بعد أكثر من عامين على بدء حكومة الانقلاب ما وصفته بإعادة هيكلة قطاع الكهرباء، وتحرير أسعار الطاقة ورفع أسعار بيع الكهرباء وتشديد الحملات الأمنية لملاحقة سارقي التيار، تكشف أحدث بيانات شركات توزيع الكهرباء عن نتيجة مغايرة لما تستهدفه هذه الإجراءات، بعدما ارتفع متوسط الفقد الفني والتجاري في الشبكة إلى نحو 23.2% حتى أغسطس 2026، مقابل نحو 20% خلال العام السابق.
وتشير البيانات الرسمية التي نشرتها صحف محلية إلى أن نسب الفقد ارتفعت في جميع شركات التوزيع مقارنة بالعام السابق، وإن تفاوتت معدلات الزيادة من شركة إلى أخرى، لتكشف الأرقام عن أزمة واسعة لا تقتصر على سرقات التيار وحدها، وإنما تمتد إلى كفاءة الشبكة وآليات تسجيل الاستهلاك وإدارة القطاع.
وبحسب البيانات، سجلت شركة جنوب القاهرة أعلى معدلات الفقد بنحو 36%، مقابل 23.1% في شمال القاهرة، و26% في جنوب الدلتا، و23.5% في شمال الدلتا، و23.2% في البحيرة، بينما بلغ الفقد نحو 22% في شمال الصعيد، و22.94% في مدن جنوب الوادي، و18% في مدن قناة السويس وسيناء، فيما سجلت الإسكندرية نحو 14%.
وتعني هذه الأرقام وجود فجوة ضخمة بين شركات التوزيع، إذ يتجاوز الفقد في جنوب القاهرة ضعفي مستواه في الإسكندرية، في وقت يبلغ فيه المتوسط العام 23.2%، بما يثير تساؤلات حول أسباب هذا التفاوت ومدى كفاءة إدارة الشبكات في المحافظات والمناطق المختلفة.
مليارات الجنيهات في مهب الفقد
لا تمثل نسب الفقد مجرد أرقام فنية في حسابات شركات الكهرباء، وإنما تتحول إلى خسائر مالية ضخمة يتحمل القطاع والمستهلكون تبعاتها.
وكانت صباح مشالي، نائب وزير الكهرباء ورئيس الشركة المصرية لنقل الكهرباء سابقاً، قد أوضحت أن الفقد الفني الطبيعي الناتج عن تشغيل معدات الشبكة يتراوح عادة بين 6% و8%، موضحة أن ارتفاع درجات حرارة المحولات، وطول خطوط النقل، وطبيعة الكابلات والشبكات، كلها عوامل تؤدي إلى فقد جزء من الطاقة أثناء عمليات النقل والتوزيع.
لكن الجزء الآخر من الفقد يرتبط بما يُعرف بالفقد التجاري، ومن أبرز أسبابه سرقة التيار والتوصيلات غير القانونية والتلاعب في العدادات وعدم تسجيل الاستهلاك بصورة صحيحة.
وبحسب مشالي، فإن وصول معدل الفقد إلى نحو 20% خلال العام الماضي كان يعني تكلفة تتراوح بين 48 و49 مليار جنيه، وهو ما يكشف حجم الأموال التي يمكن أن تضيع نتيجة ارتفاع الفقد، سواء كان فنياً أو غير فني.
ومع ارتفاع المتوسط حالياً إلى 23.2%، تصبح الخسائر المحتملة أكبر، في وقت تتحدث فيه الحكومة عن خسائر تقدر هذا العام بنحو 23 مليار جنيه نتيجة سرقة الكهرباء والفقد.
حملات أمنية وعدادات رقمية.. والنتيجة ارتفاع الفقد
المفارقة الأبرز أن ارتفاع معدلات الفقد يأتي رغم حملة حكومية واسعة بدأت منذ صيف 2024 لمواجهة سرقات التيار، شاركت فيها شرطة الكهرباء ومأمورو الضبطية القضائية بشركات التوزيع.
ولم تقتصر الحملات على المناطق العشوائية والمناطق الصناعية، وإنما امتدت إلى مجمعات سكنية فاخرة، وسط رصد مخالفات تتعلق بتوصيل الكهرباء إلى قصور وعمارات ومصانع خارج الحسابات الرسمية لشركات التوزيع.
كما اتجهت وزارة الكهرباء إلى التوسع في تركيب العدادات الرقمية والذكية، وتطبيق نظم الدفع الفوري، بهدف إحكام السيطرة على الاستهلاك وتقليل المتأخرات ومنع الحصول على الكهرباء خارج المنظومة القانونية.
وكان وزير الكهرباء محمود عصمت قد أعلن أن قيمة محاضر سرقات التيار المحررة خلال الفترة من أغسطس 2024 إلى أغسطس 2026 تجاوزت 20 مليار جنيه، كما تحدث عن اقتراب الوزارة من الانتهاء من تركيب نحو 1.1 مليون عداد رقمي لمحاسبة المخالفين لضوابط البناء لحين توفيق أوضاعهم قانونياً.
ورغم ذلك، لم تنعكس هذه الإجراءات في صورة انخفاض في المتوسط العام للفقد، بل ارتفع من نحو 20% إلى 23.2%.
3.4 ملايين محضر سرقة
وتكشف بيانات وزارة الكهرباء عن اتساع نطاق الظاهرة، إذ قال المتحدث باسم الوزارة منصور عبد الغني في نوفمبر 2025 إن شركات التوزيع سجلت 3.4 ملايين محضر سرقة تيار حتى 31 أكتوبر 2025.
وبلغت كمية الكهرباء التي جرى استهلاكها بصورة غير قانونية، وفق التصريحات، نحو 2.3 مليار كيلووات/ساعة، فيما وصلت قيمة المبالغ المحصلة من تلك المحاضر إلى نحو 12 مليار جنيه.
وكان وزير الكهرباء قد أعلن في سبتمبر 2024 تحرير مئات الآلاف من محاضر سرقة التيار خلال أسابيع، في إطار حملة واسعة شاركت فيها شرطة الكهرباء ومأمورو الضبطية القضائية.
إلا أن استمرار ارتفاع الفقد يطرح سؤالاً جوهرياً: هل تكفي الحملات الأمنية وتحرير المحاضر والغرامات وحدها لمعالجة أزمة متشابكة تمتد إلى بنية الشبكة وطريقة الإدارة وآليات القياس والتحصيل؟
الأرقام المعلنة لم تمر من دون انتقادات من داخل قطاع الكهرباء نفسه. فقد شككت صباح مشالي في دقة معدلات الفقد المنشورة خلال العام الماضي والعام الحالي، معتبرة أن هناك ما وصفته بـ«تجميل الصورة».
وقالت إن قناعتها الشخصية تتمثل في أن هناك «رقماً متجملاً» في العام الماضي وآخر في العام الحالي، مشيرة إلى أن بعض الأرقام تثير علامات استفهام كبيرة حتى بافتراض صحتها الكاملة.
وضربت مثالاً بشركة القناة، التي كان معدل الفقد لديها، بحسب تصريحاتها، نحو 11% خلال العام السابق، قبل أن يرتفع إلى 18% في العام التالي.
وتساءلت مشالي عن كيفية قفز معدل الفقد بهذا الحجم خلال عام واحد، لافتة إلى أن هناك شركات ارتفع فيها الفقد بنحو 7% أو 8% سنوياً، وهو ما وصفته بأنه «كارثة»، لأن خفض الفقد بنسبة 1% خلال عام واحد يعد في حد ذاته إنجازاً بالنسبة للشركة.
وأكدت أن الأرقام المنشورة بالنسبة إلى مختلف شركات التوزيع تحتاج إلى جهد كبير للتحقق منها ومعرفة أسبابها، خصوصاً أن كل نقطة مئوية في معدل الفقد تعني أموالاً ضخمة.
أين يذهب الفقد؟
وتوضح مشالي أن احتساب الفقد في شركات التوزيع يتم من خلال مقارنة كمية الكهرباء التي ترسلها الشركة المصرية لنقل الكهرباء مع الكمية التي تستلمها شركات التوزيع وتشتريها منها، موضحة أن الفرق بين الكميتين يمثل إجمالي الفقد.
وبحسب شرحها، فإن هذه الكميات تخضع للقياس من خلال عدادات، وبالتالي فإن التلاعب في إجمالي الطاقة الداخلة إلى شركات التوزيع والخارجة منها ليس أمراً سهلاً.
كما أشارت إلى أن بعض حالات الحصول على الكهرباء دون عدادات كانت مرتبطة بالإنارة العامة التي تديرها المحافظات، موضحة أن نسبة كبيرة من هذه الحالات جرى تغطيتها بالعدادات خلال الفترة الأخيرة.
ولفتت إلى أن تركيب العدادات في هذه الحالات يساعد على الانتقال من التقديرات إلى قياس الاستهلاك الفعلي، وهو ما يسمح للمحافظات والجهات المحلية بدفع قيمة الكهرباء التي تستهلكها بالفعل.
القطاع الخاص ليس الحلقة الأضعف
وفيما يتعلق بالشركات الخاصة المنتجة للكهرباء، أكدت مشالي أن هذه الشركات تبيع إنتاجها إلى شركة نقل الكهرباء عبر عدادات طاقة، وبالتالي تحصل على مستحقاتها وفقاً للكميات التي يسجلها العداد.
وأوضحت أن عداد البيع يكون عند المحول الخاص بالمنتج داخل المحطة، وأن أي فقد فني أو سرقات تحدث بعد ذلك داخل شبكة الدولة تقع ضمن مسئولية إدارة شبكة التوزيع.
وأشارت إلى أن عدد شركات الإنتاج الخاصة التي تورد الكهرباء إلى شبكات النقل والتوزيع العامة يتجاوز 100 شركة، معتبرة أن نسبة الفقد لديها تكاد تكون صفراً، نتيجة الاعتماد على العدادات الذكية ومنظومة بيانات دقيقة.
وترى مشالي أن التجربة تشير إلى أن السيطرة على الفقد ليست مستحيلة، وإنما تحتاج إلى «نوع من التنظيم الجيد».
المواطن الملتزم يدفع فاتورة الهدر
ولا تتوقف أزمة الكهرباء عند الفقد وسرقة التيار، وإنما ترتبط كذلك بارتفاع تكلفة إنتاج الكهرباء وتراكم مديونية القطاع.
وقال الخبير الاقتصادي وعضو هيئة التدريس بجامعة القاهرة مدحت نافع إن أزمة قطاع الكهرباء في مصر ترتبط بصورة أساسية بضعف تخطيط منظومة الطاقة وانخفاض كفاءة التشغيل، وليس بالدعم وحده.
وأشار إلى أن المواطن الملتزم بسداد فاتورته يتحمل في النهاية تكلفة سرقات الكهرباء والهدر في الشبكات وضعف التخطيط وديون القطاع، موضحاً أن مديونية قطاع الكهرباء لقطاع البترول تبلغ نحو 500 مليار جنيه.
كما ربط ارتفاع تكلفة إنتاج الكهرباء بانخفاض كفاءة بعض محطات التوليد والاعتماد الكبير على الغاز الطبيعي، في وقت تراجع فيه الإنتاج المحلي واضطرت الدولة إلى اللجوء لاستيراد الغاز المسال بالأسعار العالمية.
ودعا نافع إلى مزيد من التنسيق بين وزارات الكهرباء والبترول والموارد المائية، بهدف رفع كفاءة منظومة الطاقة وتقليل تكلفة الإنتاج.
رفع الأسعار لم يوقف النزيف
وتكشف حصيلة السنوات الأخيرة عن مفارقة واضحة؛ فحكومة الانقلاب اتجهت إلى رفع أسعار الكهرباء، وتوسيع استخدام العدادات الرقمية، وتشديد إجراءات التحصيل، وتكثيف الحملات الأمنية ضد السرقات، وتطبيق الدفع الإلكتروني، ومع ذلك ارتفع متوسط الفقد بدلاً من تراجعه.
وبينما تحصل الدولة على مليارات الجنيهات من محاضر سرقة التيار، فإن استمرار ارتفاع نسبة الفقد يعني أن جزءاً كبيراً من المشكلة لا يزال قائماً، وربما تكون راجعة الي استهلاك حقيقي وليس فقد لجهات لا تدفع فواتير مثل مصانع ومزراع ومساكن الجيش.
كما أن ارتفاع الفقد في بعض الشركات إلى مستويات تتجاوز 30%، ووصوله إلى 36% في جنوب القاهرة، يفتح الباب أمام تساؤلات أوسع بشأن كفاءة شبكات التوزيع، وآليات الرقابة الداخلية، وحجم الفقد الفني الحقيقي، ومدى انتشار التوصيلات غير القانونية والتلاعب في تسجيل الاستهلاك.
وبذلك، لا تبدو أزمة الكهرباء مجرد قضية مواطن يسرق التيار أو شركة تعجز عن التحصيل، وإنما أزمة منظومة كاملة؛ تبدأ من إنتاج الطاقة وتكلفة الوقود، مروراً بالنقل والتوزيع، ووصولاً إلى العدادات والتحصيل والرقابة.
والأهم أن ارتفاع الفقد إلى 23.2% في 2026، بعد حملات حكومية واسعة استمرت لأكثر من عامين، يضع فعالية هذه السياسات أمام اختبار حقيقي، خصوصاً أن كل زيادة في الفقد تعني في النهاية فاتورة إضافية يدفع ثمنها القطاع والمستهلك الملتزم، في ظل ارتفاع أسعار الكهرباء وتزايد أعباء المعيشة.