حلّ عيد الفطر هذا العام، كما في العامين الماضيين، على العالم الإسلامي مثقلًا بصور الألم، ومحمّلًا بأسئلة لا تجد لها إجابات سهلة. فبدل أن تتعالى تكبيرات العيد وحدها في الأفق، تختلط بأصوات القصف، وبدل أن تمتلئ القلوب بالطمأنينة، تتنازعها مشاعر الخوف والترقب. من غزة التي لا تزال تنزف تحت وطأة الإبادة، إلى لبنان المثقل بجراحه، وصولًا إلى التوترات المتصاعدة التي تطال إيران وتمتد بظلالها إلى الخليج، يبدو العيد وكأنه يمرّ هذا العام على أمة تعيش امتحانًا قاسيًا في إنسانيتها قبل سياستها. ومع ذلك، يظل العيد، في جوهره، لحظة أمل عنيدة، تذكّر بأن الشعوب، مهما أنهكتها الحروب، لا تفقد قدرتها على التمسك بالحياة، ولا تتخلى عن حلمها في غدٍ أقل وجعًا وأكثر سلامًا.
في قلب هذه الصورة القاتمة، تبرز الحرب على إيران بوصفها واحدة من أخطر محطات التصعيد في المنطقة. فبعيدًا عن السجالات السياسية المعتادة، لا يمكن إنكار أن ما تتعرض له إيران يحمل في طياته ملامح عدوان واضح، يتجاوز في كثير من جوانبه قواعد القانون الدولي ومبادئ السيادة الوطنية. ومن هذا المنطلق، فإن من حق إيران، كدولة عضو في المجتمع الدولي، أن تدافع عن نفسها، وأن تردّ على ما تتعرض له من استهداف، بما يحفظ أمنها ويصون وحدة أراضيها.
يبدو العيد وكأنه يمرّ هذا العام على أمة تعيش امتحانًا قاسيًا في إنسانيتها قبل سياستها. ومع ذلك، يظل العيد، في جوهره، لحظة أمل عنيدة، تذكّر بأن الشعوب، مهما أنهكتها الحروب، لا تفقد قدرتها على التمسك بالحياة، ولا تتخلى عن حلمها في غدٍ أقل وجعًا وأكثر سلامًا.
غير أن هذا الحق المشروع في الدفاع عن النفس لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لتوسيع رقعة الحرب أو نقلها إلى فضاءات أخرى، خصوصًا حين يتعلق الأمر بدول الخليج العربي. إن استهداف هذه الدول، أو تهديد أمنها واستقرارها، لا يمكن تبريره بأي حال، بل يمثل خطأً استراتيجيًا جسيمًا، بل وخطيئة سياسية كبرى من شأنها أن تضرب مصداقية إيران في العمق، وتفقدها ما تبقى لها من رصيد في الوعي العربي والإقليمي. فالعلاقات بين الجيران لا تُدار بمنطق الصواريخ، ولا تُبنى على قاعدة تصدير الأزمات.
وفي هذا السياق، يُسجَّل لدول الخليج، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، ودولة قطر، وسلطنة عُمان، ودولة الكويت، أنها تعاملت مع هذه التحديات بقدر كبير من الاتزان والمسؤولية. فقد مارست حقها المشروع في حماية سيادتها والتصدي لأي تهديدات تمس أمنها، دون أن تنجرّ إلى ردود فعل متسرعة أو سياسات تصعيدية قد تزيد الوضع تعقيدًا. والأهم من ذلك، أنها حافظت على خطاب سياسي هادئ، يراهن على الدبلوماسية والحلول السياسية، في وقت كان فيه الانزلاق نحو المواجهة المباشرة خيارًا سهلًا لكنه بالغ الكلفة.
هذا النهج يعكس وعيًا استراتيجيًا عميقًا بأن أمن المنطقة لا يمكن أن يتحقق عبر الحروب المفتوحة، بل من خلال بناء توازنات دقيقة، قائمة على الحوار والاحترام المتبادل. كما أنه يمنح هذه الدول مصداقية إضافية في المحافل الدولية، باعتبارها أطرافًا مسؤولة تسعى إلى احتواء الأزمات بدلًا من تأجيجها.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أن أي انتصار عسكري تحققه الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل في هذه الحرب ستكون له تداعيات خطيرة على المنطقة بأسرها. فمثل هذا الانتصار لن يعني فقط إضعاف طرف إقليمي، بل قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الهيمنة، ويكرّس منطق القوة على حساب القانون، بما ينذر بمزيد من عدم الاستقرار، وربما بإعادة إنتاج الصراعات في أشكال أكثر تعقيدًا وخطورة.
لكن، وبين هذا وذاك، تظل الحقيقة الأهم أن الحروب لا تدوم. ستنتهي هذه المواجهة يومًا ما، كما انتهت حروب كثيرة قبلها، وسيجد الجميع أنفسهم أمام استحقاق إعادة بناء العلاقات وترميم ما تهدّم. وعند تلك اللحظة، ستبقى إيران جارًا للعرب، وشريكًا جغرافيًا لا يمكن تجاهله، كما ستظل دول الخليج ركيزة أساسية في معادلة الاستقرار الإقليمي.
ومن هنا، فإن التفكير في ما بعد الحرب يصبح ضرورة ملحّة، لا ترفًا سياسيًا. فالمطلوب ليس فقط وقف إطلاق النار، بل بناء رؤية استراتيجية جديدة، تضع أسسًا لعلاقات أكثر توازنًا بين إيران وجوارها العربي، تقوم على احترام السيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والبحث عن مساحات التعاون الممكنة بدلًا من توسيع دوائر الصراع.
إن أمن الخليج العربي يجب أن يُنظر إليه بوصفه جزءًا لا يتجزأ من أمن المنطقة ككل، وأي تهديد له سينعكس سلبًا على الجميع، بما في ذلك إيران نفسها. وفي المقابل، فإن استقرار إيران واندماجها الإيجابي في محيطها يمكن أن يشكلا عامل توازن مهم، إذا ما تم توظيفه في إطار شراكة قائمة على المصالح المشتركة.
إن أمن الخليج العربي يجب أن يُنظر إليه بوصفه جزءًا لا يتجزأ من أمن المنطقة ككل، وأي تهديد له سينعكس سلبًا على الجميع، بما في ذلك إيران نفسها. وفي المقابل، فإن استقرار إيران واندماجها الإيجابي في محيطها يمكن أن يشكلا عامل توازن مهم، إذا ما تم توظيفه في إطار شراكة قائمة على المصالح المشتركة.
في النهاية، يأتي عيد الفطر ليذكّر الجميع، قادة وشعوبًا، بأن السلام ليس خيارًا مثاليًا بعيد المنال، بل ضرورة إنسانية وسياسية. فكما تتصافح الأيدي في صباح العيد، يمكن أن تتصافح الإرادات أيضًا، إذا ما توفرت الشجاعة الكافية لتغليب صوت العقل على ضجيج السلاح.
وربما يكون أعظم ما يمكن أن يُهدى لهذه الأمة في عيدها، ليس مجرد هدنة مؤقتة، بل بداية حقيقية لمسار ينهي دوامة الحروب، ويعيد للإنسان في هذه المنطقة حقه في الحياة، والأمن، والكرامة..