التأمين الصحي الشامل.. فائض بالمليارات وفجوة في الخدمة تضع المرحلة الثانية أمام اختبار صعب

- ‎فيتقارير

لم يعد التأمين الصحي الشامل في مصر مجرد مشروع لتوفير العلاج، وإنما تحول إلى اختبار واسع لقدرة حكومة الانقلاب  على بناء منظومة للرعاية الصحية تجمع بين الاستدامة المالية وجودة الخدمة والعدالة في الوصول إلى العلاج.

ومع الاستعداد للتوسع في المرحلة الثانية من تطبيق المنظومة، تبرز مفارقة تحتاج إلى تفسير؛ فالأرقام الرسمية تشير إلى موارد مالية وفوائض كبيرة، بينما لا تزال شكاوى المواطنين والعاملين في القطاع الصحي تتعلق بنقص بعض الأدوية والمستلزمات، وطول فترات الانتظار، وضغط العمل على الأطقم الطبية، وعدم جاهزية بعض المنشآت لاستقبال المنتفعين.

وبالتالي، لا يبدو نجاح المنظومة مرتبطًا بعدد المستشفيات والوحدات التي تدخل الخدمة فقط، وإنما بقدرتها على تحويل الموارد المالية المتاحة إلى خدمة صحية فعلية يشعر بها المواطن داخل المنشأة الطبية.

مؤشرات مالية قوية.. لكن ماذا عن أثرها؟

وفق البيانات الرسمية الواردة عن المنظومة، بلغت الإيرادات نحو 281.3 مليار جنيه، فيما وصل الفائض المتراكم إلى 220.3 مليار جنيه، بينما بلغت نسبة تغطية الإيرادات للمطالبات نحو 72.5% خلال النصف الأول من العام المالي 2025/2026.

وتشير هذه الأرقام، في ظاهرها، إلى قدرة مالية كبيرة، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على نجاح منظومة التأمين الصحي الشامل؛ إذ يبقى السؤال الأهم هو طبيعة هذه الفوائض، ومدى سيولتها وقابليتها للإنفاق، وكيفية توجيهها، وما إذا كانت تنعكس بالفعل على مستوى الخدمة المقدمة للمواطن.

كما أن وجود نسبة تبلغ 27.5% من المطالبات غير المغطاة بالإيرادات، وفق الأرقام المشار إليها، يفتح بدوره بابًا للتساؤل حول آليات إدارة الموارد، والتعاقد مع مقدمي الخدمة، وسرعة تسوية المطالبات وسداد مستحقات الجهات الصحية.

وهنا تصبح الشفافية في نشر تفاصيل الإيرادات والمصروفات والمطالبات عنصرًا أساسيًا لفهم الوضع المالي الحقيقي للمنظومة، بدل الاكتفاء برقم إجمالي للفائض.

منظومة تمويل متعددة المصادر

يعتمد التأمين الصحي الشامل على هيكل تمويلي متعدد المصادر، يستهدف توفير موارد مستدامة وعدم تكرار أزمات التمويل التي عانت منها نظم الرعاية الصحية السابقة.

وتشمل هذه المصادر اشتراكات المؤمن عليهم من العاملين في القطاعين الرسمي وغير الرسمي، ومساهمات أصحاب الأعمال، إلى جانب مساهمات المرضى عند الحصول على بعض الخدمات، فضلًا عن موارد أخرى ينص عليها القانون.

كما تشمل المنظومة المساهمة التكافلية التي تُحصّل من المنشآت والشركات، والتي أقر مجلس النواب في يونيو 2026 تعديلات تشريعية تستهدف إحكام آليات تحصيلها وضمان وصول مواردها إلى الهيئة العامة للتأمين الصحي الشامل، بما يدعم استدامة تمويل النظام.

وتوجد كذلك موارد مرتبطة بالرسوم والمساهمات التي يحددها القانون، إلى جانب المنح والقروض وأوجه الدعم الخارجي الموجهة لدعم تطوير المنظومة.

وكان مسؤولون قد تحدثوا في وقت سابق عن شراكات مع مؤسسات دولية، من بينها البنك الدولي والوكالة الفرنسية للتنمية وهيئة التعاون الدولي اليابانية «جايكا» ومنظمة الصحة العالمية، لتقديم دعم مالي وفني لعملية تطوير النظام.

الفصل بين التمويل وتقديم الخدمة

من أبرز التغييرات الهيكلية في النظام الجديد الفصل بين جهة تمويل الخدمة والجهات التي تقدمها.

وتقوم فلسفة المنظومة على أن تتولى هيئة التمويل شراء الخدمات الصحية من مقدميها في القطاعين العام والخاص، وفق معايير محددة للجودة والاعتماد، بينما تتولى هيئة الاعتماد والرقابة الصحية وضع معايير الجودة ومتابعة الالتزام بها.

ويفترض أن يؤدي هذا الفصل إلى خلق علاقة أكثر وضوحًا بين التمويل وجودة الخدمة، بحيث يحصل مقدم الخدمة على مستحقاته مقابل خدمات صحية تستوفي معايير محددة.

لكن نجاح هذا النموذج لا يتوقف على تصميمه القانوني، وإنما على كفاءة تطبيقه وسرعة التعاقد والموافقات وتسوية المطالبات، وقدرة المنشآت الطبية على توفير الكوادر والمستلزمات المطلوبة.

المواطن أمام فجوة بين الرقم والخدمة

في المقابل، تظل تجربة المواطن هي المعيار الأكثر وضوحًا للحكم على أي منظومة صحية.

فبينما تتحدث المؤشرات المالية عن إيرادات وفوائض ضخمة، تتكرر شكاوى مرتبطة بطول الانتظار، والضغط على بعض المنشآت، ونقص بعض الأدوية والمستلزمات، فضلًا عن الأعباء التي قد يتحملها المنتفع عند الحصول على بعض الخدمات.

ولا تعني هذه الشكاوى بالضرورة وجود عجز مالي داخل المنظومة، لكنها تطرح سؤالًا آخر يتعلق بكفاءة تحويل الموارد إلى خدمات.

فقد تكون المشكلة في إدارة الموارد، أو في التعاقد وشراء الخدمة، أو في سرعة سداد المستحقات، أو في نقص المنشآت والكوادر القادرة على استيعاب الطلب، أو في عدم اكتمال البنية التشغيلية للمنظومة في بعض المناطق.

أزمة الأطباء.. الحلقة الأكثر حساسية

يمثل العنصر البشري أحد أكبر التحديات أمام التوسع في التأمين الصحي الشامل.

فالمنظومة مهما بلغت قدرتها المالية تحتاج إلى أطباء وتمريض وفنيين قادرين على تشغيل المنشآت وتقديم الخدمة، بينما يعاني القطاع الصحي الحكومي منذ سنوات من نقص في أعداد العاملين وضغوط بيئة العمل، بالتزامن مع اتجاه أعداد من الأطباء إلى العمل خارج البلاد.

وتشير نتائج واستطلاعات سابقة لنقابة الأطباء إلى استمرار مشكلات مرتبطة بظروف العمل، وهو ما يجعل تحسين بيئة العمل والأجور والحوافز جزءًا أساسيًا من نجاح أي توسع في التأمين الصحي الشامل.

فزيادة عدد المنشآت دون توفير الكوادر الكافية قد تؤدي في النهاية إلى توزيع الأطباء على عدد أكبر من المواقع، بدلًا من معالجة أصل المشكلة.

استبعاد وحدات صحية يضغط على الخدمة

وتبرز مشكلة أخرى مع دخول محافظات جديدة إلى المنظومة، وهي مدى جاهزية المنشآت والوحدات الصحية لمعايير الاعتماد والجودة.

وفي محافظة المنيا، التي ارتبطت ببداية التجهيز للمرحلة الثانية، جرى الحديث عن استبعاد 65 وحدة صحية من نطاق التشغيل لعدم استيفاء المعايير المطلوبة.

ويمثل هذا الوضع تحديًا مزدوجًا؛ فمن ناحية، يمثل الالتزام بمعايير الجودة ضرورة لحماية المرضى وضمان مستوى مناسب من الخدمة، ومن ناحية أخرى قد يؤدي استبعاد عدد كبير من الوحدات إلى زيادة الضغط على المنشآت البديلة، خصوصًا في المناطق ذات الكثافة السكانية المرتفعة.

المرحلة الثانية.. اختبار مختلف

وتزداد صعوبة التوسع مع دخول محافظات ذات كثافات سكانية أكبر إلى نطاق التطبيق.

فالمرحلة الأولى شملت محافظات ذات تركيبات سكانية وجغرافية مختلفة، بينما تفرض المرحلة الثانية تحديات مرتبطة بحجم الطلب المتوقع، وانتشار السكان، وعدد المنشآت المطلوب تأهيلها، وتوفير الأطقم الطبية، وتطوير البنية التحتية.

ومن ثم، فإن نجاح التوسع لا يعتمد فقط على توفير التمويل، وإنما على قدرة الدولة على بناء شبكة متكاملة من الوحدات والمستشفيات ومقدمي الخدمة، وتوفير الكوادر والمستلزمات قبل زيادة أعداد المنتفعين.

الفائض المالي ليس  مؤشرا على النجاح 

التجارب الدولية في مجال التغطية الصحية الشاملة، ومنها تجارب دول مثل تركيا وتايلاند ورواندا، تشير إلى أن بناء نظام صحي مستدام لا يعتمد على إصدار القوانين أو توفير التمويل فقط، وإنما على كفاءة الإدارة، وتوفير الموارد البشرية، وضمان جودة الخدمة، وربط الإنفاق بالنتائج الصحية.

وفي الحالة المصرية، تبدو الحاجة قائمة إلى نشر بيانات أكثر تفصيلًا تسمح بقياس العلاقة بين الأموال الداخلة إلى المنظومة والأموال التي يتم إنفاقها، وبين الإنفاق ومستوى الخدمة التي يحصل عليها المواطن.

فالمواطن لا يقيس نجاح التأمين الصحي بحجم الفائض المتراكم، وإنما بقدرته على الوصول إلى طبيب في الوقت المناسب، والحصول على الدواء والمستلزمات، وإجراء الفحوصات دون انتظار طويل، والحصول على خدمة آمنة لا تضع أعباء مالية إضافية على أسرته.

من الحسابات إلى العدالة الصحية

التحدي الحقيقي أمام التأمين الصحي الشامل هو الانتقال من مرحلة بناء الهيكل المالي والقانوني إلى مرحلة يشعر فيها المواطن بنتائج الإصلاح بصورة مباشرة.

وهذا يتطلب معالجة أزمة نقص الأطباء، وتحسين ظروف العمل داخل المنشآت الصحية، وتسريع تجهيز الوحدات والمستشفيات، وتحسين آليات التعاقد وسداد المطالبات، وضمان توافر الأدوية والمستلزمات.

كما يتطلب قدرًا أكبر من الشفافية في نشر البيانات المالية والتشغيلية، بحيث يمكن للمواطن والبرلمان والجهات الرقابية والمجتمع المدني معرفة حجم الموارد، وأوجه إنفاقها، وعدد المنتفعين، ومستوى الخدمة، ومتوسطات الانتظار، ونسب توافر الأدوية والمستلزمات.

ومع اقتراب التوسع في المرحلة الثانية، يصبح نجاح التأمين الصحي الشامل مرتبطًا بقدرته على سد الفجوة بين قوة الأرقام الرسمية وتجربة المواطن اليومية؛ لأن الاستدامة المالية تظل وسيلة، بينما يبقى الهدف النهائي هو حصول المواطن على رعاية صحية آمنة وفعالة وفي متناول الجميع.