والده.
وبحسب مراقبين الحالات لا تمثل استثناءات فردية، بل تكشف فجوة في إتاحة العلاج لقوائم الانتظار، كما أن أعداد المستفيدين، حالات التي لم تحصل على العلاج، أصلا أو حصلت على دواء منه أو أجريت لها فقط الفحوصات مجانا.
حين لا يأتي العلاج في الوقت المناسب
ورد في المواد المرفقة أن الطفلة ليال أحمد عزب توفيت عام 2017 بعد تلقيها علاجًا مرتفع التكلفة، قُدرت قيمته آنذاك بنحو 35 مليون جنيه، وتستدعي هذه الواقعة التحقق من تفاصيلها الطبية والتاريخية قبل نشرها باعتبارها واقعة موثقة بالكامل، لكنها تطرح سؤالًا إنسانيًا لا يجوز تجاهله: كيف يمكن ضمان ألا تصبح القدرة المالية للأسرة عاملًا حاسمًا في فرص الطفل في الحصول على الرعاية؟
وسبق أن تساءل وكيل وزارة الصحة السابق الدكتور مصطفى جاويش (@drmgaweesh) عن استمرار جمع التبرعات، رغم وجود المبادرة الرئاسية، وأشار إلى أن شركة نوفارتس الأمريكية المنتجة للعلاج أتاحت 100 جرعة مجانية عالميًا، متسائلًا عن أسباب عدم استفادة جميع الأطفال منها.
وتجدر الإشارة إلى أن برنامج الإتاحة العالمية المجانية الذي أعلنته نوفارتس كان يتيح علاجًا لعدد محدد من الأطفال المؤهلين، ضمن شروط طبية وتنظيمية، وأعلنت الشركة في يناير 2022 تجديد البرنامج مع التخطيط لإتاحة ما يصل إلى 100 جرعة خلال ذلك العام.
ولا يثبت أن مصر حصلت على 100 جرعة بالفعل، أو أن جميع الجرعات التي حصلت عليها لم تُستخدم، أو أن عددًا بعينه من الأطفال حُرم من العلاج.
المبادرة الرئاسية لعلاج مرضى الضمور العضلي – الهيئة العامة للاستعلامات
من التطورات التي تستحق الإضافة إلى النقاش ما يتعلق بعقار Apitegromab، الذي يستهدف بروتين الميوستاتين، وهو بروتين يحد من نمو العضلات.
وفي سبتمبر 2026، أعلنت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) الموافقة على العقار تحت الاسم التجاري Isembyld لعلاج الضمور العضلي الشوكي لدى البالغين والأطفال من عمر عامين فأكثر، بشرط تلقيهم علاجًا يستهدف مسار SMN2، ويُعد هذا أول علاج معتمد يستهدف فقدان العضلات مباشرةً لدى مرضى الضمور العضلي الشوكي.
والمهم الالتفات إلى أن العقار ليس علاجًا شافيًا لجميع أنواع الضمور العضلي، ولا يغني عن العلاجات الأساسية الأخرى للضمور العضلي الشوكي. كما أن الموافقة الأمريكية لا تعني تلقائيًا توافره في مصر، أو تسجيله محليًا، أو تحمله ضمن منظومة التأمين الصحي.
ولكن يستدرك الأطباء إلى أن متابعة التطورات الدوائية ينبغي أن تقترن بسؤال واضح: ما خطة الدولة لتقييم العلاجات الحديثة، وتسجيلها، والتفاوض على أسعارها، وتوفيرها للمرضى المستحقين وفق الأدلة الطبية؟
الإنسولين المستورد
الدولة عملت على إخفاء الانسولين كما حدث مع لبن الأطفال، ولكت أن تمتد أزمة إتاحة العلاج إلى الأمراض المزمنة فهو من الكوارث، بحسب مراقبين.
لا تتوقف الأسئلة المتعلقة بالحق في الدواء عند الأمراض النادرة مرتفعة التكلفة، فالمواد المرفقة تتضمن أيضًا نقاشًا حول تصريحات وزير الصحة خالد عبد الغفار بشأن وقف استيراد الإنسولين الأجنبي، مع تبرير ذلك بوجود إنتاج محلي يغطي احتياجات السوق وتجنب إنفاق العملة الصعبة.
في المقابل، حذر الدكتور مصطفى جاويش (@drmgaweesh) من أن اختلاف عمليات التصنيع قد يؤثر في خصائص المستحضرات البيولوجية وتكافئها، وشدد على أن احتياجات المريض واستجابته للعلاج يجب أن تكونا في صلب القرار.
https://x.com/drmgaweesh/status/2087258469703295122
وهناك 3 أمور خاصة بالدواء المستورد؛ القدرة الإنتاجية المحلية، والتوافر الفعلي للصنف الذي يحتاج إليه المريض، والتكافؤ والجودة والسلامة، فالإعلان عن كفاية الإنتاج لا يثبت وحده تلبية احتياجات كل مريض، كما أن التحذير من اختلاف المستحضرات لا يثبت وحده عدم تكافؤ منتج بعينه؛ فذلك يحتاج إلى بيانات تنظيمية ودراسات مناسبة.
وضخت حكومة السيسي؛ 106 ملايين دولار في مشروع إحياء فندق الكونتيننتال، في مقابل معاناة أسر من تكاليف العلاج. كما وردت انتقادات لزيادة أسعار الأدوية بنسبة 42%، وهي نسبة تحتاج إلى تحديد الفترة الزمنية والأصناف التي تشملها قبل اعتمادها باعتبارها زيادة عامة في سوق الدواء.
ولا تكفي المقارنة بين تكلفة مشروع واحد وتكلفة علاج حالة واحدة لإثبات أن تمويل المشروع هو السبب المباشر في عدم علاج المريض. لكنها تفتح نقاشًا مشروعًا حول ترتيب الإنفاق العام، ووزن الإنفاق الصحي، وسبل ضمان تمويل علاجات الأمراض النادرة والمزمنة.
والمطلوب ليس الاختيار بين التنمية والرعاية الصحية على نحو مبسط، بل إخضاع الإنفاق العام لمعايير واضحة تقيس أثره الاجتماعي، وضمان ألا يؤدي نقص التمويل أو ضعف إدارة الموارد إلى حرمان المرضى من العلاج الضروري.
الحق في العلاج ليس حملة تبرعات
تكشف شهادات وتدوينات عن فجوة تستحق التحقيق بين الإعلان عن المبادرات الصحية وبين الأسئلة التي تطرحها الأسر بشأن الحصول الفعلي على الدواء، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات أن جميع المبادرات توقفت، أو أن كل حالة لم تتلق العلاج حُرمت منه بقرار سياسي مباشر.
فالحق في الصحة والحياة لا ينبغي أن يتوقف على قدرة الأسرة على جمع ملايين الجنيهات، ولا على انتشار استغاثة طفل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ومن مسؤولية الدولة أن توضح للمواطنين ما الذي تتيحه المنظومة الصحية بالفعل، وما الذي لا تزال عاجزة عن توفيره، وما خطتها لسد هذه الفجوات.
والهدف من هذا النقاش ليس التقليل من قيمة المبادرات الصحية أو تجاهل التطورات الطبية، بل ضمان أن تتحول الإعلانات والموارد المتاحة إلى علاج فعلي، ومعايير عادلة، وشفافية تتيح للمجتمع محاسبة المسؤولين عن تنفيذ السياسات الصحية.