أسعار التحاليل الطبية والفحوصات الإشعاعية تشهد فى زمن الانقلاب ارتفاعًا كبيرا، لتتحول بعض الفحوصات إلى عبء مالى يُضاف إلى أعباء المرض وتكاليف الدواء والمتابعة.
وبينما يؤكد الأطباء أن التشخيص الدقيق لا يمكن أن يقوم فى كثير من الحالات دون تحاليل وأشعة، يقف المريض حائرا بين حاجته إلى معرفة حقيقة حالته الصحية، وقدرته المادية على تحمل تكلفة التشخيص.
وتتكرر شكاوى المرضى من ارتفاع تكلفة الفحوصات، خاصة عندما تتراكم أكثر من مطالبة طبية فى وقت واحد، فيجد المريض نفسه أمام فاتورة قد تتجاوز قدرته على الدفع.
معاشى بالكامل
فى هذا السياق قال الحاج محمود السيد، 62 عامًا، موظف متقاعد: الطبيب طلب منى تحاليل لوظائف الكبد والكلى والسكر التراكمى، إلى جانب أشعة رنين مغناطيسى على الظهر.
وأضاف : عندما توجهت إلى أحد المراكز فوجئت بأن التكلفة الإجمالية تتخطى معاشى بالكامل، وأصبحت أمام خيارين إما أن آكل وأشرب أنا وأسرتى، أو أدفع ثمن الأشعة والتحاليل لكى أعرف تشخيص مرضى .
وقالت مروة على، أم لثلاثة أطفال، : الطبيب طلب إجراء مجموعة فحوصات لطفلى بسبب إصابته بحمى غامضة، حيث طلب صورة دم كاملة وتحليلًا للفيتامينات .
وأشارت إلى أنها تنقلت بين ثلاثة معامل فى نفس الشارع، وفوجئت بأن كل معمل يضع سعرًا مختلفًا تمامًا لنفس التحليل.
أجهزة مستوردة
من جانبه قال الدكتور أشرف الصياح إن ارتفاع أسعار التحاليل الطبية يرتبط بزيادة تكلفة الأجهزة والمستلزمات الطبية، موضحًا أن معظم الأجهزة المستخدمة فى معامل التحاليل مستوردة من الخارج، وبالتالى تتأثر بصورة مباشرة بارتفاع سعر الدولار.
وأوضح الصياح فى تصريحات صحفية أن ارتفاع أسعار التحاليل لا يرتبط بعامل واحد فقط، وإنما تدخل فيه مجموعة من العوامل، من بينها مستوى الخدمة المقدمة للمريض، وتكلفة تشغيل الأجهزة، وأجور العاملين والأطباء، فضلًا عن الخدمات الإضافية التى تقدمها بعض المعامل، مثل إرسال نتائج التحاليل عبر الهاتف المحمول.
ولفت إلى أن المشكلة الأكبر تتعلق بالمواطن الذى لا يمتلك مظلة تأمينية تتحمل جزءًا من تكلفة الفحوصات، فى حين أن بعض الجهات والنقابات لديها تعاقدات مع معامل أو منظومات صحية، بحيث يتحمل المريض جزءًا من التكلفة بينما تتحمل الجهة المتعاقدة الجزء الآخر، إلى جانب منظومة التأمين الصحى، التى توفر تغطية تختلف بحسب النظام والجهة التى تقدم الخدمة.
التشخيص
وشدد الصياح على أن التحاليل الطبية والفحوصات والأشعة تمثل جزءًا أساسيًا من عملية التشخيص الطبى، ولا يمكن النظر إليها باعتبارها إجراءات يمكن الاستغناء عنها، موضحا أن الطبيب قد يضع عدة احتمالات أمامه عند فحص المريض، وتأتى نتائج التحاليل والفحوصات لتساعده فى تأكيد التشخيص وتحديد مسار العلاج المناسب، بما يجعلها جزءًا مهمًا من عملية اتخاذ القرار الطبى.
وأضاف أن أهمية التحاليل لا تقتصر على التشخيص الأولى، وإنما تمتد إلى متابعة استجابة المريض للعلاج، موضحًا أن مريض السكرى، على سبيل المثال، يحتاج إلى إجراء فحوصات لمعرفة مدى استجابة جسمه للدواء، وتحديد ما إذا كان العلاج مناسبًا ويستمر عليه المريض، أم يحتاج إلى تعديل أو تغيير أو زيادة الجرعة.
وقال الصباح إن المتابعة فى بعض الحالات قد تصل إلى إجراء فحوصات كل ثلاثة أشهر، وفقًا لحالة المريض وطبيعة العلاج المستخدم، وهو ما يعنى أن تكلفة التشخيص لا ترتبط دائمًا بزيارة طبية واحدة، وإنما قد تصبح أمرا متكررًا على مدار رحلة العلاج.
وعن تفاوت أسعار التحاليل من معمل إلى آخر، أوضح أن اختلاف الأسعار يرتبط باختلاف مستوى الخدمة والتجهيزات والتكلفة التشغيلية بين المعامل، مشيرًا إلى أن بعض المعامل تنفق بصورة أكبر على الأجهزة الحديثة وجودة الكواشف والتعقيم ومستوى الخدمة المقدمة للمريض .
القرار الطبى
وأكد الدكتور أحمد بحلس، استشارى جراحة التجميل والجراحات الميكروسكوبية وعضو مجلس النقابة العامة للأطباء أن التحاليل الطبية والأشعة تمثل جزءًا أساسيًا من الممارسة الطبية ومنظومة التشخيص، مشددًا على أنه لا يمكن للطبيب الاستغناء عنها أو استبدالها ببدائل أخرى عندما تكون هناك حاجة طبية حقيقية لإجرائها.
وقال «بحلس» فى تصريحات صحفية إن طبيب جراحة التجميل، شأنه شأن الأطباء فى مختلف التخصصات، يحتاج إلى الاستعانة بالتحاليل والأشعة عند تقييم المرضى وتحديد الإجراءات الطبية المناسبة، لافتًا إلى أن الطبيب يطلب الفحوصات اللازمة وفقًا لحالة المريض، بينما يظل اختيار المكان الذى يجرى فيه المريض تلك الفحوصات أمرًا متروكًا له، وفق إمكانياته وظروفه.
ووصف التحاليل والأشعة بأنهما بمثابة «عين الطبيب»، موضحًا أنها تساعد على معرفة ما يحدث داخل جسم المريض، وقياس تطور حالته وتحديد كيفية التعامل معها، وما إذا كانت تستدعى تدخلًا طبيًا من عدمه.
وأشار «بحلس» إلى أن أهمية الفحوصات لا تقتصر على تشخيص المرض فقط، وإنما تمتد إلى مساعدة الطبيب فى اتخاذ القرار الطبى بصورة أكثر دقة، سواء فيما يتعلق ببدء العلاج أو التدخل الجراحى أو متابعة تطورات الحالة.
وشدد على أهمية تحقيق قدر من الاتزان فى التعامل مع التحاليل والأشعة، موضحًا أن الأمر لا يتعلق بكثرة الفحوصات التى يتم طلبها، وإنما بمدى احتياج المريض إليها وفق حالته .
حالة المريض
وأضاف «بحلس»: الطبيب مطالب بتقييم حالة المريض بصورة دقيقة، وطلب الفحوصات التى يحتاج إليها للوصول إلى التشخيص واتخاذ القرار الطبى، مع ضرورة تفهم المريض والمجتمع لطبيعة التدخلات الطبية وما قد يصاحبها من مضاعفات أو أعراض جانبية محتملة.
وأوضح أن ارتفاع تكلفة التشخيص لا ترتبط فقط بأسعار المعامل ومراكز الأشعة، وإنما قد تتأثر أيضًا بعدد الفحوصات المطلوبة للمريض ومدى ضرورتها الطبية، خاصة إذا تحولت بعض الفحوصات الإضافية إلى وسيلة لحماية الطبيب من احتمالات المساءلة بدلًا من كونها ضرورة مرتبطة بحالة المريض.
تكلفة اقتصادية
ولفت «بحلس» إلى أن زيادة عدد التحاليل والأشعة المطلوبة دون وجود ضرورة طبية حقيقية لا تمثل فقط عبئًا على المريض من الناحية الصحية أو الإجرائية، وإنما تفرض عليه أيضًا تكلفة اقتصادية غير ضرورية، خاصة فى ظل ارتفاع أسعار الخدمات الطبية والفحوصات.
وشدد على أن التحاليل والأشعة لا غنى عنها فى المنظومة الطبية، باعتبارها أدوات أساسية تساعد الطبيب على التشخيص واتخاذ القرار، لكن يجب استخدامها بصورة متزنة وفق الاحتياج الطبى الحقيقى للمريض.