كشفت قراءة في تقرير البنك المركزي المصري حول السياسة النقدية خلال الربع الثاني من عام 2026، أن موجة التضخم التي شهدتها البلاد خلال الفترة لم تكن مدفوعة بصورة رئيسية بالعوامل الخارجية أو تحركات سعر الصرف، وإنما لعبت العوامل المحلية، وفي مقدمتها ارتفاع أسعار الخدمات والسلع التي تحدد الحكومة أسعارها إداريًا، دورًا متزايدًا في دفع الأسعار إلى أعلى.
وبحسب التقرير، ارتفع متوسط التضخم العام لإجمالي الجمهورية إلى 14.6% خلال الربع الثاني من عام 2026، مقابل 13.5% في الربع الأول، فيما ارتفع التضخم الأساسي من 12.6% إلى 14%.
وتأتي هذه الزيادة رغم تحسن قيمة الجنيه خلال الربع الثاني، إذ ارتفعت قيمته بنحو 10%، وانخفض سعر الدولار من 54.6 جنيها في نهاية مارس إلى 49.2 جنيها في نهاية يونيو.
الخدمات تتصدر مصادر التضخم
وتظهر بيانات البنك المركزي أن الخدمات كانت أكبر مساهم في التضخم خلال الربع الثاني من العام، إذ ساهمت بنحو 7.12 نقطة مئوية من إجمالي معدل التضخم البالغ 14.6%.
وتشمل مجموعة الخدمات بنودًا مثل السكن والاتصالات والسفر والمطاعم والمقاهي.
وكان ارتفاع الإيجارات أحد أبرز العوامل داخل هذه المجموعة، بعدما زادت بنسبة 11.6% خلال الربع الثاني، مقارنة بنحو 6% في الربع الأول، وهو ما يرجحه البنك المركزي إلى استمرار تأثير التعديلات السابقة على قانون الإيجار القديم.
كما ارتفعت رسوم خدمات الإنترنت الثابت والمحمول بنسبة 12.5% في مايو 2026، إلى جانب ارتفاع أسعار الخدمات المقدمة في المطاعم والمقاهي.
ويربط التقرير جزءًا من هذه الزيادات بالأثر المتأخر لارتفاع أسعار أسطوانات البوتاجاز والغاز الطبيعي، بما يعكس انتقال زيادة تكاليف بعض المدخلات إلى أسعار الخدمات التي يدفعها المستهلك.
السلع المحددة إداريًا.. الحكومة في قلب معادلة الأسعار
يأتي بند السلع والخدمات المحددة أسعارها إداريًا في المرتبة الثانية بين أكبر مساهمات التضخم، بعدما ساهم بنحو 3.08 نقطة مئوية، بما يعادل قرابة 21% من إجمالي التضخم خلال الربع الثاني.
وتضم هذه المجموعة الوقود والنقل والمياه والكهرباء والغاز الطبيعي والتبغ، إلى جانب بعض الأدوية والسلع الغذائية المدعمة والتعليم العام والاتصالات والتأمين الصحي.
وتكتسب هذه النسبة أهمية خاصة، لأن أسعار هذه السلع والخدمات لا تحددها قوى العرض والطلب وحدها، وإنما تتأثر بدرجة كبيرة بالقرارات الحكومية.
وبحسب تقرير البنك المركزي، فإن وزن هذه المجموعة في التضخم ارتفع بصورة واضحة خلال السنوات الأخيرة.
ففي العام المالي 2022/2023، كانت مساهمتها في متوسط التضخم العام تقدر بنحو 11% فقط، بينما ارتفعت إلى نحو 27% خلال العامين الماليين 2024/2025 و2025/2026، بالتزامن مع تعديلات أسعار الكهرباء والوقود وتعريفات النقل العام.
وبذلك أصبحت الأسعار التي تحددها الحكومة أو تؤثر فيها تمثل مصدرًا مباشرًا لنحو ربع التضخم العام في المتوسط خلال تلك الفترة.
الإصلاحات السعرية والدعم.. زيادات تضيف ضغوطًا جديدة
ويشير البنك المركزي إلى أن إصلاحات الدعم، التي تضمنت خفض الدعم تدريجيًا عن الطاقة والمرافق، إلى جانب التعديلات الدورية على أسعار السلع والخدمات المحددة إداريًا، ساهمت في زيادة التضخم.
وتعني هذه المعادلة أن المواطن يواجه ارتفاعًا في الأسعار نتيجة قرارات تتخذها الدولة نفسها، في الوقت الذي تتولى فيه السياسة النقدية لاحقًا مهمة مواجهة الآثار التضخمية لهذه القرارات من خلال أدوات مثل أسعار الفائدة.
وتكشف هذه العلاقة عن فجوة بين السياسة المالية والسياسة النقدية؛ فقرارات الحكومة المتعلقة بالأسعار والدعم يمكن أن تولد ضغوطًا تضخمية، بينما يجد البنك المركزي نفسه مضطرًا للتعامل مع نتائجها عبر سياسة نقدية أكثر تشددًا.
التضخم المستورد يتراجع.. والأسعار المحلية تواصل الصعود
ورغم تأثير التوترات الجيوسياسية والصدمات الخارجية على الاقتصاد المصري، فإن تقرير البنك المركزي يشير إلى أن تضخم السلع المستوردة تراجع بنحو 0.3 نقطة مئوية خلال الربع الثاني.
في المقابل، ارتفع التضخم العام بنحو 1.1 نقطة مئوية، ويشير ذلك إلى أن الزيادة في التضخم خلال الربع الثاني لم تكن مدفوعة بارتفاع مماثل في أسعار السلع المستوردة، وإنما جاءت بدرجة أكبر من مصادر محلية.
وهنا تتغير صورة التضخم مقارنة بالسنوات السابقة، عندما كان سعر الصرف وارتفاع أسعار السلع العالمية من أبرز محركات الأسعار في مصر.
ارتفاع الجنيه لم يخفض الأسعار
وخلال الربع الثاني، تحسن سعر صرف الجنيه أمام الدولار، لكن هذا التحسن لم ينعكس بصورة فورية على معدلات التضخم أو أسعار السلع والخدمات.
ويوضح البنك المركزي أن انتقال أثر تحركات سعر الصرف إلى الأسعار لا يحدث بصورة لحظية، كما أن تحسن الجنيه لم يكن كافيًا بمفرده لخفض التضخم، خصوصًا مع استمرار ارتفاع أسعار الخدمات والسلع المحددة إداريًا.
وبذلك، لم يعد سعر الصرف وحده العامل الأبرز في تفسير ارتفاع الأسعار، بعدما أصبحت القرارات المحلية المتعلقة بالتسعير والطاقة والمرافق والنقل أكثر تأثيرًا.
ماذا عن الأجور؟
وتثير هذه المعطيات سؤالًا آخر: إذا كانت الأسعار ترتفع بهذا المعدل، فهل ارتفعت أجور المصريين بالنسبة نفسها؟
ويقدم تقرير البنك المركزي إجابة مهمة؛ إذ يشير إلى تباطؤ معدل النمو السنوي للأجور الحقيقية بصورة حادة، ليسجل 1.3% خلال الربع الأول من عام 2026، مقارنة بـ11% خلال الفترة نفسها من العام السابق.
وتضع هذه الأرقام علامات استفهام حول تفسير التضخم باعتباره نتيجة ارتفاع الطلب الاستهلاكي الناتج عن نمو قوي في دخول المواطنين.
فالمعطيات الواردة في التقرير تشير إلى أن التضخم في مصر يحمل بدرجة كبيرة سمات تضخم التكاليف، إلى جانب تأثير الزيادات في الأسعار المحددة إداريًا، وليس مجرد تضخم ناتج عن زيادة الطلب بسبب ارتفاع الأجور والقوة الشرائية.
وهذا يختلف عن بعض التفسيرات التي تحمل نمو الأجور مسؤولية ارتفاع الأسعار، ومنها آراء اقتصادية ترى أن زيادات الأجور قد تساهم في زيادة التضخم.
الحكومة ترفع الأسعار.. ثم تدفع فاتورة التضخم
تكشف البيانات عن مفارقة اقتصادية واضحة: فرفع أسعار الطاقة والمرافق والنقل وغيرها من الخدمات قد يكون جزءًا من برنامج الإصلاح المالي وخفض الدعم، لكنه في الوقت نفسه ينتقل إلى تكلفة المعيشة والإنتاج والنقل والخدمات، ومن ثم ينعكس على التضخم.
ولا يتوقف أثر هذه الزيادات عند المواطن وحده؛ فارتفاع التضخم يدفع البنك المركزي إلى الحفاظ على سياسة نقدية أكثر تشددًا، بما يعني استمرار أسعار الفائدة المرتفعة لفترة أطول.
وهنا تتسع دائرة التكلفة لتصل إلى الحكومة نفسها.
الفائدة المرتفعة تضغط على الموازنة
أصبحت مدفوعات الفوائد أكبر بند منفرد في مصروفات الموازنة المصرية.
وبحسب البيانات الواردة في التقرير، استحوذت فوائد الدين خلال السنة المالية 2025/2026 على نحو 50.2% من إجمالي المصروفات الحكومية.
وفي موازنة العام المالي 2026/2027، من المتوقع أن تتراجع النسبة إلى 46.7%، لكنها تظل قريبة من نصف الإنفاق الحكومي.
وتظهر تكلفة الفائدة المرتفعة كذلك في سوق الدين الحكومي، إذ بلغ متوسط العائد المرجح على أذون وسندات الخزانة نحو 24.5% خلال الربع الثاني من عام 2026، مقابل 23.8% في الربع الأول.
ومع ارتفاع تكلفة الاقتراض، تصبح عملية إصدار ديون جديدة وإعادة تمويل الديون المستحقة أكثر تكلفة، وهو ما يضيف أعباء جديدة إلى الموازنة ويزيد من تكلفة خدمة الدين.
حلقة مغلقة بين الأسعار والدين والفائدة
وتكشف قراءة بيانات البنك المركزي عن دائرة اقتصادية مترابطة: ترفع الحكومة أسعار بعض السلع والخدمات وتخفض الدعم لتقليص الأعباء المالية، فتنتقل الزيادات إلى المستهلك وتدفع التضخم إلى أعلى.
ومع استمرار التضخم، تبقى الحاجة قائمة إلى أسعار فائدة مرتفعة للحد من الضغوط السعرية، لكن ارتفاع الفائدة يزيد في المقابل تكلفة اقتراض الحكومة وخدمة ديونها.
وفي النهاية، يدفع المواطن تكلفة هذه الحلقة بأكثر من طريقة؛ مرة من خلال ارتفاع أسعار السلع والخدمات، ومرة من خلال ارتفاع تكلفة الاقتراض، ومرة ثالثة عبر الضغوط التي تفرضها خدمة الدين على الموازنة وقدرتها على توجيه الإنفاق إلى الخدمات والاستثمار.
وتشير بيانات الربع الثاني من عام 2026، كما يعرضها تقرير البنك المركزي، إلى أن فهم التضخم في مصر لم يعد ممكنًا من خلال سعر الدولار وحده، فمع تراجع الضغوط المستوردة وتحسن الجنيه خلال الفترة، ظلت الأسعار ترتفع بفعل عوامل محلية، وعلى رأسها الخدمات والأسعار التي تحددها الحكومة إداريًا.
وبذلك يصبح السؤال الاقتصادي الأهم ليس فقط:
لماذا ترتفع الأسعار؟ وإنما أيضًا: إلى أي مدى أصبحت قرارات الدولة نفسها أحد المحركات الرئيسية للتضخم، ومن يتحمل تكلفة هذه القرارات في النهاية؟