جاءت تصريحات رئيس حكومة السيسي؛ مصطفى مدبولي خلال المؤتمر الصحفي الأسبوعي لتكشف عن واحدة من أكثر اللحظات تناقضًا في الخطاب الاقتصادي الرسمي، بعدما أعلن أن فاتورة استيراد الغاز الطبيعي ارتفعت من 560 مليون دولار شهريًا قبل الحرب إلى 1.65 مليار دولار لنفس الكمية، في وقت تشير فيه البيانات الدولية إلى تراجع الإنتاج المحلي بنسبة 1% خلال يناير ليصل إلى 3.448 مليار متر مكعب مقارنة بـ 3.484 مليار متر مكعب في ديسمبر، بينما انخفض الاستهلاك بنسبة 6% إلى 5.34 مليار متر مكعب وفقًا لقاعدة بيانات الطاقة المشتركة "جودي". هذه الأرقام، التي قُدمت باعتبارها تفسيرًا للأزمة، لم تمرّ دون مساءلة، بل فجّرت موجة من الانتقادات التي كشفت عن فجوة واسعة بين خطاب الحكومة وواقع قطاع الطاقة.
أين اختفت عقود التحوط؟
أول الانتقادات جاءت من حساب الباحث الاقتصادي اسحاق @isaac30208171 الذي كتب بحدة: “فاتورة!! انت المفروض متحوط من تقلب الأسعار… انت رافض تتحمل مسئولية ورافض تقول إنك ألغيت عقود التحوط من سنين لأنك كنت معتقد إن سعر الغاز في هبوط وإنك ممكن توفر مبلغ التحوط!”، في إشارة إلى أن الحكومة — بحسب رأيه — اتخذت قرارًا كارثيًا بإلغاء التحوط، ما جعل مصر مكشوفة أمام تقلبات السوق.
https://x.com/isaac30208171/status/2034344710786121756
هذا الاتهام يفتح الباب أمام سؤال أكبر: كيف لدولة أعلنت نفسها “مركزًا إقليميًا للطاقة” أن تجد نفسها فجأة مضطرة لاستيراد الغاز بهذه الكميات وبهذه التكلفة؟ وكيف يمكن تفسير هذا التناقض بين خطاب “الاكتفاء الذاتي” الذي روّجت له الحكومة لسنوات، وبين واقع الاستيراد المكثف اليوم؟
الإنتاج وضجيج بلا طحن
قناة الشعوب الفضائية @AlshoubBreaking نقلت عن الاقتصادي المصري محمد فؤاد قوله إن “جائزة ضجيج بلا طحن تذهب بلا منازع لوزارة البترول”، مشيرًا إلى أن إنتاج البترول الخام سجل أدنى مستوى تاريخيًا بـ 486 ألف برميل يوميًا في يوليو، وأن إنتاج الغاز تراجع إلى 4.1 مليار قدم مكعب يوميًا، أي فقدان 0.5 مليار قدم مكعب يوميًا (11%) خلال عام. هذا التراجع الحاد يتناقض مع الخطاب الرسمي الذي يروّج لزيادة الإنتاج، ويعتمد — كما يقول فؤاد — على “البيان والتصوير” بدل مواجهة الحقائق.
وفي السياق نفسه، كتب الأكاديمي في مجال الاقتصاد د.محمد فؤاد @MAFouad أن التوقعات الحكومية في فبراير 2025 كانت تتحدث عن وصول الإنتاج إلى 5.5 مليار قدم مكعب يوميًا بحلول صيف 2025، لكن ورقة صادرة عن مركز العدل لدراسات السياسات العامة قدّمت تقديرًا مختلفًا تمامًا، ما يعكس — بحسبه — فجوة بين التوقعات الحكومية والواقع الفعلي.
أزمة إدارة
ولا تتوقف التناقضات عند حدود الأرقام، بل تمتد إلى طريقة إدارة الملف. فبينما تتحدث الحكومة عن “أزمة عالمية”، يرى محللون أن الأزمة محلية بالأساس، وأن سوء الإدارة هو العامل الأكبر. تصريحات مدبولي عن ارتفاع الفاتورة إلى 1.65 مليار دولار أثارت تساؤلات حول سبب عدم وجود عقود تحوط، وهي أداة مالية تستخدمها الدول لحماية نفسها من تقلبات أسعار الطاقة. تعليق isaac يشير إلى أن الحكومة — بحسب رأيه — ألغت عقود التحوط لأنها توقعت انخفاض الأسعار، وهو ما لم يحدث، فدفعت مصر الثمن مضاعفًا.
كما أن تراجع الاستهلاك بنسبة 6% — بحسب بيانات “جودي” — لا يُقرأ كعلامة إيجابية، بل كدليل على تباطؤ اقتصادي، إذ يعني أن المصانع والشركات تستهلك طاقة أقل بسبب انخفاض الإنتاج. هذا التراجع يتناقض مع خطاب الحكومة الذي يتحدث عن “تعافٍ اقتصادي”، ويكشف عن أزمة أعمق في القطاعات الصناعية.
أزمة الغاز وأزمة الديون: حلقتان في سلسلة واحدة
الفقرة الأكثر حساسية في هذا الملف هي العلاقة المباشرة بين أزمة الغاز وأزمة الديون. فارتفاع فاتورة الاستيراد إلى 1.65 مليار دولار شهريًا يعني أن مصر تحتاج إلى 20 مليار دولار سنويًا تقريبًا لتغطية احتياجاتها من الغاز فقط، وهو رقم يساوي تقريبًا نصف احتياجات مصر من العملة الصعبة لخدمة الدين الخارجي.
هذا الارتباط يجعل أزمة الغاز ليست مجرد أزمة طاقة، بل أزمة مالية تهدد استقرار الدولة. فكل دولار يُدفع لاستيراد الغاز هو دولار لا يذهب لسداد الديون، ولا لاستيراد السلع الأساسية، ولا لدعم الصناعة. ومع تراجع الإنتاج المحلي، تصبح مصر أكثر اعتمادًا على الاستيراد، وأكثر عرضة لتقلبات الأسعار، وأكثر حاجة للاقتراض، ما يخلق دائرة مغلقة: (استيراد مرتفع → عجز أكبر → ديون أعلى → عملة أضعف → استيراد أغلى → عجز أكبر).
هذا ما يجعل تصريحات مدبولي — التي جاءت بلا خطة واضحة — تبدو كأنها محاولة لتهيئة الرأي العام لموجة جديدة من رفع الأسعار، أو لتبرير فشل سياسات سابقة، أو لتمهيد الطريق أمام اقتراض جديد.
وقال مراقبون إن تصريحات مدبولي — وردود الخبراء عليها — تكشف عن أزمة ثقة بين الحكومة والمجتمع، وعن فجوة بين الخطاب الرسمي والواقع الاقتصادي. فبينما تتحدث الحكومة عن “ارتفاع الفاتورة”، يتحدث الخبراء عن “تراجع الإنتاج”. وبينما تتحدث الحكومة عن “أزمة عالمية”، يتحدث الخبراء عن “سوء إدارة”. وبينما تتحدث الحكومة عن “استيراد الضرورة”، تشير البيانات إلى “انكماش الاستهلاك”. وبينما تتحدث الحكومة عن “استقرار السوق”، تكشف الأرقام عن “تراجع تاريخي”.