في تصاعد لافت.. الأجهزة تعيد ترحيل السودانيين طوعيًا وأمن الدولة تجليهم قسرا ولاجئي جنوب السودان مستثنون!!

- ‎فيتقارير

شهدت الساحة المصرية خلال الأيام الأخيرة تصاعدًا لافتًا في ملف السودانيين المقيمين في البلاد، بين حملات توقيف وترحيل إداري، وبين استئناف برنامج “العودة الطوعية” الذي تشرف عليه السفارة السودانية بدعم من جهاز المخابرات العامة.

وبينما تتحدث السلطات السودانية عن تنظيم رحلات مجانية لإعادة مواطنيها، تتداول منصات التواصل الاجتماعي روايات عن ترحيل قسري نفذته جهات أمنية مصرية بحق بعض السودانيين، بينهم كتاب وصحفيون ولاجئون مسجلون لدى الأمم المتحدة (تتقاضى السلطات مقابل وجودهم مبالغ من المنظمة الدولية فضلا عن الاستقطاع مما تخصصه منظمة اللاجئين لهم).

 

وأعلنت قناة الجزيرة – مصر عبر حسابها @AJA_Egypt أن القاهرة استأنفت تشغيل قطارات “العودة الطوعية” للسودانيين من محطة رمسيس إلى أسوان، تمهيدًا لعودتهم إلى بلادهم، في خطوة تأتي بعد توقف دام أشهر. ووفق الإعلان، فإن هذه الرحلات تستهدف السودانيين الراغبين في العودة، وتتم بالتنسيق مع السفارة السودانية. غير أن هذا الإعلان تزامن مع موجة من التعليقات على منصات التواصل، بعضها يشكك في إمكانية اتخاذ مصر قرارات واسعة لترحيل المخالفين لنظام الإقامة.

كما كتب حساب مصطفى @mdymd133819 قائلًا إن “اللي مستني قرارات ترحيل جميع المخالفين لنظام الإقامة في مصر في المشمش”، في إشارة إلى استبعاد صدور قرارات جماعية من هذا النوع.

ناس وناس

ورغم تصاعد الجدل حول أوضاع السودانيين القادمين من شمال السودان، خصوصًا بعد حملات التوقيف والترحيل الإداري التي طالت بعضهم خلال الأشهر الماضية، يلاحظ مراقبون أن مواطني دولة (جنوب السودان) وهم بالآلاف لا يواجهون المستوى نفسه من التضييق.

ويستشهد هؤلاء بفيديوهات عديدة من قداسات واحتفالات كنسية في القاهرة — بينها تسجيلات من كنيسة سمعان الخراز في المقطم وكنائس في مصر الجديدة — تظهر حضورًا كثيفًا لمواطنين من جنوب السودان يمارسون شعائرهم الدينية بحرية كاملة، دون أن تُسجَّل ضدهم حملات توقيف أو مداهمات مشابهة لتلك التي يتعرض لها لاجئو السودان الشمالي.

https://x.com/Sallycoofbebo/status/2040885783230312951

ويشير هذا التباين إلى اختلاف واضح في تعامل السلطات المصرية مع المجموعتين، إذ يُنظر إلى مواطني جنوب السودان باعتبارهم “وافدين مستقرين” أو “جالية دينية واجتماعية” لها حضور قديم في الكنائس والمجتمع المحلي، بينما يُعامل القادمون من مناطق الحرب في السودان الشمالي ضمن إطار “الهجرة غير النظامية” أو “الوجود غير الموثق”، وهو ما يفسر تكرار حملات التفتيش والاحتجاز بحقهم.

وتُستخدم هذه الفيديوهات — المنتشرة على نطاق واسع عبر منصات التواصل — كدليل على أن المشكلة لا تتعلق بالوجود الإفريقي عمومًا، بل بطبيعة الوضع القانوني والسياسي للاجئين القادمين من مناطق النزاع في السودان.

وفي سياق متصل، انتشرت مقاطع فيديو وصور تظهر تجمعات كبيرة من "السودانيين" (مواطني جنوب السودان)  والأفارقة، ما أثار نقاشًا واسعًا حول حجم وجودهم في مصر. وكتب حساب @dodo_m_ali تعليقًا على أحد المقاطع: “مفيش مصري واحد وسط طوفان الأفارقة”، في إشارة إلى الازدحام الشديد داخل الكنيسة. وقد أُرفق الفيديو برابط مباشر:

https://x.com/mdymd133819/status/2043149363203944939

 

لكن التطور الأبرز كان في ملف الترحيل القسري، بعد إعلان منصات سودانية عن ترحيل الكاتب والروائي السوداني إدريس علي بابكر من مصر عقب احتجازه لمدة 50 يومًا. وأكد بابكر في تصريحات صحفية (بعد عودته) أنه يحمل بطاقة لجوء صادرة عن الأمم المتحدة، وأن توقيفه جرى رغم امتلاكه وثائق قانونية. وأوضح أنه لم يتمكن من توديع أسرته قبل ترحيله، وأن ظروف احتجازه كانت صعبة، شملت نقص الغذاء وتدهور البيئة الصحية واحتكاكات مع نزلاء آخرين. وأضاف أنه بدأ تدوين تجربته خلال فترة الاحتجاز، وأنه غادر مصر وهو يعاني من تراجع في وضعه الصحي. وانتقد بابكر السفارة السودانية، معتبرًا أنها لم تتابع قضيته بالشكل المطلوب، بينما لم تصدر السلطات المصرية أو السودانية أي تعليق رسمي على هذه الاتهامات.

 

ويأتي ترحيل بابكر في وقت يواجه فيه السودانيون في مصر أوضاعًا معقدة منذ اندلاع الحرب في السودان عام 2023، حيث تشير تقارير حقوقية إلى تزايد حالات الترحيل الإداري وصعوبات في إجراءات الإقامة، إضافة إلى توثيق حالات وفاة داخل أماكن الاحتجاز بسبب سوء الأوضاع. وتثير هذه الوقائع أسئلة حول وضع طالبي اللجوء وحاملي بطاقات الحماية الدولية، في ظل التأكيدات القانونية على ضرورة عدم احتجازهم أو ترحيلهم دون إجراءات واضحة.

 

وفي المقابل، أعلنت السفارة السودانية في القاهرة عن استئناف رحلات العودة الطوعية، حيث انطلقت أول رحلة من محطة رمسيس عبر القطار رقم 41 المكوّن من 10 عربات ويحمل 1100 راكب، بدعم مباشر من جهاز المخابرات العامة السوداني. وأكد السفير عماد الدين عدوي أن الرحلة مجانية بالكامل، وأن البرنامج سيستمر خلال الفترة المقبلة. وتقدّر السلطات السودانية عدد العائدين عبر برنامج العودة الطوعية بنحو 426,000 شخص من أصل 1.5 مليون لجأوا إلى مصر منذ اندلاع النزاع قبل ثلاثة أعوام.

ارتفاع بأعداد المرحلين

تشير بيانات منظمة الهجرة الدولية في تقرير صدر بتاريخ 5 مارس إلى أن 3.6 مليون شخص عادوا إلى مناطقهم داخل السودان، بينهم 17% عادوا من خارج البلاد، بينما عاد 1.6 مليون إلى العاصمة الخرطوم. وتربط السلطات السودانية تزايد حركة العودة بتحسن الوضع الأمني بعد سيطرة الجيش على ولايات سنار والجزيرة والخرطوم، مؤكدة أن أعداد العائدين ترتفع يوميًا. كما ذكر السفير عدوي أن محطة رمسيس شهدت تدفقًا كبيرًا للسودانيين خلال الأسابيع الماضية، مشيرًا إلى أن المصريين يقدمون “معاملة ودية” تجاه السودانيين المقيمين في البلاد.

 

ورغم هذه الصورة الرسمية، فإن تقارير حقوقية عديدة تؤكد أن السودانيين في مصر يواجهون تحديات متعلقة بالحماية، تشمل حملات توقيف، وترحيل إداري، وصعوبات في تجديد الإقامة، إضافة إلى تسجيل وفيات داخل مراكز احتجاز بسبب سوء الأوضاع. وتأتي هذه التطورات في وقت تتزايد فيه المخاوف من تشديد محتمل في سياسات الإقامة، خاصة مع تصاعد الخطاب الشعبي المطالب بفرض قيود أكبر على الأجانب، كما ظهر في تعليقات عديدة على منصات التواصل الاجتماعي.

 

وتدعم البيانات الرسمية الصادرة عن الأمم المتحدة الصورة المعقدة لوضع السودانيين في مصر، إذ أكد مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة أن 1.5 مليون سوداني دخلوا الأراضي المصرية حتى 29 يناير 2026. وفي المقابل، تظهر بيانات المفوضية السامية لشئون اللاجئين أن عدد السودانيين المسجلين رسميًا بلغ 834,201 حتى ديسمبر 2025، وارتفع إلى 845,957 وفق تحديث 31 مارس 2026، ما يعني أن الرقم المتداول عن وجود 630,000 سوداني مسجل أقل من الحقيقة.

 

أما السوريون، فتشير بيانات المفوضية إلى أن عدد المسجلين منهم بلغ 117,364 حتى ديسمبر 2025، بينما وصل إلى 103,380 حتى 31 مارس 2026، مع ارتفاع تدريجي منذ 2012 حين كان العدد 12,800 فقط، قبل أن يتجاوز 147,000 بنهاية 2024. وهذا يؤكد أن الادعاء بوجود مليون سوري في مصر لا يستند إلى أي مصدر موثوق.

 

وبين العودة الطوعية التي تنظمها المخابرات السودانية، والترحيل القسري الذي تنفذه جهات أمنية مصرية، يبقى وضع السودانيين في مصر معلقًا بين مسارين متناقضين، في ظل غياب رؤية واضحة لمعالجة أوضاع مئات الآلاف من الفارين من الحرب، وتزايد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية على الدولة المصرية.